Navigation

د. أحمد منيسي: "لا يجب أن يكون الجيش دولة داخل الدولة في مصر"

الباحث والمحلل السياسي المصري الدكتور أحمد منيسي، الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، ومركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية. swissinfo.ch

أوضح الباحث والمحلل السياسي المصري الدكتور أحمد منيسي، الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، أن خلفية الصِّـراع الدائر في مصر خلال هذه المرحلة الانتقالية التي تمُـر بها البلاد، تعكس ملامح المخاوف المتبادّلة والثقة المفقودة، بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الحاكم، والقوى والتيارات السياسية، وفي المقدمة منها، التيار الإسلامي عامة، وجماعة الإخوان المسلمين (كبرى التنظيمات السياسية بمصر)، على وجه الخصوص.

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 نوفمبر 2011 - 15:39 يوليو,
همام سرحان - القاهرة, swissinfo.ch

وقال منيسي، الخبير بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، في حديث خاص لـ swissinfo.ch: "المؤسسة العسكرية تريد أن تنحت لنفسها مكانا متميزا في مصر الجديدة، على غِـرار الوضع الخاص بالجيش التركي، قبل أن يُـقلَـِّـم رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أظافره، من خلال التعديلات الدستورية"، مشيرا إلى أن "قادة المؤسسة العسكرية يريدون الحصول على تطمينات مكتوبة بعدم المساس بوضعهم المتميِّـز أو محاسبتهم، لكونهم من بقايا نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك".

وأضاف منيسي أن "القوى السياسية، وفي المقدِّمة منها جماعة الإخوان المسلمين، يرفضون منح المؤسسة العسكرية وضعا مميزا يجعلها دولة داخل الدولة، ومن ثَـم، تستعصي على المراقبة والمحاسبة، شأنها شأن كل مؤسسات الدولة"، معتبرا أن "هذا هو سِـر رفض الإخوان الشديد لتمرير وثيقة السِّـلمي، التي أوصلت البلاد بإصرار المجلس العسكري عليها وتمسُّـكه بها، إلى هذه الفوضى التي أسْـفرت عن مقتل 33 شابا وإصابة قرابة 2000 خلال أربعة أيام من الاشتباكات في ميدان التحرير". مزيد من التفاصيل في نص الحوار التالي:

swissinfo.ch: لماذا يصِـر الجيش أن ينتحت لنفسه مكانا متميزا في مصر الجديدة؟

الدكتور أحمد منيسي: الجيش المصري منذ ثورة 23 يوليو 1952، وهو مُمسِك بكافة خيوط اللعبة السياسية. وعلى الرغم من كل التحولات التي شهدتها مصر، منذ ذلك التاريخ، ظلّ الجيش اللاعب الأهم، وإن تمّ ذلك في كثير من الأحيان من خلف ستار، وهذا أمر يعتبره الجيش مكسباً رئيسياً له ولا يريد التخلي عنه. فلدى الجيش قناعة راسخة بأنه يجب أن يكون موجوداً في قلب المشهد السياسي، استناداً إلى هذا الدور التقليدي، الذي مارسه في الحياة السياسية، ولدى الجيش إيمان بأن دوره يُعدُ ركيزة أساسية للاستقرار السياسي في مصر.

وفضلاً عن ذلك، هناك الدور الاقتصادي الذي تمارسه المؤسسة العسكرية. فهي تسيطر، كما تقول الإحصائيات، على نحو 25% من الاقتصاد القومي، وهناك من يقول إن هذه النسبة تصل إلى 45% وتصل قيمة الأصول الاقتصادية التي يسيطر عليها الجيش نحو 400 مليار جنيه. وهذه الأصول تُدِرُ أرباحا تُقَدّرُ بعشرات المليارات من الجنيهات سنويا، مُـعظم هذه الأرباح تكدّست في جيوب مبارك وقادته العسكريين.

كما يدير الجيش المصري إمبراطوريةً اقتصاديةً تُنْتِجُ مجموعةً واسعة من السِّـلع العسكرية والمدنية والخدمات، ويُصَنِّـعُ كل شيء، من المياه المعدنية وزيت الزيتون والأنابيب والكابلات الكهربائية والكيماويات والإسمنت والإنشاءات والفنادق والصناعات البترولية، فضلاً عن المساحات الشاسعة من الأراضي المملوكة له، في دلتا النيل والوادي الجديد والبحر الأحمر.

