تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

دونالد رامسفيلد: النّـــكـســـة!

هل سيكون دونالد رامسفيلد كبش الفداء لإدارة بوش والمحافظين الجدد الذين هيمنوا عليها؟

(Keystone)

لم يعد يمر يوم لا تطرأ فيه تعقيدات على الاحتلال الأمريكي للعراق وعلى المهام الموكلة للقوات الأمريكية.

غير أن إدارة الرئيس جورج بوش تُعلن تصميمها على المُـضي قُـدما في سياستها في العراق غير عابئة بتصاعد المعارضة الشعبية قبل عام على الانتخابات الرئاسية.

مع تصاعد عدد القتلى الأمريكيين في العراق، وتزايد القلق الشعبي من تورط القوات الأمريكية في مستنقع جديد يُـعيد إلى الذاكرة عقدة فييتنام، وإزاء اتهامات متنامية بعدم التخطيط الكافي لعراق ما بعد الحرب الصادرة عن زعماء الكونغرس والساعين للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة القادمة، بدأ أفول نجم وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفلد، وشعر الرئيس بوش بأنه آن الأوان ليُـخفّـف من قبضة رامسفلد على شؤون عراق ما بعد الحرب، فأسند الملف العراقي لمستشارته لشؤون الأمن القومي كوندوليزا رايس بحجة التنسيق بين الوكالات والوزارات الأمريكية المختلفة العاملة في عراق ما بعد الحرب.

ويتنبأ بعض المحللين السياسيين بأن وزير الدفاع الأمريكي الذي احتل الصدارة بين صقور الحرب في إدارة الرئيس بوش قد ينسحب تدريجيا من المشهد السياسي والعسكري، ويُـرجِّـح هؤلاء المحللون أن يستقيل رامسفلد من منصبه قبل نهاية فترة رئاسة الرئيس بوش.

وزاد من تدهور مكانة وزير الدفاع الأمريكي، التصريح المثير للازدراء الذي صدر عن الجنرال وليام بويكن، نائب وكيل وزارة الدفاع لشؤون الاستخبارات والذي أساء فيه إلى الدين الإسلامي، ووصفه بأنه دين شيطاني يعبد فيه المسلمون صنما، ولم يتحرك وزير الدفاع رامسفلد لانتقاد ذلك التصريح الذي لا يخدم إلا إدعاء أسامة بن لادن بأن الحرب الأمريكية ليست ضد الإرهاب وإنما ضد الإسلام.

تدهور الوضع في العراق

ثم جاء حادث إسقاط طائرة هليكوبتر عسكرية أمريكية بصاروخ أرض جو بالقرب من الفلوجة، والذي راح ضحيته 16 جنديا أمريكيا في يوم واحد ليلقي بظلاله القاتمة على الاستراتيجية العسكرية لوزير الدفاع رامسفلد، حيث زاد إدراك الشعب الأمريكي لعدم وجود خطط عسكرية للحفاظ على الأمن في العراق، ناهيك عن إصرار رامسفلد على عدم إرسال قوات تكفي لتأمين أرجاء العراق المترامية، خاصة ما أصبح يُـعرف بالمثلث السني.

واكتفى وزير الدفاع الأمريكي بالاعتراف بأن لدى المقاومة العراقية مئات الصواريخ أرض جو المحمولة على الكتف. وظهر تخبّـط رامسفلد في أجلى صورة في اتخاذ قرار عكسي لما أصر عليه في أعقاب الحرب من ضرورة تسريح أفراد القوات المسلحة العراقية بالكامل، فعاد ليقول "إنه لا حاجة لإرسال مزيد من القوات الأمريكية إلى العراق لأنه سيجري استخدام الجنود العراقيين بأعداد متزايدة لسد الفجوة".

وسرعان ما عبّـر الرأي العام الأمريكي في أحدث استطلاع عن عدم موافقة 51% من أبناء الشعب الأمريكي على الطريقة التي تعالج بها إدارة بوش الوضع في العراق، خاصة وأن ثلثي عدد القتلى الأمريكيين في العراق لقوا حتفهم في عمليات المقاومة التي أعقبت إعلان الرئيس بوش في عملية إخراج مسرحي مثير من على ظهر حاملة طائرات أمريكية انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية في أول مايو الماضي.

