تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

ذهول، فإحباط، فدعوة إلى المراجعة والعقلانية..

شكلت الحرب على العراق صدمة للشارع العربي لا يعلم أحد متى سيستفيق منها

(Keystone)

شكّـلت الحرب على العراق صدمة كبيرة للشارع العربي، حيث شهدت دول عربية عديدة مسيرات حاشدة تضامنا مع الشعب العراقي.

لكن تطور الحرب على مشارف بغداد وتبخّـر أقطاب النظام العراقي في ظروف غامضة زاد الصدمة هولا وأعاد فتح جراح قديمة لدى الرأي العام العربي

في أمسية احتضنها مقر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ودعت إليها عديد الجمعيات المستقلة لتبادل الرأي حول دور المجتمع المدني في دعم العراق، انتقد أحد المحامين من سمّـاهم بالقوميين العرب.

وبلهجة لا تخلو من التهكم والاستفزاز، ذكر بأنه يحييهم على قدرتهم على البقاء والصمود، وأضاف أنه "كان يتوقع زوالهم بعد هزيمة 67، لكنهم استمروا إلى كارثة حرب الخليج الثانية، وها هم يواصلون الإصرار على البقاء رغم الانهيار التراجيدي لنظام صدام حسين
وسقوط بغداد".

هذا الصخب ليس سوى مظهر من مظاهر حالة الإحباط والتـأزم التي تعيشها النخبة التونسية والعربية منذ الإعلان عن الانهيار المفاجئ للنظام العراقي، وهي حالة لم تصب فقط الكوادر السياسية والمثقفين، وإنما شملت أيضا جميع الأوساط والأعمار والفئات الاجتماعية، حتى أن البعض بكى رغم تقدمه في السن، وهناك من النساء من لازمن الفراش، وعنونت إحدى الصحف مقالا بأن "حرب العراق قتلت التونسيين".

واستعادت صحف أخرى أجواء هزيمة 67، لكن البعض اعتبر سقوط بغداد أكثر وقعا وأشد غرابة، بل إن د. الطيب البكوش، رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان ذهب إلى حد القول بأن "نكبة العراق يمكن أن تكون أخطر على الأمة العربية من نكبة فلسطين إذا بقي الوضع على ما هو عليه".

هل خُـدع الشارع العربي أم خدع نفسه؟

فالمواطنون العرب امتلكهم شعور بأنهم خدعوا مرة أخرى وكانوا ضحية كذبة كبرى. وبعد أخبار البطولة والتضحيات، شاع الحديث عن "الخيانة" وراجت الأنباء غير المؤكدة عن "صفقة مع العدو على حساب الوطن والكرامة". وقال بعضهم، "ألم يكن الأجدر لو قبل الرئيس العراقي التنحي عن الحكم وتجنيب شعبه والمنطقة هذه الكارثة"؟

بدا جليا أن الرأي العام العربي لم يتهيأ لتقبل مشاهد فرحة مواطنين عراقيين بسقوط صدام حسين ودخول القوات الأمريكية لعاصمتهم. تلك المشاعر التي استهجنها الكثيرون، دعمتها شهادات المتطوعين التونسيين والعرب الذين قالوا إنهم وجدوا أنفسهم يحاربون لوحدهم القوات الأمريكية والبريطانية بعد أن تخلى عنهم الجيش وهاجمهم الأهالي.

يقول د. فتحي التوزري (أخصائي في الطب النفسي)، إن حالة الإحباط الجماعي التي أصابت العرب، جاءت نتيجة إحباط سابق ولدته أوضاعهم الداخلية والآفاق الاقتصادية والسياسية المسدودة، وزادته سوداوية النهاية المفجعة للحرب. وأضاف أن الإصابات النفسية تتفاوت من شخص لآخر، وذلك حسب ما سماه بـ "حجم الاستثمار العاطفي".

فالذي كان يتابع الأحداث بقدر من العقلانية وأقل حماسا تلقى الهزيمة بأخف الأضرار. أما بالنسبة لكيفية الخروج من الإحباط الجماعي، فإنه يعتقد بأن هذا الدور تتحمله النخب من أحزاب وجمعيات مدعوة في هذا الظرف الصعب إلى تكثيف العمل الجماعي والمؤسساتي من أجل بلورة خطاب جديد، وإخراج الأفراد من دائرة التقوقع، ودمجهم في نقاشات مفتوحة لتحليل الواقع بموضوعية وهدوء. كما يعتقد التوزري أن من وصفهم بأصحاب "الخطاب القومجي" قد انتحروا على أسوار بغداد، وأن المستقبل يجب أن يكون لبناة فكر جديد عقلاني وديمقراطي، ملتصق بالواقع ومدرك للمتغيرات الدولية.

أما المحلل السياسي عبد اللطيف الفوراتي، فاعتبر أن ما تم "ليس هزيمة الأمة العربية أو العراق، بل هزيمة النظام العراقي وهزيمة نمط للحكم عفا عنه الدهر". وتساءل باستغراب "هل كان يمكن أن يتصور عقل أن يتغلب نظام حكم مستنزف ومنقطع عن شعبه ومنبت عن محيطه على الولايات المتحدة، التي مهما طغت وتجبرت، فإن ظهرها مسنود، لا فقط بقوة عسكرية طاغية، ولكن أيضا بنظام حكم يتسم بالحيوية نتيجة انبثاقه من رحم شعبه وديمقراطيته"؟ وأنهى تصريحه بقوله "عندما أسمع بأن الخيانات هي السبب فيما حدث، أُصاب بالحيرة وأشعر أننا كعرب لم نستخلص العبرة، وأن الروح النقدية قد تبلدت في داخلنا، وأننا أجانب عن الفكر الذي ولده ابن رشد وابن خلدون، وبالتالي، إذا لم نشخص الداء، فإننا أعجز عن تولي العلاج وتجاوز هذه المرحلة".

تبعات النكبة

هذا التحليل لا يشاطره الكثيرون، ومن بينهم الخبير في علم الاجتماع منصف وناس الذي اعتبر أن ما حصل غير مرتبط باللحظة الراهنة، وأنه متجذر في حالة عدم الاستقرار واللا عقلانية التي تعاني منها المنطقة منذ نكبة 48، محملا المسؤولية لجمع الأطراف: نظام رسمي بدا منذ الخمسينات أحرص على مصالح الغرب بحكم فقدانه للمشروعية، ونخب قليلها متقبل للأوضاع وكثيرها صامت أو مهمش أو قابع في المنافي مثلما هو الحال للكثير من العراقيين، وأخيرا شعوب ضائعة فكريا تنتظر بصيص أمل، يحكمها الجيشان العاطفي وتتلقف أية أيديولجيا وهمية دون التأكد من قدرتها. وبناء عليه، فإنه يعتقد بأن "حالة الإحباط نتاج طبيعي لهذه الوضعية المتشابكة، ولا يمكن تجاوز تداعيات الهزيمة الرابعة إلا من خلال مراجعة نقدية جذرية وحاسمة".

وفي انتظار هذا الفكر العقلاني الجديد، والمراجعات الكبرى، تلف الحيرة الجميع وهم يتابعون أخبار نهب المتاحف والمكتبات وقتل المتظاهرين العراقيين، والاتصالات التي يجريها قائد الحملة العسكرية تومي فرانكس من أحد قصور صدام حسين.. في انتظار ما سيأتي.

صلاح الدين الجورشي - تونس


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×