تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

من طالب إلى متدرب إلى مُسيّر رحلة حسام اللحام المثيرة من دارَيّا إلى برن

شاب يجلس أمام حاسوب

على غرار العديد من السويسريين، لا يعمل حسام اللحام في مكتب محدد، بل يستفيد من فضاءات العمل المشترك التي بدأت تتوالد في المدن حيث يسدد اشتراكا شهريا ويستفيد من التجهيزات المتوفرة للقيام بعمله أو لعقد اجتماعات أو القيام باتصالات. (الصورة التقطت في برن يوم 5 يوليو 2018).

(swissinfo.ch)

لو سأل أحد من سكان داريّا القريبة من دمشق الشاب حسام الحّام كيف سيكون حالك بعد خمسة أعوام مثلا لما دار بخلده أصلا أنه سيجد نفسه لاجئا خارج وطنه ومقيما مع زوجته وابنتيه في عاصمة سويسرا بل مسؤولا - بعد عامين ونيف من وصوله فحسب - في أكاديمية تقوم بتدريب العشرات من اللاجئين من مختلف الجنسيات على التشفير والبرمجة المعلوماتية في أهم مدن الكنفدرالية.. 

أكاديمية "باوَركودَرز"

في عام 2015، اهتم كريستيان هيرسيغرابط خارجي، مؤسس أكاديمية ‘باوَركودَرز’ بدراسة المجالات التي ستكون مثالية لتدريب اللاجئين في سويسرا لتعزيز فرص حصولهم على وظيفة. 

بعد أن اتضح له أن الظفر بوظيفة في قطاع البيع بالتجزئة مثلاً أو الأعمال المُشابهة ليس سهلاً بسبب مُتطلبات اللغة، مع التحدي المُضاف المتمثل بإجادة التحاور باللهجة المحلية، اختار هيرسيغ التركيز على التشفير والبرمجة إذ أنه "من الواضح أن عليك أن تجد حقلاً ليست له علاقة باللغة، وتمثل برمجة الكمبيوتر مثل هذا الحقل"، كما يقول.

"باوَركودَرز"رابط خارجي هي عبارة عن أكاديمية للتدريب على التشفير مُخَصَّصة حصرا للاجئين ولطالبي اللجوء (تراخيص إقامة من فئة B  و F و N).

في كل محطة، يُشفع ‘المعسكر التدريبي’ الذي يستمر ثلاثة أشهر، بتكوين مهني يُتابعه الطلاب ضمن شركات أو مؤسسات اقتصادية يستغرق من ثلاثة أشهر إلى سنة واحدة.

إثر ذلك يتجه الطلاب الناجحون للبحث عن وظيفة، أو يختارون القيام بالمزيد من الدراسات. أما الهدف البعيد المدى لهذا المشروع فيتمثل في تحقيق الإندماج في سوق العمل السويسرية.

بوصفها منظمة غير ربحية، تعتمد أكاديمية ‘باوَركودَرز’، في تمويلها على الجهات المانحة بشكل كلّي، بالنظر إلى عدم تقاضيها لأية رسوم على عملية التعليم، ومَنحِها الطلاب تكاليف إضافية لوجبات الطعام والوجبات الخفيفة أثناء مرحلة الدراسة.

في أعقاب مشروع تجريبي نفذته في برن، وبفضل حصولها على التمويلات الضرورية، قامت هذه الأكاديمية بتنظيم جولة ثانية من الفصول الدراسية التي تؤمّنها في مدينة زيورخ، وتنفذ حاليا جولة ثالثة في مدينة لوزان. أما المحطة الرابعة فستكون مدينة بازل.  

نهاية الإطار التوضيحي

هذه حكاية أخرى تروي واحدا من ملايين مسارات التغريبة السورية التي لا زال العالم يُتابع أطوارها بكثير من اللامبالاة وشيء من الملل على الشاشات.. هي ليست الأقسى أو الأكثر مدعاة للألم والأسى لكنها تختزل في طياتها الكثير من المعاني والعبر.

