Navigation

"إجراءات أردوغان" الإصلاحية قد تكون ذات أهداف انتخابية

يوم 30 سبتمبر 2013، أعلن رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان عن حزمة من الإجراءات الهادفة إلى "تعزيز الديمقراطية وحقوق الاقليات في البلاد". Keystone

أعلن رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان ظهر الإثنيْن 30 سبتمبر 2013 عن جملة من الإصلاحات أسماها "رزمة الدمقرطة". وقد استبق اردوغان الاعلان هذا بحملة اعلامية واسعة واعدا بأنها ستكون رزمة "تفرح الجميع وتدهشهم".

هذا المحتوى تم نشره يوم 02 أكتوبر 2013 - 01:00 يوليو,
د. محمد نور الدين - بيروت, swissinfo.ch

وكان بدأ الحديث عن هذه المبادرة قبل عدة أسابيع من موعدها بعدما سدت الأبواب امام الاتفاق على مشروع لدستور جديد بين حزب العدالة والتنمية واحزاب المعارضة في البرلمان. وقد ارتأى اردوغان ان يستعيض عن ذلك بما يمكنه من ملء فراغ التباطؤ في الإصلاح بالإعلان عن الإجراءات إصلاحية. وما ساعد على اطلاق هذه الخطوة الحاجة لتقديم "شيء ما" للأكراد في اطار ما سمي بعملية "حل المشكلة الكردية" والتي باتت ضاغطة اكثر من أي وقت مضى بعدما وجه مسؤولو الأكراد ولا سيما قادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل تحذيرات وإنذارات بأنه ما لم تقدم الحكومة على خطوات ايجابية فإن الانسحاب من تركيا قد يتوقف والالتزام بوقف النار قد ينهار.

نذكر هنا أن عهد حزب العدالة والتنمية منذ العام 2002 قد شهد محطتين كبيرتين للإصلاح. الأولى في عاميْ 2003 و2004 وأدت الى تعزيز الحريات وفتحت الطريق أمام باب المفاوضات المباشرة للعضوية مع الإتحاد الأوروبي.

والثانية في عام 2010 والذي انهى نفوذ العسكر في الحياة السياسية وغيّر بنى المؤسسات القضائية. وإذا كانت المحطة الأولى لم تثمر عن تقدم في العضوية التركية في الاتحاد الأوروبي حيث توقفت عملية الاصلاح بعدها، فإن المحطة الثانية قد هدفت الى إحكام حزب العدالة والتنمية الطوق على مؤسسات الدولة وتقدم سياسة الاستئثار على غيرها وهو ما أدى بعد  سنتين وأكثر الى توترات عامة توّجت بانتفاضة تقسيم وحديقة غيزي في شهر يونيو 2013 والتي ادت الى النيل من صورة تركيا وخصوصا صورة رئيس الحكومة لدى الرأي العام العالمي. وقد اعترف الرئيس التركي عبدالله غول بذلك قائلا إن ما بنوه خلال عشرة أعوام انهار خلال أسبوع واحد وهو ما يستوجب  جهودا مضنية لإعادة ترميم الصورة.

ما أعلنه اردوغان في 30 سبتمبر 2013 يعتبر الفصل الثالث من مسار الإصلاح في عهد حزب العدالة والتنمية. لكن بالمقارنة مع المحطتين السابقتين بدت الإجراءات المقترحة متواضعة جدا.ولا يمكن محاسبة الرزمة الجديدة إلا استنادا للتوقعات والآمال التي علقت عليها قبل ذلك، سواء من الأكراد أو من العلويين أو من المسيحيين والأقليات.

المسألة الكردية

جزء من الإجراءات المعلنة متصل بشكل أو بآخر بالمسألة الكردية. من ذلك السماح بإعادة الأسماء الكردية للقرى التي تغيرت أسماؤها منذ الثمانينيات وعدم معاقبة من يستخدم أحرف  w q x  التي يستخدمها الأكراد في أبجديتهم اللاتينية. كذلك التعلم باللغة الأم في المدارس الخاصة وفقا لترتيب معين داخل المدرسة. واعتبر ذلك إعادة اعتبار للغة الكردية.

هذه العناوين لم تلق ترحيبا قويا من الوسط الكردي. وقد وصفت غولتان كيشاناق نائبة رئيس حزب السلام الديموقراطية الكردي بأن ما ورد في الرزمة لا يستجيب للإحتياجات الكردية، إذ غابت من هذه الإجراءات المطالب الأساسية الكردية وهي التعلم باللغة الكردية الأم في المدارس الرسمية التي تشكل 99 في المائة من المدارس في تركيا، ولم تشر الرزمة الى ما يفتح الباب أمام الحكم الذاتي للأكراد ولا الى تعديلات قانونية لإطلاق سراح المعتقلين ولا الى وضع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان.

أما مطلب تخفيض نسبة النجاح لدخول الأحزاب الى البرلمان وهي عشرة في المائة فإن الحزمة لم تحسم الجدل بشأنها ولقد أبقى اردوغان الباب مفتوحا للنقاش حول ثلاث صيغ وهي الإبقاء على نسبة العشرة في المائة بدوائر كبيرة وهو ما يرفضه الأكراد وتخفيض النسبة الى خمسة في المائة مع تضييق الدائرة الكبيرة وإلغاء النسبة نهائيا مع اعتماد دوائر صغيرة. ويخشى ان يكون الهدف من وراء طرح الصيغ الثلاث على النقاش هو تمييع الموضوع وصولا الى الإبقاء على القانون الحالي الذي يحول دون دخول الأكراد كحزب الى البرلمان. وقالت كيشاناق انها رزمة انتخابية وليست رزمة ديموقراطية.

تغييب الحزكة للمطالب الكردية الأساسية شكل مفاجأة كبيرة قد تفتح على احتمال عودة التوتر وستؤثر سلبا على عملية الحل والمفاوضات الجارية الآن بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني.

المسألة العلوية

اكتفت الرزمة بإطلاق اسم الزعيم الروحي والفكري للعلويين حاجي بكتاش الذي عاش في أوائل الدولة العثمانية على إحدى الجامعات التركية، فيما غيبت مطلب إلغاء درس الدين الإجباري في المدارس ولم تعترف ب "بيت الجمع" كمركز عبادة رسمي للعلويين، ولم تشر الى أية نية لتغيير بنية رئاسة الشؤون الدينية الرسمية التي تقتصر خدماتها على المنتمين الى المذهب السني. وقد وصف علي بلقيز أحد قادة العلويين بأن الرزمة عبارة عن جبل لم يلد حتى فأرا، وان ما ورد فيها مجرد زينة لا تقدم ولا تؤخر.

الأقليات والحريات الشخصية

ركز اردوغان اهتمامه على إعادة 240 دونما من الأراضي الى دير سرياني، فيما كان ذلك أمرا واقعا  وهو حق تاريخي للدير وملكا له وليس ملكا للدولة.لكن الرزمة خيبت آمال الجميع ولا سيما الغرب وأوروبا والمسيحيين في عدم اعلانها اعادة فتح مدرسة الرهبان في جزيرة هايبلي قرب اسطنبول التي اغلقت قبل اربعة عقود. وقد ربط البعض بين فتحها وشرط  سماح اليونان للمسلمين ببناء جامع في أثينا. وقد انتقدت الادارة الأميركية عدم اعادة فتح مدرسة الرهبان واعتبرت أن الإجراءات الإصلاحية مخيبة للآمال.

في المقابل، اعتبر بند السماح للنساء الموظفات والمعلمات والطالبات بارتداء الحجاب في القطاع العام والمدارس تطورا ايجابيا يعكس المزيد من الحريات الفردية والدينية. وقد اعتمدت الحكومة التدرج في إنهاء هذه المشكلة حيث أبقت على الحظر في المؤسسات التابعة للجيش والقضاء الأمن.

إصلاحات محدودة وحسابات انتخابية

أخيرا، يمكن تسجيل الملاحظات التالية على "إصلاحات اردوغان":

-    مقارنة بالمحطات الاصلاحية السابقة فإن الرزمة الجديدة متواضعة جدا. لقد حملت ايجابيات متعددة لكنها لم تمس المطالب الأساسية للمجموعات المختلفة واقتصرت على شؤون صغيرة وغير مفصلية بحيث انها لم تغير شيئا مهما في الواقع القديم.

-    إن تغييب المطالب الكردية والعلوية الأساسية انما يبقي على عوامل التوتر والاحتقان قائمة ما يهدد بتفجّر الأوضاع ولا سيما العسكرية منها على الصعيد الكردي وينسف عملية السلام بين الدولة وحزب العمال الكردستاني.

-    من الواضح ان اردوغان سعى الى إرضاء الفئات المتدينة من وراء مطلب السماح للحجاب في القطاع العام وبالتالي ارضاء قواعد حزب العدالة والتنمية أولا وأخيرا.

-    لقد تحكمت العوامل الانتخابية في الإجراءات التي أقدم عليها اردوغان بحيث فضّل ان يذهب الى الانتخابات البلدية في مارس 2014 والرئاسية في اغسطس من العام نفسه محاطا بدعم من القاعدة السنية والقاعدة القومية وهذا يضمن له الفوز من جديد وهو ما يفسّر عدم تقديم اي شيء للأكراد والعلويين حتى لا يخسر أصوات السنّة والقوميين.

-    لكن اذا كان من تفسير آخر للسقف المنخفض من الرزمة الجديدة فهو أن حزب العدالة والتنمية بدأ يعاني ،لا سيما على صعيد القيادة، من ترهل وتعب فكري بعد عشر سنوات واكثر على الحكم وهو ما يعكس احتمالات حدوث تحولات في حزب العدالة والتنمية سواء في بنيته الداخلية والقيادية أو في مدى تأييد الرأي العام له.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.