ويمكن القول أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم، هو بالفعل أشبَـه ما يكون بمجلس إدارة لمجموعة من الشركات الكبرى، وهي الشركات التي تمتلكها المؤسسة العسكرية، والمشير محمد حسين طنطاوي، القائد العام ورئيس المجلس العسكري، هو الرئيس التنفيذي لهذه المجموعة من الشركات. كما أن كل الشركات والمصانع والمتاجر المملوكة للجيش، تُدار من قِـبَـل جنرالات ولواءات جيش متقاعدين.

ما هي برأيك مخاوف المجلس العسكري التي تدفعه للبحث عن هذه الوضعية المتميزة في مصر الجديدة؟ وما التطمينات التي يريدها بالضبط؟

الدكتور أحمد منيسي: مخاوِف المجلس العسكري تتمثل في فِـقدانه للمكانة التي يحظى بها حاليا، بما فيها من جوانب اقتصادية سبق الإشارة إليها، وبما فيها من دور رئيسي في الحياة السياسية. ويخاف الجيش بالفعل أن يؤدّي انسحابه التام من الحياة السياسية إلى سيادة حالة من عدم الاستقرار في البلاد.

ولدى المجلس أيضا مخاوف من إمكانية خضوع بعض قياداته للمحاكمات بعد تشكيل المؤسسات التشريعية والحكومة الجديدة، باعتبار أن المجلس هو جزء من نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، أو أن يُحاكَم على ما تَـم من جرائم قتل في المرحلة الانتقالية. ولدى المجلس مخاوف مشروعة، ذات صلة بالأمن القومي، خاصة مع وجود العدُو الصهيوني على حدودنا الشرقية واستمرار احتلاله للأراضي العربية، وما تعانيه منطقة الشرق الأوسط بشكل عام من حالة عدم الاستقرار.

أما بخصوص التطمينات، فإن المجلس لم يطلب بالطبع بشكل مباشر أية تطمينات، لكن التطمينات التي يُريدُها هي ذات صلة – بالضرورة - بهذه المخاوف التي تحدَّثنا عنها، وذات صلة أيضا برغبته في الحفاظ على ما يتمتّـع به من مكانة تقليدية سياسية أو اقتصادية.

لماذا لا تريد القوى السياسية منح الجيش هذه التطمينات لاجتياز هذه المرحلة الحرجة؟ وهل هي مستعدّة لأن تمنحه تطمينا نهائيا بأنه لن تكون هناك محاكم تفتيش ضدهم؟

الدكتور أحمد منيسي: القِـوى السياسية والأحزاب، لا تريد منح الجيش وضعا مميزا، لأن ذلك سيكون على حساب تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي، تكون فيه كل المؤسسات – بما فيها العسكرية - خاضعة للرقابة الشعبية، خاصة مع ضخامة دور المؤسسة العسكرية في المجال الاقتصادي، وهي مُحِقَـةٌ في ذلك بالطبع.

كما أن الطبقة السياسية بالإجماع – تقريباً - في البداية كانت مستعدّة لمنح المجلس العسكري تطميناً نهائياً بأنه لن تكون هناك محاكِـم تفتيش ضدّهم بعد أن وقف الجيش في صفّ الثورة، لكن هناك أحداث كثيرة أضَـرّت بهذا الإجماع، مثل أحداث ماسبيرو والأحداث الأخيرة، التي وقعت في ميدان التحرير وأسفرت عن مقتل نحو 33 شخصا وإصابة قرابة 2000 مواطن. فهناك من يُطالب بمحاكمة المجلس، وأعتقد أن هذا الموضوع مُعَقَّـدٌ جدًا.