في شهر يناير 2013، قرر حسام، الذي كان يعمل مدرس لغة إنجليزية، مغادرة مسقط رأسه داريّا، قرب دمشق باتجاه منطقة البقاع اللبنانية التي قضى فيها قرابة الثلاث سنوات. هناك، عمل في مدارس خاصة ومع منظمة "الرؤية العالمية" في تعليم الأطفال المنقطعين عن التعليم في المخيمات كما تطوع كمراسل في إذاعة "صوت لبنان" لبرنامج "نزوح وهموم"، كما شارك في تأسيس منظمة غير ربحية تعنى بملف التعليم وإنشاء سبع مدارس في المخيمات المنتشرة في البقاع اللبناني أساسا من أجل تمكين الأطفال السوريين من "الحصول على تعليم بنوعية جيّدة"، كما يقول. 

على عكس الأغلبية الساحقة من اللاجئين السوريين، لم يضطر حسام إلى المخاطرة بنفسه في قوارب الموت من أجل الوصول إلى بر الأمان. فقد تقدم إلى مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في لبنان بطلب لإعادة التوطين وفوجئ بقبول طلبه من طرف سويسرا بعد أشهر قليلة "بدون أي جهد مني"، كما يؤكد.

في نوفمبر 2015، وصل إلى سويسرا حيث كان يتعيّن عليه بدء حياة جديدة.. هنا، ساعدته إجادته للإنجليزية على شق طريقه وفهم البيئة التي يتحرك فيها.. في البداية، حرص – بناء على نصيحة بعض الأصدقاء - على تعلم اللغة الألمانية من خلال متابعة دورة مكثفة، بالتوازي مع دورات الإندماج الإجبارية التي يتلقى خلالها الوافدون الجدد أهم المعلومات المتعلقة بقوانين البلد وعاداته وتقاليده وخصوصيات سوق العمل فيه وما شابه.

في سياق رحلة البحث عن بدائل وفرص إضافية، تقدم حسام بطلب لمواصلة دراسته الجامعية ولكن في اختصاص جديد كالعلاقات الدولية والعلوم السياسية، ويؤكد بالمناسبة أن "الشهادة السورية مقبولة في سويسرا ومُعترف بها"، لذلك لم يجد أي صعوبة في تقبّل الجامعات التي اتصل بها لشهادة الإجازة التي تحصّل عليها من جامعة دمشق في الأدب الإنجليزي.

عودة إلى مقاعد الدراسة والتدريب

وجد حسام نفسه في وضعية يغبطه عليها كثيرون. فقد منحته السلطات السويسرية اللجوء منذ اليوم الأول، ولم تتجاوز الفترة التي قضاها في مركز اللجوء بضعة أيام انتقل إثرها للإقامة رفقة عائلته الصغيرة في شقة بمدينة برن. مع ذلك، "لم أرغب في البقاء معتمدا على المساعدات الاجتماعية"، يقول الرجل الذي بدأ حياته العملية منذ سن الخامسة عشرة ومارس التدريس في القطاع الخاص منذ سن الثامنة عشرة: "لستُ مُغرما بتجميع الشهادات.. الشهادة مهمة لكنني أحب المبادرة والبدء بالعمل.. من هذا المنطلق، أحب أن أكسب مالي بيدي".

بعد مرور سنة واحدة على قدومه، وصلته رسالة أليكترونية من مرشدته الإجتماعية تقترح فيها عليه الإلتحاق بدورة تنظمها أكاديمية "Power Coders" الناشئة بحكم معرفتها لقدراته وطموحه وشعورا منها بأنه "من الممكن أن أكون جيّدا لدى انخراطي في هذا المشروع" الجديد الذي اقتبس فكرته المهندس السويسري كريستيان هيرسيغ، بعد أن تسنى له الإطلاع على نظير له خلال زيارة قام بها إلى الولايات المتحدة. ومع أنه "لم يكن مُتخصّصا في البرمجة المعلوماتية، لكن كانت لديه اهتمامات في سوريا بعلوم الحاسوب"، قدّم حسام ترشحه وتم قبوله ضمن أول دورة تم تنظيمها من طرف المشرفين عليه في برن.

