تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

رجع صدى عربي... لردّةٍ غربية!

عبرت العديد من المنظمات الدولية لحقوق الأنسان عن مخاوفها من أن تُستغل الحملة الدولية ضد الأرهاب في ضرب براعم الحريات المدنية في العالم العربي

(swissinfo.ch)

كلمة "الردّة" كانت القاسم المشترك الذي جمع بين أراء العديد من المتحدثين بأسماء منظمات دولية لحقوق الإنسان. فهي ردة في ملف الحريات الأساسية في بلدان الشمال وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا. وردة مقابلة في ملف الحريات في بلدان الجنوب وعلى رأسها الدول العربية. والمشكلة أنها هنا، أي في العالم العربي، كادت تعود ببراعم الحقوق المدنية، وهي هزيلة في الأساس، إلى مربع الصفر.

"الحملة المناهضة للإرهاب التي تتزعمها الولايات المتحدة كانت باعثا على الاعتداءات الانتهازية التي تتعرض لها الحريات المدنية عبر أنحاء العالم". ضّرب هذا التحذير، الذي أصدرته منظمة مراقبة حقوق الإنسان في تقريرها السنوي الصادر يوم السادس عشر من يناير / كانون الأول، على وتر حساس.

فلعلها المرة الأولى التي تُوضع فيها دول الشمال والجنوب في سلة واحدة. فكلاهما متهم ومدان في طريقة تعاطيه مع ملف الحريات الأساسية. وكلاهما، كما تجمع العديد من المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، انتهز فرصة زلزال الحادي عشر من سبتمبر ليصفي حسابات كان حسمها عسيرا في السابق.

الغرب في قفص الاتهام

ردّة الغرب جاءت متلاهثة بعد الحادي عشر من سبتمبر. كانت ملامحها في البداية غامضة ثم تبلورت تدريجيا لتأخذ شكل تشريعات وقوانين أمنية. الهدف من سّنها كان ضمان أمن المواطن. والنتيجة أنها قلبت وجه المجن لحقوق وحريات الأجنبي المقيم في بلدان الشمال.

تخيل أن عمرك يقل عن خمسة وثلاثين عاما وأنك مقيم في فرنسا وقررت أن تذهب لتأدية العمرة. أصبح من حق المخابرات الفرنسية المعنية بالشئون الخارجية اليوم أن توقفك وتسألك:"لماذا ذهبت إلى العمرة". هذا المثل، الذي ضربه الدكتور هيثم مناع رئيس اللجنة العربية للدفاع عن حقوق الإنسان في حديث مع سويس إنفو، عّبر عن حجم الضربة التي تلقتها الحريات الأساسية للأجنبي في الشمال.

فالمسألة لم تعد مرتبطة بحق السلطات الأمنية في أن تبحث عن جيوب إرهابية محتملة أو أن تستجوب المشتبه فيهم، بل هي طعنت دور القضاء كمؤسسة مستقلة في الصميم. فقد اصبح اليوم من حق القوات الأمنية الأمريكية، وفقا لبنود "المرسوم الوطني" الذي مرره الكونجرس على عجالة، احتجاز أي أجنبي بناءا على "أدلة سرية" دون محاكمة. ووصل الأمر، كما يشير تقرير لمنظمة العفو الدولية، إلى استمرار احتجاز متهم فلسطيني في سجن انفرادي رغم صدور أمر من محكمة ابتدائية بإطلاق سراحه. وغيره كثيرون محتجزون في أماكن مجهولة، لا يعرف ذويهم وأقاربهم مصيرهم، ولا يحق لهم الحصول على محامي يقدم لهم الاستشارة القانونية.

وبنفس السياق، تهدد التشريعات التي أقترحها الاتحاد الأوروبي وبسبب تعريفه "الفضفاض" لكلمة الإرهاب حقوقا أساسية للمقيمين فيها من الأجانب، كحقهم في الاجتماع وحق المعارضة. وتلتحق لندن بواشنطن من خلال تشريع خاص بها لا زال قيد الدراسة يسمح بإطالة أمد فترة الاعتقال العشوائي للأجانب المشتبه في ضلوعهم في أعمال "إرهابية"، ويقلص من حق المعارض السياسي في الحصول على اللجوء السياسي فيها.