والغريب أنه عندما طالب نائب الرئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، السناتور الديمقراطي جوزيف بايدن، بزيادة عدد القوات الأمريكية في العراق لتوفير الأمن بسرعة، وسانده في ذلك رئيس اللجنة السناتور الجمهوري ريتشارد لوجر، كان رد رامسفلد أن عدد الجنود العراقيين المدربين يزيد على مائة ألف فرد، بينما كان عددهم صفرا في أعقاب انتهاء العمليات القتالية دون أن يقدم تفسيرا لكيفية توفر مثل ذلك العدد الضخم من القوات العراقية المدربة على حفظ النظام والأمن.

كما لم يقدم تفسيرا لحقيقة اتسام الهجمات الأخيرة على القوات الأمريكية بقدر واضح من التقدم والتعقيد، بما في ذلك استخدام صواريخ مضادة للطائرات تطلق من فوق الكتف، واستهداف الشخصيات العراقية التي تتعاون مع الإدارة المدنية لقوات الاحتلال الأمريكي.

رامسفيلد كبش الفداء؟

وسرعان ما تحول وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفلد من الصقر المدلل الذي حظي بسطوة ونفوذ واسع النطاق في الإدارة الأمريكية على مدى ثلاثة أعوام، إلى مشكلة بالنسبة للحزب الجمهوري باتت تهدد فرص الرئيس بوش في إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية.

وكما يقول المحلل العسكري مايكل أوهانلن بمعهد بروكنغز في واشنطن، فإن مشاكل رامسفلد في العراق أصبحت العنصر الأكثر ترجيحا في إثارة الشكوك حول فرص الرئيس بوش في الفوز بانتخابات الرئاسة القادمة، وهو ما دفع الرئيس في الأسابيع الأخيرة إلى إنهاء هيمنة رامسفلد على السياسة الأمريكية في العراق وأفغانستان بإسنادها إلى مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس.

وبطبيعة الحال، استغل المرشحون الديمقراطيون الفرصة، وتسابقوا في كيل الاتهامات لوزير الدفاع الأمريكي. فقد ألقى السناتور الديمقراطي جوزيف ليبرمان بمسؤولية عدم التخطيط لعراق ما بعد الحرب على رامسفلد وطالب بإقالته لتجاهله كل النصائح التي قدمها مستشاروه بضرورة التخطيط لكافة الاحتمالات في عراق ما بعد الحرب.

وكذلك، طالب السناتور جون كيري الساعي لترشيح الحزب الديمقراطي له لخوض معركة انتخابات الرئاسة الأمريكية باستقالة رامسفلد لأنه فشل في الإعداد لسيناريو ما بعد الحرب في العراق.

وردد المرشح الديمقراطي للرئاسة هاوارد دين نفس المطلب، كما طالب المرشح الديمقراطي للرئاسة دينيس كوسينتش بإنشاء وزارة للسلام تتولى التنسيق بين الوكالات الأمريكية العاملة في العراق لتخطي مرحلة الإخفاق في التخطيط لعراق ما بعد الحرب.

كما طالب عدد من زعماء الكونغرس بتنحية رامسفلد ونائبه بول وولفوفيتز. فقد أرسل النائب الديمقراطي ديفيد أوبي نائب رئيس لجنة تخصيص الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي رسالة إلى الرئيس بوش دعاه فيها إلى إعادة رامسفلد وبول وولفوفيتز إلى القطاع الخاص بعد سجلهما الحافل بالحسابات الخاطئة خلال العام الماضي، وسانده في ذلك الطلب النائب الديمقراطي بوب إدجار.

الكونغرس يحقق في التخطيط

وساعد في تركيز الأضواء على إخفاق رامسفلد في التخطيط لعراق ما بعد الحرب، أن اللجنة الفرعية لشؤون المخابرات التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي التي تُـحقق في مدى صحة معلومات المخابرات التي استندت إليها إدارة بوش في شن الحرب على العراق، وجّـهت رسالة إلى وزير الدفاع الأمريكي طالبته فيها بتقديم معلومات مفصّـلة عن المجموعات السياسية، التي تم اختيارها فردا فردا للتركيز على الشؤون العراقية تحت إشراف وكيل وزارة الدفاع الأمريكي دوغلاس فايث، وكذلك معلومات عن نشاطات وتشكيل مجلس الخطط الخاصة التابع لوزارة الدفاع، والمتهم بالقيام بتجميع معلومات المخابرات عن العراق وتحليلها خارج القنوات الشرعية المُـكلّـفة بذلك.