في الواقع، يتّجه المشروع أولا وقبل كل شيء إلى اللاجئين بكل أصنافهم (أي من لديه ترخيص إقامة من صنف B أو F أو N) لكن عملية الإختيار تعتمد على عدد من العوامل تشمل البلد الذي يقدم منه المترشح وتوفر خبرة سابقة في مجال البرمجة أو المعرفة بالحاسوب وإجادة اللغة الإنجليزية وإمكانية تخصيص وقت كامل لمتابعة الدورة على مدى ثلاثة أشهر، إضافة إلى توفر الحافز والرغبة، "وهو الشرط الأهم" كما يقول حسام.           

بعد الإختبارات - التي تشمل تقييما من طرف أشخاص من ذوي الخبرة العالية في مجالي التدريس والعلاقات الإجتماعية لمعارف المترشحين في مجال تكنولوجيا المعلومات وإجراء مقابلة شخصية مع كل واحد منهم – تم قبول الشاب السوري كطالب لدورة تستمر ثلاثة أشهر، انتقل على إثرها لمتابعة تدريب عملي في إحدى الشركات العاملة في قطاع تكنولوجيا المعلومات.

شاب يُحاضر أمام مجموعة من الطلاب

24 مايو 2018، برن: حسام اللحام يشرح لمجموعة من  أعضاء شبكة (SwiNOG) المهتمين بالهندسة المعلوماتية وبمجال الإنترنت في سويسرا قصة "باور كودرز"، أكاديمية التشفير للاجئين وتفاصيل مسيرتها ومدى تأثيرها.

(powercoders)

إلى هذا الحد، تبدو القصة عادية للاجئ عربي يتحسّس خطواته الأولى في سويسرا لكن حسام اللحام نجح خلال هذه الفترة في إقامة علاقة جيّدة مع كريستيان هيرسيغ، مؤسّس أكاديمية "باوَركودَرز" الذي انتبه إلى خلفيته المُبادرة وبمشاركته في تأسيس مشاريع تعليمية في لبنان، ولاحظ أن لديه من المؤهلات ما يسمح له بأن يكون شريكا في تسيير المشروع الذي أطلقه لفائدة تكوين اللاجئين، فعرض عليه إمكانية الإلتحاق كمُشارك فيه وعرض عليه تدريباً لستة أشهر في الأكاديمية الناشئة في إدارة الدورة الثانية في زيورخ (بعد برن).. وهي الفرصة التي لم يتردد الشاب السوري في اقتناصها. 

هنا يتوقف حسام عند نقطة مهمة ويقول: "كنت أعمل بشكل قريب جدا منه، فكان أشبه بالمدرب الشخصي لي.. في سويسرا، قد لا يكون هناك مُدير أصلا للمشروع أحيانا.. فهم يريدون أن يكونوا جميعا قريبين من بعضهم البعض.. صحيح أن لكل شخص مجموعة من المهامّ يتعيّن عليه القيام بتنفيذها ولكن في حال احتجتَ إلى مساعدة فهناك شخص ما ضمن الفريق يُقدم لك المعلومة أو المساعدة المطلوبة، لذلك تشعر بأن هناك بيئة تُساعدك على تطوير مهاراتك والنهوض والإرتقاء بمستواك.. لقد كنتُ محظوظا بهذه الفرصة التي أتيحت لي".

لاجئون مؤهّلون في نجدة قطاع واعـد

عند انطلاقته، بدأ المشروع بحجم متواضع كما يقول حسام مضيفا: "نحن لا نأخذ أعدادا كبيرة.. لا زلنا في البداية ونحن نخطط لجعل المشروع أكثر احترافية وأن يصل إلى عدد أكبر من اللاجئين". في برن تم اختيار 15 طالبا (كان حسام من بينهم) من بين أكثر من 150 مترشحا واليوم يعمل خمسة منهم بدوام كامل ولازال أحدهم يُواصل التدريب فيما تحصل ثلاثة منهم على فرص تكوين مهني يمزج بين الدراسة والتدريب في شركات متخصصة وانتقل ثلاثة منهم إلى الجامعة وانسحب الثلاثة المتبقون وغيّروا المجال. أما في زيورخ، فقد بلغ عدد المشاركين 18 طالبا تحصل جميعهم على فرصة تدريب في شركة ولازالوا يُتابعون التكوين العملي حاليا. وفي لوزان، لا زالت الدورة مستمرة بمشاركة 18 طالبا.