هذه التطورات ليست بهينة. إذ أن ل"هذا النفاق تداعيات"، كما يقول تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان. فمن الصعب "تعزيز قيم حقوق الإنسان في الوقت الذي تسعى فيه بعض أشهر الدول المدافعة عنها من استثناء نفسها من نفس هذه المعايير". وكيف يمكن للدول الغربية بعد ذلك أن تدّعي الريادة في هذا المجال وسجلها هي يدعو إلى الخجل؟

قدم المتحدث باسم منظمة العفو الدولية كمال السماري في حديث لسويس إنفو نموذجا على هذه الازدواجية في المعايير. فإصرار الولايات المتحدة على اعتبار السجناء المحتجزين لديها في قاعدة جوانتانامو الذين اعتقلتهم أثناء حرب أفغانستان "مقاتلين غير شرعيين" هو في حد ذاته أمر غير شرعي. ليس فقط لأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهي الضامنة لاتفاقية جنيف الثالثة، تؤكد على أنهم أسرى حرب. بل لأن مصطلح "مقاتلين غير شرعيين" لا يوجد أصلا في قواميس القانون الدولي!

والبراعم مهددة في العالم العربي

إذا كان هذا هو "المثل من الولايات المتحدة فكيف يمكن أن نتحدث عن الديكتاتوريات في العالم الثالث". يقول الدكتور هيثم مناع رئيس اللجنة العربية للدفاع عن حقوق الإنسان. ويضرب لنا مثلا:"هناك بلد كتونس مثلا، الآن يضع قانون ضد الإرهاب ولم يشهد هذا البلد في تاريخه عملية إرهابية واحدة. فأصبحت صناعة الإرهاب صناعة لتقييد أنشطة المعارضة.. والمنظمات غير الحكومية ولمحاربة حرية الرأي...".

تدعم هذا الرأي السيدة هنية المفتي المتحدثة باسم منظمة مراقبة حقوق الإنسان في حديث لسويس إنفو. فقد انتهزت بعض الحكومات في منطقة الشرق الأوسط "فرصة الحملة على الإرهاب لتصفية بعض الحسابات وشن هجمات ضد المعارضين السياسيين الذين يستخدمون بشكل عام الوسائل السلمية لتحقيق أهدافهم".

وأوضاع حقوق الإنسان العربية التي كانت في السابق ليست جيدة في الغالب تتجه نحو الأسوأ: "على سبيل المثال رأينا في مصر أنه تمت إحالة مئات من الأشخاص الذين اتهمتهم السلطات بأنهم يمارسون العنف، وفي بعض الأحيان لا يمارسون العنف، إلى محاكم عسكرية. ونعرف جيدا أن هذه الإجراءات التي تتبع في المحاكم العسكرية لا تتفق إطلاقا مع المعايير الدولية الخاصة بالمحاكمات العادلة".

والمشكلة، كما يقول الدكتور هيثم مناع، أن البلدان العربية تخلو من صمامات الأمان المدنية:"بلدان الشمال لديها حماية عبر وجود مجتمعات مدنية، عبر وجود منظمات قادرة على الدفاع عن حقوق المواطن. عندنا هذا الوضع غير موجود، لذلك نحن سنكون الضحية الأولى إذا لم يحدث استنفار لحماية ما حصلنا عليه من مكتسبات وللاستمرار في مسيرة الحصول على حقوق جديدة في بلداننا".

رغم ذلك، فإنها فرصة. فإذا كانت الحملة الدولية ضد الإرهاب قد تسببت في نكسة للحريات المدنية في أرجاء المعمورة، كما تقول منظمة مراقبة حقوق الإنسان، فإنها أتاحت لنا المجال "لتركيز الانتباه على حرمان الشعوب من التمتع بحقوق الإنسان والديمقراطية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى". وهي فرصة أيضا كي نتمعن في الواقع الذي فرضته سياسات تلك الدول التي وضعت شعوبها أمام خيارين:"إما اللجوء إلى سياسات التطرف أو عدم ممارسة السياسة على الإطلاق".

إلهام مانع

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×