هل تعتقد أن الجيش المصري يريد وضعا متميزا كالذي كان للجيش التركي حتى سنوات قليلة خلت؟

الدكتور أحمد منيسي: أعتقد أن الجيش يريد بالفعل وضعا مميزا، على غرار الوضع الخاص بالجيش التركي قبل أن يقلِّـم أردوغان أظافره، وأعتقد أن الولايات المتحدة التي لها علاقات وثيقة مع قادة المجلس، تدفع في هذا الطريق، خوفاً من الإسلاميين حال وصولهم إلى السلطة، وهذه الرغبة واضحة جدا في وثيقة "المبادئ فوق الدستورية"، التي طرحها الدكتور علي السِّـلمي، نائب رئيس الوزراء للشؤون السياسية والتحوّل الديمقراطي، التي تجعل الجيش باختصار "دولة داخل الدولة". والجيش يصِـر على ذلك، حفاظاً على مكاسبه، وأيضا لِـما لديْـه من مخاوف.

برأيك، ما هو المَخْرَج من هذه الوضعية الصعبة التي تعيشها مصر هذه الأيام؟

الدكتور أحمد منيسي: المَـخرَج يتمثَّـل في ضرورة أن لا يكون الجيش دولة داخل الدولة وأن يكون للمؤسسة العسكرية مكانةً كتلك التي تحظى بها الجيوش في الدول الديمقراطية، بمعنى خضوع هذه المؤسسة كغيرها من المؤسسات للرّقابة الشعبية، مع الأخذ بعين الاعتبار ما قد تُـمليه الاعتبارات الخاصة بالأمن القومي، وهذا ما تصِـر عليه القوى السياسية، وما أُدْخِلَ من تعديلاتٍ على وثيقة السلمي فيما يخص مكانة الجيش (المادتان 9 و10)، استجاب لما تُطَالِبُ به هذه القوى السياسية، وأعتقد أنه لن تكون هناك مشكلة كبيرة في التوافق حول مكانة الجيش في مصر الجديدة.

الإسلاميون (والإخوان تحديدا) قدّموا تطمينات كثيرة وبعثوا برسائل كثيرة منذ اندلاع ثورة 25 يناير، وحتى اليوم، فلماذا لا يُصدِّقهم الجيش؟

الدكتور أحمد منيسي: قادة الجيش، أي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، هُـمْ جزءٌ من نظام مبارك البائد، وهو ينظر إلى الإسلاميين تقريبا بنفس الطريقة التي كان ينظر بها مبارك للتيار الإسلامي، وبالتالي، فإن المجلس العسكري ليست لديه ثقة كبيرة بالإسلاميين، ويخشى إذا ما صارت الكُـرة في ملعبهم والسلطة في أيديهم، أن ينقلبوا عليه ليحاسبوه.

لكن لماذا هذا الخلل في الثقة بين المؤسسة العسكرية والإخوان؟ وما هي أسبابه/ نتائجه/ السيناريوهات المحتملة؟

الدكتور أحمد منيسي: كما أشَـرنا للتَـوِّ، فإن المجلس العسكري لا يثق في الإخوان، لأنه هو جزء من نظام مبارك، الذي ناصب الإسلاميين العداء الفج طوال ثلاثة عقود وحاول بشتى السُّـبل إقصاءهم عن الحياة السياسية ولم يسنح لهم بتأسيس حزب سياسي أو إصدار صحيفة أو إطلاق قناة فضائية تعبِّـر عنهم، وبالإجمال، سَـدّ في وجوههم كل المنافذ وحرمهم من ممارسة العمل السياسي في إطار قانوني، فضلا عن حملات الاعتقال وقرارات الفصل من العمل، التي طالت الآلاف من قياداتهم وأعضائهم، بالإضافة إلى المحاكم العسكرية التي قدّم لها رموزهم.

وفيما يخص السيناريوهات، فمن المُـفترض أن يغادر المجلسُ العسكري الحياةَ السياسية، وبالتالي، نحن لا نتحدّث عن علاقة طويلة الأمد، وما قد يؤدّي إلى صِـدام بين الطرفين (أقصد تأجيل الانتخابات البرلمانية) لن يحدُث، وفيما يخصّ ما تسمى بوثيقة المبادئ فوق الدستورية، التي أحدثت اضطرابا في علاقة المجلس مع الإسلاميين، فإن هذه الوثيقة ربّـما لم تعُـد موجودة أو أنها ستكون موجودة في إطار شكلي (استرشادي).

وهذه الوثيقة في الحقيقة، ليست فقط مرفوضة من قِـبل الإسلاميين، ولكنها مرفوضة من جانب قطاعات وتيارات سياسية عدّة، لأنها باختصار شديد، تُصادِر حق الشعب في أن يصوغ الدستور الذي يريد. وبشكل شخصي، فإنني ضدّ هذه الوثيقة جملةً وتفصيلاً.