بغض النظر عن الفارق في طول الفترة الزمنية، لا يختلف هذا المسار الذي يشمل التكوين النظري (3 أشهر) والتدريب العملي في المؤسسات والشركات (6 أشهر قابلة للتمديد) عن المسار العادي الذي يسلكه معظم الشبان في سويسرا بعد انتهاء سنوات الدراسة الإلزامية. وفيما تأتي هذه المقاربة مُتساوقة مع وجود طلب شديد من طرف الشركات السويسرية على هذا التخصص، يُلفت حسام إلى أن "اللاجئين تتوفر لديهم خلفيات متعددة تثير اهتماما متزايدا من طرف المؤسسات. فعلى سبيل المثال، تفضّل شركة تعمل في مجال الصناعات الكيميائية انتداب شخص لديه خلفية في مجال الكيمياء ثم تقوم بتدريبه على البرمجة. فبالنسبة إليهم، فهو ذو قيمة أكبر من شخص آخر ليست لديه أي خلفية عن الكيمياء".   

في سويسرا هناك توازن بين الخبرتين النظرية والعملية وهو ما يُوجد احترافية في العمل أيّا كان التخصّص وأيّا كان المستوى

نهاية الإقتباس

في هذا السياق، يقول حسام: "أفتقد في سوريا وفي البلدان العربية عموما هذا المزج الذي نُشاهده في سويسرا بين التعليم النظري والتدريب العملي.. هنا يُوجد توازن بين الخبرتين النظرية والعملية وهو ما يُوجد احترافية في العمل أيّا كان التخصّص وأيّا كان المستوى. أما في بلداننا فهناك خلل كبير بشكل عام، فكثيرا ما تجد التمكن النظري ولكن بدون خبرة عملية أو العكس.. هناك خلل كبير في الأنظمة التعليمية عندما تركز فقط على الشهادة بدون الخبرة العملية، في حين أن التركيز على الشقين يُساهم في بناء مجتمع متكامل".

اليوم، تزايد عدد الشركات الواعية بأن طالبي اللجوء الذين يقدمون إلى سويسرا لديهم خلفيات متنوعة وتخصّصات متعددة وأنه بالإمكان الإستفادة منهم لذلك فإن "الشركات التي تُساهم في برنامج "باوَركودَرز" متنوعة جدا.. صحيح أنها تعمل كلها في مجال تكنولوجيا المعلومات ولكن في مجالات شتى".. إضافة إلى ذلك، تستجيب الفكرة لحاجة حقيقية للساحة الإقتصادية حيث يعتقد المشرفون على الأكاديمية أنه "نظرا لوجود عجز في اليد العاملة المؤهلة في مجال تكنولوجيا المعلومات في سويسرا وأوروبا فإنه بإمكان هؤلاء اللاجئين تغطية هذا العجز لأن العديد منهم من ذوي الخبرة الرفيعة ولديهم مستويات جامعية ومنهم من درس البرمجة مُسبقا ولم يتمكن من إكمال دراسته بسبب الحروب أو المُلاحقات.. فهم طلاب جامعيون ومهندسون وأطباء وصيادلة ونحن نؤمن أن بإمكانهم سد هذا العجز". 

رجل يتحدث إلى مجموعة من الطلاب الشبان

نوفمبر 2017: في إطار الدورة التكوينية الثانية لأكاديمية "باور كودرز" التي شارك فيها 18 عشر لاجئا في زيورخ، حسام اللحام يقوم بتهيئة الطلبة لخوض "يوم المهنة" (أي "Career Day")، وهي المناسبة التي يلتقون فيها بمثلي الشركات المتخصصة في مجال تكنولوجيا المعلومات التي تُعرب عن الرغبة في انتدابهم.  