ورغم واجهة الصرامة والإصرار التي يتخفى وراءها رامسفلد في كل مؤتمر صحفي، فإن مذكرة بتاريخ 16 أكتوبر الماضي، وجهها إلى أربعة من كبار مساعديه في وزارة الدفاع، هم بول وولفوفيتز، والجنرال ريتشارد مايرز، والجنرال بيت بيس، ووكيل وزارة الدفاع دوغلاس فايت، تسرّبت إلى وسائل الإعلام الأمريكية، وأظهرت اعتراف كبير صقور الحرب في أمريكا بأنه رغم قناعته بإمكانية انتصار التحالف في كل من أفغانستان والعراق بشكل أو بآخر، فإن الولايات المتحدة ستخوض طريقا بالغ الصعوبة لفترة طويلة من الزمن.

كما أقر رامسفلد في هذه المذكرة بأن نسبة الإنفاق على الحرب الأمريكية ضد الإرهاب مقابل تحقيق الأهداف المرجوة ليست في صالح الولايات المتحدة. فبينما تنفق الحكومة الأمريكية آلاف الملايين من الدولارات لملاحقة الإرهاب في العالم، ينفق الإرهابيون بضعة ملايين لمواصلة نشاطاتهم. كما اعترف رامسفلد في مذكرته بأن تحقيق هدف ملاحقة زعماء طالبان مثل الملا محمد عمر، وقلب الدين حكمتيار، اتسم بالبطء وخلص إلى أن سجل مكافحة الإرهاب منذ 11 سبتمبر يتضمّـن خليطا متناقضا من النتائج.

فبينما مارست الولايات المتحدة ضغطا هائلا على تنظيم القاعدة الذي يقوده أسامة بن لادن، لا زال عدد ضخم من أعضاء التنظيم هاربين ولا تتوفر لدى الولايات المتحدة وسائل لقياس مدى النجاح في حملتها ضد الإرهاب في العالم. بالنظر إلى تزايد عدد الملتحقين بالمنظمات الإرهابية في نطاق الدعوة إلى الجهاد بالمقارنة مع عدد الذين تمكّـنت القوات الأمريكية والحملة الدولية على الإرهاب من اعتقالهم أو قتلهم.

قلق الجمهوريين وتخوفاتهم

ولم يقتصر الانتقاد الموجه إلى وزير الدفاع الأمريكي على الجانب الديمقراطي. فقد نقل مساعدو السناتور الجمهوري جون وارنر، رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، والسناتور الجمهوري جون ماكين عضو اللجنة عنهما قولهما أن هناك خلافات عريضة بينهما وبين وزير الدفاع رامسفلد حول الطريقة التي عالج بها الوضع في العراق، خاصة فيما يتعلق بإصراره على عدم زيادة حجم القوات الأمريكية هناك لضمان الأمن والاستقرار، وهو ما أدى إلى تصاعد الخسائر في الأرواح بين أفراد تلك القوات.

وفيما يرى بعض المحللين أنه من الطبيعي أن يصبح وزير الدفاع الأمريكي رامسفلد هدفا منطقيا للهجوم في الكونغرس، والحزب الديمقراطي في حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية بالنظر لإصراره على سيطرة وزارة الدفاع الأمريكية على عراق ما بعد الحرب، ومقاومة أي دور رئيسي للمجتمع الدولي أو الأمم المتحدة، فإن زعماء بارزين في الحزب الجمهوري يعتقدون بأن إقالة رامسفلد في هذا الوقت الحرج يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية بالنسبة لإدارة الرئيس بوش، لأنه سيفتح الباب على مصراعيه أمام التشكيك في الحكمة أصلا من خوض الحرب ضد العراق، والتي كانت من ركائز سياسة الحزب الجمهوري.

وتوقع زعماء الحزب الجمهوري أن تتواصل الانتقادات الموجهة لرامسفلد خلال العام المتبقي من رئاسة بوش، ولكنهم أشاروا إلى أنه إذا تمكن بوش من الفوز بفترة رئاسية ثانية، فإن حكومته القادمة ستشهد اختفاء رامسفلد من مسرح الحياة العامة الأمريكية.

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×