أبرز نقاط "وثيقة السلمي" التي أثارت الجدل

نصت المادة الأولى على تشكيل لجنة وضع الدستور والتي تتكوّن من مائة عضو يتم اختيار عشرين عضوا فقط من أعضاء مجلسيْ الشعب والشورى المنتخبين، واختيار الثمانين عضوا الآخرين من العديد من المؤسسات والهيئات الحكومية والمثقفين والسياسيين الممثلين لكافة طوائف الشعب.

ونصت المادة الثانية على أنه، في حالة نجاح لجنة وضع الدستور في وضع بنود الدستور الجديد للبلاد ورأى المجلس العسكري تعارضَ ما وضعتْهُ مع رأيه، فله أن يعترض على نصوص المشروع أمام المحكمة الدستورية العليا، حيث أشارت إلى أنه إذا تضمن مشروع الدستور الذي أعدّته الجمعية التأسيسية نصا أو أكثر يتعارض مع المقوِّمات الأساسية للدولة والمجتمع المصري والحقوق والحريات العامة، التي استقرت عليها الدساتير المصرية المتعاقِـبة، بما فيها الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011 والإعلانات الدستورية التالية له، يطلب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بما له من سلطات رئيس الجمهورية في المرحلة الانتقالية من الجمعية التأسيسية، إعادة النظر في هذه النصوص، خلال مدّة أقصاها خمسة عشر يوما. فإذا لم توافق الجمعية، كان للمجلس أن يعرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا على أن تصدر المحكمة قرارها في شأنه خلال سبعة أيام من تاريخ عرض الأمر عليها، ويكون القرار الصادر من المحكمة الدستورية العليا ملزما للكافة ولجميع سلطات الدولة.

ونصت المادة الثالثة أنه، في حالة إخفاق لجنة وضع الدستور في مهمتها، فإن المجلس العسكري نِيطَ به وحده دون غيره مهمة وضع الدستور، حيث تشير الوثيقة إلى أنه في حالة عدم تمكن الجمعية التأسيسية المنوطة بصياغة الدستور من وضع الدستور في فترة لا تتجاوز 6 أشهر على أقصى تقدير، فإن للمجلس العسكري الحق في اختيار جمعية تأسيسية جديدة، وجاء نصه إذا لم تنته الجمعية التأسيسية من إعداد مشروع الدستور خلال الستة أشهر المنصوص عليها في الإعلان الدستوري لأي سبب من الأسباب، يكون للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بما له من سلطات رئيس الجمهورية - تشكيل جمعية تأسيسية جديدة وفقا للمعايير المتوافق عليها لإعداد مشروع الدستور خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تشكيلها ويعرض المشروع على الشعب لاستفتائه عليه خلال خمسة عشر يوما من تاريخ الانتهاء من إعداد هذا المشروع.

وسُـحِـبت المادة التاسعة من الوثيقة والتي شهدت إجماع القوى على رفضها حماية الشرعية الثورية من الشعب وممثليه وأعطيت للمجلس العسكري، وأن مناقشة الجزء الأكبر من ميزانية الدولة قد سحبت من مجلس الشعب وأعطيت للمجلس العسكري أيضا، وأن إعلان حالة الحرب لا يكفي فيه موافقة مجلس الشعب الذي يعبِّـر عن إرادة الأمة، إذ أن تلك الإرادة تظل مرهونة كذلك بموافقة المجلس العسكري.

كما نصّت تلك المادة على اختصاص المجلس الأعلى للقوات المسلحة دون غيرة بالنظر في كل ما يتعلق بالشؤون الخاصة بالقوات المسلحة ومناقشة بنود ميزانيتها على أن يتم إدراجها رقماً واحداً في موازنة الدولة وأن يختص دون غيره بالموافقة على أي تشريع بتعلق بالقوات المسلحة قبل إصدارة .

ونصت المادة العاشرة على إنشاء مجلس يسمى مجلس الدفاع الوطني، يتولى رئيس الجمهورية رئاسته ويختص بالنظر في الشؤون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها ويبين القانون اختصاصاته الأخرى.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.