 

(powercoders.org)

بعد الإنطلاقة المحتشمة للمشروع، بدأت وسائل الإعلام في الإلتفات إليه وتغطيته كما تنامى اهتمام الشركات والمؤسسات المعنيّة به. في الوقت نفسه، ارتفع حجم الطلبات الواردة من اللاجئين ومع أن نسبة منهم ليست من أصحاب الإختصاص إلا أن البعض منهم تمكن من النجاح وتحصل على فرصة تدريب مهني "لأنه كانت لديهم العزيمة والروح المتحفزة للنجاح"، كما يقول حسام الذي يُضيف مُستدركا: "على العكس من ذلك، فإن بعض الأشخاص من ذوي الخلفية العلمية الجيّدة لم ينجحوا لأنه لم تكن لديهم العزيمة أو ربما بسبب بعض الظروف الإجتماعية أو النفسية التي كانوا يمرون بها".

الهدف النهائي: الحصول على شغل!

في معرض التقييم للفكرة ولسير المشروع، يقول ابن داريّا: "ما شدّني إلى "باوَركودَرز" هي الفكرة. فأنا من أنصار تأسيس مشاريع ذات منهج وهدف واضح في نهاية المطاف. هناك الكثير من المشاريع المشابهة ولكنها تقتصر على القيام بالتدريس وتأمين دورات تعليمية وبعد الإنتهاء منها يُمكنك التسجيل في دورة إضافية أو مُوالية أما هنا فالأمر مختلف، لأن الهدف النهائي يتمثل في الحصول على شغل".

صحيح أن المسألة ليست هيّنة دائما وأن الأمر يتوقف أيضا على الطلب لكن "دورنا يتمثل في أن نشق هذا الطريق له (أي للاجئ)، فقد أعددنا له المنهج الدراسي وقمنا بتدريسه لمدة ثلاثة أشهر ثم أحضرنا له الشركات وتكفلنا له باستخراج تصريح العمل.. إضافة إلى ذلك، نوفّر له شبكة اجتماعية تشمل مُدرّبين (coach) ومرشدين أو مُوجّهين (Mentor) يُمكن أن يعود إليهم في أي وقت يُشاء... نحن نمهّد الطريق ونفتح الباب بوجه اللاجئ ويبقى الجهد الأكبر محمولا عليه ليُقيم الدليل على أنه جدير بهذه الفرصة التي أتيحت له ولإثبات قدرته على المحافظة عليها واستدامتها". 

طبقا للمنهجية السويسرية، وفي سياق البحث عن أقصى مستويات النجاعة والفعالية، يتم التواصل من طرف الأكاديمية مع الشركات العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات لتقترح عليها توفير فرص لتدريب المتخرجين بواسطة أشخاص معروفين لديها لأنه "لو تواصلتُ معهم كشخص وافد جديد إلى سويسرا وغير معروف لديهم فقد لا يأبهون للمسألة لكن إذا تواصل معهم شخص على معرفة مُسبقة بهم فربما يقبلون.. فالشركة تعلم أنهم لاجئون وتعرف أن لديهم طاقات جيّدة وأنهم من ذوي الكفاءات العالية ولكنها تتأكد – عبر هذا الشخص الذي يُعتبر مفتاح التواصل مع الشركات - من كل هذه الأمور بفضل ثقتها في تقييمه"، كما يشرح حسام الذي بدا مُستوعبا لآلية التفكير ومنهجية التعاطي مع المسائل في بلده الجديد. 

الملفت أيضا أن جميع الأشخاص الذين يتعاونون مع "باوَركودَرز" متطوعون.. ومع أن العثور على متخصّصين متطوعين ليس بالأمر السهل إلا أنه بالإمكان الوصول إليهم من خلال شبكة الأصدقاء والمعارف التي بدأت صغيرة ثم توسعت شيئا فشيئا "لذلك بدأ الكثير من السويسريين في الإتصال بنا وعرض مساعدتهم علينا"، لذلك فإنه من المنتظر أن تتراجع الصعوبات التي واجهت المحطتين الأوليين للمشروع في مدينتي برن وزيورخ "خصوصا وأنه أصبح لدينا الآن شبكة مُجتمعية أكبر حجما مقارنة بالسابق".

تنمية القوى العاملة معسكرات للتدريب على مهارات التشفير تنطلق في سويسرا

 تستمر الأكاديميات التي تُقَدَّم دورات لتَعَلُّم مهارات التشفير - وهي عبارة عن نهج جديد ومُبتَكَر لتدريس مهارات البرمجة الحاسوبية بصورة مكثفة ...

"عليك أن تُبادر لنُساعدك"

بعد انخراطهم في المشروع، هل طرأ تغيّر ما على أوضاع هؤلاء اللاجئين؟ يجيبُ حسام على الفور أن "حياتهم تتغيّر منذ اللحظة الأولى. فهم يشعرون بأن لديهم عائلة جديدة ويشعرون بالإرتباط بالمشروع وبالأشخاص الذين يعملون فيه.. ذلك أن البعض منهم يفتقد لحياة اجتماعية أصلا ومن خلال هذا المشروع تُصبح لديه علاقات ويتمكن من تشكيل شبكة... بعضهم كان يجد صعوبة في التواصل مع الآخرين لسبب أو لآخر فيجد الفرصة ليندمج بشكل صحيح. البعض الآخر كان مقيما في سويسرا منذ عدة سنوات وقام بالكثير من الدورات التدريبية في عدة شركات لكنه لم يظفر بفرصة عمل لكنه نجح في ذلك مع "باوَركودَرز" لأننا نؤطر العملية من الألف إلى الياء حيث لا يقتصر دورنا على الجانب العلمي والتكويني بل يمتد ليشمل الجانب الإجتماعي والمهني (فيما يتعلق بالتواصل مع الشركات والإجابة عن استفساراتها وإيجاد حلول للمشاكل التي قد تعترضها لدى تعاملها مع اللاجئ المتدرب لديها)".  

بطبيعة الحال، تتنوع جنسيات اللاجئين المشاركين في هذا البرنامج إلا أن السوريين هم الأكثر تمثيلا بنسبة 30 % وهي تختلف من مشروع لآخر بحسب المتقدمين، يليهم الأريتريون فالأفغان فسكان إقليم التبت إضافة إلى بعض العراقيين واليمنيين والصوماليين في ظل غياب شبه تام لمواطني دول المغرب العربي.  

لا مفر من القول بأن النجاح الذي حققته هذه التجربة التي لا زالت في سنتها الثالثة أن المعضلة التي يُواجهها الكثير من طالبي اللجوء ومن اللاجئين في رحلة البحث المضنية عن عمل قد شارفت على الحل. إذ لا زالوا يُعانون من صعوبات جمة تحول دون تمكنهم من إيجاد موطئ قدم لهم في سوق الشغل السويسرية بسبب عدم إجادتهم للغة أو جراء غياب المؤهلات أو الإفتقار للتجربة العملية، لكن حسام اللحام ينصح من خلال تجربته بالحرص على "بناء شبكة اجتماعية قوية والتواصل مع المجتمع المُضيف بشكل قوي وإقامة علاقات وتعلم اللغة والإنفتاح على البيئة الجديدة وأن يكون مُبادرا، فالمجتمع السويسري لا يقبل المتواكل ويُرحّب بالمبادر..".

يُضيف حسام: "نحن هنا في مجتمع ذكي ومثقف وواع يُشدد على المسؤولية الفردية لذلك يتعيّن عليك أن تقوم بالخطوات الأولى دائما.. لسان حاله: عليك أن تُبادر لنُساعدك في الخطوات اللاحقة.. نحن مستعدون للمساعدة ولكننا لن نقوم بالخطوات الأولى عوضا عنك".  

مجموعة من الشبان خلال حصة تدريبية

3 مايو 2018 في فينترتور قرب زيورخ: حسام اللحام يشرح لممثلي شركات وخبراء  يعملون في مجال تكنولوجيا المعلومات دور وأسلوب عمل أكاديمية "باور كودرز" المتخصصة في تدريب وتأهيل اللاجئين. 

 

(powecoders.org)

على العكس من هذه النبرة التفاؤلية، يقول العديد من طالبي اللجوء ومن المهاجرين العرب إن الأمور ليست بمثل هذه البساطة وأن أرباب العمل السويسريين "لا يُحبّون الأجانب"، بل لا يتردد البعض منهم في وسم أغلبية المجتمع بـ "العنصرية" تجاه الأجانب عموما واللاجئين خصوصا لكن حسام يرفض هذا المنطق العدمي ويقول: "في رأيي الشخصي ومن خلال الخبرة التي اكتسبتها في إطار هذا المشروع، فإن التركيز على هذه الأمور هو الذي يُشتت الشخص. عليه فقط أن يُبادر وأن لا يتوقف عند القول بأنهم غير منفتحين أو لا يُساعدون.. أعتقدُ أن الكثير من التصورات التي أتينا بها من بلداننا هي مجرد أفكار مُسبقة لأننا عندما نأتي إلى أرض الواقع نجد أشياء مختلفة. صحيح أيضا أن لدى سكان البلد المُضيف أفكارا مُسبقة عن اللاجئين والأجانب عموما ولكن عندما يُشاهدونك ويجلسون معك يستوعبون كم أن الصورة مُشوّهة".

لذلك، يُضيف الشاب السوري متوجّها بكلامه إلى الجميع: "في اللحظة التي أتيتَ فيها إلى سويسرا عليك أن تكسِر ذلك التصور المُسبق (الموجود لديك) وتبدأ من جديد. أما إذا أتيت إلى هنا واحتفظتَ بتلك الصورة فلن تجد فرصة عمل ولن تكون مُبادرا ولن تكون منفتحا على الآخرين حتى.. آبدأ بكسر هذه الصورة النمطية التي أتت معك إلى سويسرا وأظن أن الأبواب ستُفتح بوجهك بشكل مُذهل".

"كونوا منفتحين ومُبادرين ومرنين"

بعد عامين ونصف من الإقامة والدراسة والعمل في سويسرا، يحلم حسام اللحام بتوسيع المشروع الذي انخرط فيه بكل طاقته ليشمل البلدان التي يتواجد فيها اللاجئون السوريون رغم بعض الصعوبات القائمة، لكنه يُصر على أنه "يُفكر دائما لمصلحة الطرفين: سويسرا واللاجئين" وعلى أنه "يُحاول أن يجد طريقا مُشتركا يُمكن أن يستفيد منه كلا الطرفين.. لا يُمكن أن أنسى أنني لاجئ ولن أنسى ذلك، كما لا يُمكن أن أنسى أنني سوري وأرغب بمساعدة أي لاجئ قدم إلى سويسرا بغض النظر عن البلد الذي جاء منه".

لا يُمكن أن أنسى أنني سوري وأرغب بمساعدة أي لاجئ قدم إلى سويسرا بغض النظر عن البلد الذي جاء منه

نهاية الإقتباس

من جهة أخرى، يقول الشاب السوري إنه سيُواصل التجربة مع "باور كودرز" لكنه يُضيف بشيء من الحماس: "بما انني مُولعٌ برفع الوعي والتعليم عموما، أفكر في إنشاء مشاريع أخرى تعتمد نفس الفلسفة ولكن في اتجاهات أخرى لأنه لكي تبني مجتمعا كريما وواعيا ومثقفا عليك أن تبدأ بالتعليم وإيجاد فرص عمل وتأمين حياة كريمة، لذلك فما أهدف إليه هو تأسيس هذه النوعية من المشاريع... وبما أنني أؤمن في الوقت نفسه بالعمل الجماعي فلن أقوم بذلك بمفردي بل بمعية مجموعة من الأشخاص الذين يرغبون بالمساعدة ويحملون نفس الفكر والتصور بخصوص توفير الحياة الكريمة".

في الختام، ينصح حسام اللاجئين الذين ساقتهم الأقدار وتصاريف الحياة إلى سويسرا بأن "يكونوا منفتحين ومُبادرين ومرنين"، كما يدعو المجتمع السويسري إلى أن "يكون منفتحا بدوره على مبادرات اللاجئين وأن يتمتع بالمرونة المناسبة لكي يستفيد من هذا الكنز المتمثل في اللاجئين، فهؤلاء لديهم خبرات متنوعة وإذا ما عملوا مع الشركات التي تبحث عن مُبرمجين بخلفيات محددة، فسوف تستوعب أنهم يمثلون استثمارا جيّدا للمستقبل، فهم يجلبون معهم أفكارا يُمكن أن تفيدها ورؤى أخرى من زوايا غير معهودة، فالإختلاف يحمل في طياته بالتأكيد قدرا من الإبداع".

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك