"يجب علينا حماية سويسرا من الانهيار الاجتماعي"

عاملون متطوعون يقومون بتصنيف المواد الغذائية ومستلزمات النظافة الشخصية في المقر المركزي لمحال مؤسسة "كاريتاس" الخيرية المخصصة للفئات الاجتماعية الأضعف، ومقره بمدينة لوزان. حيث تخفف إمكانية التسوق منخفض التكاليف العبء عن كاهل هذه الفئات (تاريخ الصورة: 12 فبراير 2019) Salvatore Di Nolfi/Keystone

"لقد أدت أزمة فيروس كورونا المستجد إلى تفاقم مشكلة عدم التكافؤ الاجتماعي في سويسرا"، على حد قول أوليفر ناختفاي، الباحث في علم الاجتماع. حيث يستشرف الخبراء رجالاً ونساءً خطراً يحدق بالديمقراطية.

رينات كوينتسي رينات كونتسي

في سويسرا، أصابت الآثار المترتبة على أزمة كورونا الفئات المجتمعية الأضعف في مقتل، ونعني بهم: بعض أصحاب الأعمال الحرة، الذين فقدوا عملائهم، والأمهات المُعيلات، والمديونين، والمتقاعدين غير ميسوري الحال، والمهمشين والمستضعفين.

فالكثيرون منهم جرى إغفالهم في كل برامج التضامن الاجتماعي، حتى أن برنامج المساعدات، الذي قدمته الحكومة الفدرالية والذي يقدر بـ 40 مليار فرنكاً لم يشملهم.

الارتفاع المفاجيء في أعداد العاطلين عن العمل

ولم تستطع قروض الضمان المقدمة للشركات في أزمة السيولة الخانقة هذه، ولا التعويضات الحكومية للعاملين المؤقتين الحيلولة دون أن تشهد سويسرا منذ مطلع شهر إبريل أكبر ارتفاع في أعداد العاطلين عن العمل في مدى قصير كهذا.

ففي عام 2018 أسفرت إحصاءات الإعانات الاجتماعية عن وجود 807 آلاف شخص ممن يحصلون على إعانات تكميلية من البلديات والكانتونات بسويسرا. ولم تتوفر بعد أرقام أحدث من هذه. ولكن الحجر الصحي أدى إلى ارتفاع هائل في أعداد المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات مماثلة (أنظر الإطار المصاحب).

يعمل أوليفر ناختفاي كأستاذ لتحليل الهياكل الاجتماعية بجامعة بازل وكمؤلف. وقد حصل على عدة جوائز عن كتابه "المجتمع المنحدر، حول التمرد في مرحلة الحداثة الرجعية". Derek Li Wan Po, Uni Basel

"نظراً للأزمة الاقتصادية المحدقة وللبطالة، فإن المطلوب حالياً هو حماية المجتمع السويسري من الانهيار الاجتماعي"، على حد قول أوليفر ناختفاي، أستاذ تحليل الهياكل الاجتماعية بجامعة بازل.

ولتحقيق هذا الهدف، فإن الخبير في الشئون الاقتصادية والعلوم الإنسانية يود الذهاب إلى أبعد مما ذهبت إليه الحكومة الفدرالية. "إذ يجب أن تشمل هذه الإجراءات الجميع"، مثلما يقول ناختفاي. إن عدم التكافؤ الاجتماعي قد يصبح خطراً على الديمقراطية. وخاصة حينما يجد المستثنون اقتصادياً أنفسهم وقد انقطعت أواصر الصلة بينهم وبين المجتمع، وأصبح "العامل المشترك"، وهو الجمهورية، أمراً لا يعنيهم.

"إن عدم التكافؤ الاجتماعي ينطبق بنسبة مائة في المائة على الأنماط التقليدية للمشاركة السياسية، خاصة الاقتراعات والانتخابات"، كما تقول فلافيا فوساتي، الأستاذ المساعد بالمعهد العالي للإدارة العامة بجامعة لوزان (أنظر الإطار المصاحب). أما العوامل الحاسمة في نسب المشاركة السياسية فتتمثل وفقاً لرأي هذه الخبيرة في: التعليم، والوضع الاجتماعي، والموارد وكذلك الجنس.

تراجع دور النقابات العمالية

"يحظى الأشخاص الذين يتمتعون بتأهيل جيد بقدرات فكرية أفضل وبإمكانيات أفضل للوصول إلى المعلومات. كما تتوفر لديهم شبكات يستطيعون التحرك خلالها"، مثلما تقول فوساتي. وهذا لا يدعم فقط النقاش وتكوين الآراء، بل كذلك المشاركة السياسية في المقام الأول. ومن جهة أخرى، فإننا نجد أن الأشخاص ذوي الوضع الاجتماعي المتدني، يميلون نحو قلة المشاركة، كما أن تمثيلهم السياسي يكون أضعف كذلك.

فلافيا فوساتي، الخبيرة في علم الاجتماع والمختصة في عدم التكافؤ والدمج. وهي تعمل كأستاذ مساعد في المعهد العالي للإدارة العامة بجامعة لوزان. IDHEAP

ويشير كل من فوساتي وناختفاي إلى ارتباط هذا الوضع بتأثير النقابات الحكومية الآخذ في الانحسار. "ففي الماضي كانت الحركة العمالية، خاصة النقابات تمثل البيئة المناسبة للفئات الأضعف اجتماعياً، كما كانت تنوب عنهم كذلك في البرلمان. إلا أن أعداد المرشحين المنحدرين من هذا المحيط الاجتماعي الذين يتسنى لهم الوصول إلى البرلمان الفدرالي أصبحت حالياً في تراجع مستمر"، على حد قول ناختفاي.

في دوامة الانحدار

هناك دوامة من الشعور بالاغتراب وعدم الرؤية تحدق بنا. ويوضح ناختفاي هذا مستشهداً بموطنه الأصلي ألمانيا. "حيث يعيش ربع الشعب حالة من الركود أو بالأحرى الانحدار الاجتماعي. فقد اعتراهم اغتراب عن الديمقراطية، إذ يرون أن الديمقراطية بوصفها أحد أشكال حكم الدول، لم تكن في مصلحة الجميع".

فالكثير من قرارات البرلمان تأتي متوافقة مع مصالح الطبقة المتوسطة والعليا، على حد قول ناختفاي.

ثوابت المجتمع السويسري يتهددها خطر التآكل

هكذا عبرت السيدة فوساتي عن هذا: "إن خطر التفكك يحدق بنا، فحينما ينفصل جزء من الشعب ليس فقط اجتماعياً، بل سياسياً كذلك". فإن هذا يؤدي إلى تآكل اثنتين من المميزات البارزة لسويسرا"، ألا وهي: رضى المواطنين رجالاً ونساءً الواسع عن السياسة من ناحية، وثقتهم العالية في المؤسسات السياسية، وصولاً إلى الحكومة الفدرالية نفسها، من ناحية أخرى.

وهذا الرضى مرجعه، وفقاً لرأي هذه الخبيرة في علم الاجتماع، إلى المشاركة السياسية في إطار الديمقراطية المباشرة. "إن فرصة مشاركة المواطنين في اقتراعات شعبية بصورة منتظمة، أي أربع مرات سنوياً، تمنح الديمقراطية المزيد من الشرعية".

ومما يعزز الثقة هو توفر الكفاءة، أي مسألة مدى السرعة والجودة التي تتغلب بها كل من الحكومة الفدرالية والبرلمان في سويسرا على المشكلات السياسية.

فضلاً عن ذلك، تشتمل هذه الكفاءة على شروطٍ إطارية، بحسب قول السيدة فوساتي، مثل الوضع الاقتصادي الجيد، وضمان الحقوق الأساسية، وسيادة دولة القانون، والتي تساهم كذلك في ارتفاع حالة الرضى والثقة العالية.

أما فيما يتعلق بعدم تكافؤ الدخل ـ وهو يقاس بما يعرف بمؤشر "جيني" ـ فإن سويسرا تعتبر في مركز متوسط أوروبياً. فالدول الشمالية تميل نحو مزيد من التمازج، بينما تظهر فوارق كبيرة في الدول الجنوبية. 

أما بالنسبة للسيد ناختفاي، فإن اللامساواة لا تشكل عاملاً حاسماً من حيث كمها، بل على الأحرى من حيث نوعية الآثار المترتبة عليها. خاصة مسألة ما إذا كانت ستشكل ضغطاً على المشاركة السياسية أم لا، ومتى سيحدث ذلك.

تطور مأساوي بسبب جائحة فيروس كورونا

على السلطات والإدارات الاجتماعية بالكانتونات والبلديات أن تتوقع زيادة في أعداد المتلقين لإعانات اجتماعية في جميع أنحاء سويسرا تقدر بعشرات الآلاف. هذا ما يتوقعه كريستوف آيمان، رئيس المؤتمر السويسري للإعانة الاجتماعية.

ومما يشير إلى ذلك هو ارتفاع الطلبات المقدمة بهذا الشأن في مدن مثل زيورخ وبرن. فهناك تلقت السلطات عدداً من الطلبات بزيادة تتراوح ما بين 30% إلى 70%، مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

وبالنسبة لآيمان تعتبر هذه الطلبات الجديدة بمثابة "ترمومتراً" لقياس ما سيكون عليه الوضع في الأسابيع والأشهر القادمة. "إن هذا أمراً يقلقنا بشدة".

المصدر: جريدة "دير بوند" (تصدر يومياً باللغة الألمانية من مدينة برن) بتاريخ السابع من إبريل 2020

End of insertion

الحزمة الاجتماعية تؤتي ثمارها، برغم كل شيء

برغم الفوارق الداخلية الكبيرة ـ حيث توجد كانتونات ثرية وأخرى أكثر فقراً ـ فإن سويسرا تتمتع بمستوى معيشة مرتفع نسبياً مقارنة بدول العالم، على حد قوله. "فحتى مع وجود دخل متدنٍ يمكن ممارسة حياة كريمة في سويسرا. فالاغتراب أو الانفصال المجتمعي هنا لم يبلغ درجة كبيرة بعد، إذ يظل ذوي الوضع الاجتماعي الأضعف أعضاءً في المجتمع".

وهذا بخلاف دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتوفر لبعض الولايات مثل آلاباما نظم متقدمة من الآليات، وهذا لتحقيق هدف أوحد وهو استثناء المستضعفين. بهذا يضاف التمييز العرقي إلى آخر اقتصادي، بل وسياسي أيضاً"، يقول السيد ناختفاي.

إلا أنه ينظر إلى الديمقراطية المباشرة كآلية لمكافحة عدم التكافؤ الاجتماعي أيضاً. "فالديمقراطية المباشرة تعتبر كذلك بوابة للمبادرات الاجتماعية. وفي كانتون بازل ـ المدينة على سبيل المثال، وافقت أغلبية المواطنين في أحد الاقتراعات على البناء التعاوني للمساكن".

صحيح أن سويسرا قد شهدت منذ تسعينيات القرن الماضي زيادة في تفاوت الأجور. إلا أنها تمكنت من تدارك عدم التكافؤ الاجتماعي بحلول عام 2012. وهذا عن طريق بعض الإجراءات الاجتماعية الحكومية من ناحية، وعن طريق زيادة عمل المرأة من ناحية أخرى.

ففي سياق متصل، يتحدث اتحاد الشركات السويسرية "إيكونومي سويس"، عن توزيع مستقر وعادل للدخل في سويسرا، وهذا عبر عقود مضت.

+ توزيع الدخل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومن بينها سويسرا لعام 2016 (باللغة الإنجليزية).

إلا أن جائحة كورونا تهدد اليوم هذا التوازن الهش. لذلك تؤيد فلافيا فوساتي بشدة ما يلي: "إن المفتاح في مكافحة اللامساواة كان ولا يزال نظام تعليمي جيد، ودولة رفاهية قوية. هذه هي الآليات الأكثر فعالية في الحيلولة دون إقصاء فئة جرى استثناؤها".

الفئات الأضعف اجتماعياً هي الأقل مشاركةً

تبلغ مشاركة المواطنين والمواطنات من ذوي التأهيل العلمي المتدني والدخل المنخفض في الانتخابات السويسرية نسباً دون المتوسط. وهذا ما أظهرته الانتخابات البرلمانية لعام 2015: حيث جاءت نسبة المشاركة: 49%.

يشكل المواطنون من ذوي التعليم الأساسي: 30%، والمواطنون من ذوي الدخول التي تصل إلى 4000 فرنكاً: 40%.

ملحوظة: لا تتوفر بعد أرقاماً بشأن الانتخابات السويسرية 2019.

أما بالنسبة لـ الاقتراعات فمن الصعوبة بمكان معرفة نسب المشاركة وفقاً للفئات الاجتماعية.

المصدر: المركز السويسري لدراسة الانتخابات (Selects)، لعام 2015 صـ 6 

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة