تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

رغبات أنقرة وحسابات واشنطن المأزق التركي في سوريا



صورة من الأرشيف لاجتماع ضم الرئيس السوري بشار يوم 22 يوليو 2009 في مدينة حلب مع رئيس الوزراء التركي رجب الطيب أردوغان.

صورة من الأرشيف لاجتماع ضم الرئيس السوري بشار يوم 22 يوليو 2009 في مدينة حلب مع رئيس الوزراء التركي رجب الطيب أردوغان.

(Keystone)

لا يمكن فهْـم المواقف التركية من الوضع في سوريا منذ لحظة انتقال شرارات الربيع العربي إليها وحتى هذه اللّـحظة، بمعزل عن عامليْـن أساسييْـن.

الأول، هو الاعتداء الإسرائيلي على سفينة مرمرة في نهاية شهر مايو 2010، والذي استهْـدف الدّور التركي المتعاظم، بعد نجاح تركيا مع البرازيل في التوصّل إلى إعلان طهران قبل ذلك في 17 مايو 2010 حول البرنامج النووي الإيرانيز فبالرغم من أن تركيا لم تفك تحالفاتها مع الغرب وإسرائيل، غير أن تزايد دورها وتجاوز ما يمكن أن يكون مسموحا من جانب الغرب، أشعَـر هذا الأخير بخطَـر تفلت الأتراك من التزاماتهم الغربية.

في هذا السياق، كان الاعتداء على سفينة مرمرة رسالة فهَـمَـها الأتراك جيِّـدا والتزموا بها، وكانت الفاتورة الأولى التي دفعتها حكومة حزب العدالة والتنمية، هو الموافقة في قمّة لشبونة الأطلسية في شهر نوفمبر 2010 على نصْـب نظام رادارات الدّرع الصاروخي على أراضيها، وهو نظام موجّه في الأساس ضدّ روسيا وإيران، ما دشن بداية مسار جديد من الشكوك في العلاقة مع إيران وحلفائها في المنطقة.

"إما نحن أو النظام السوري" 

في مجمل الحركة التركية تُـجاه سوريا والمنطقة عموما، عكس وزير الدولة لشؤون الإقتصاد علي باباجان في محاضرة له في لندن في نهاية أبريل الماضي، الطبيعة التحالفية للعلاقات التركية - الأمريكية بالقول، أن البلدين "متوافقان في معْـظم القضايا الأساسية".

ويُـشير المسؤولون الغربيون إلى أهمية المساهمة التركية في الدّفاع عن الأمن القومي الأمريكي، بموافقة أنقرة على نشر الدّرع الصاروخي في ملاطية. ولكن التطابُـق في المواقف، لا يعكِـس بالكامل رِضى تركيا، بقدر ما يُـشير في بُـعد آخر إلى عدم قدرة تركيا على التحرّك بمفردها.

وغالبا ما كتب المحللون الأتراك ومراكز الدراسات في تركيا حول الرّغبة العالية لحكومة رجب طيب أردوغان، في الإطاحة بالنظام السوري وِفق معادلة "إما نحن أو النظام السوري"، لكن أنقرة كانت تصطَدِم دائما بحسابات أمريكية، لها علاقة بكون الولايات المتحدة دولة عُـظمى لها خِـبرة عميقة في التعامل مع المتغيِّرات، وهو ما افتقَـدته أنقرة في التعامل مع منطقة بقيَـت خارجها وخارج معرِفتها بها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

لهذه الأسباب مجتمعة، باتت قناعة سائدة، أن تركيا بمفردها، لا يمكن ان تتحرّك ضد سوريا. أولا، لعدم قُـدرتها على ذلك. وثانيا، لأنها لا تزال، (وقَـد ارتضت بذلك بعد اعتِداء مرمرة)، جُـزءا من الحركة الأمريكية في المنطقة، ولا تستطيع التحرّك من دون موافقتها.

"وكيل السياسات الغربية والأمريكية"

بدا ذلك جَـلِـيا في حادثة إسقاط الطائرة التركية في 22 يونيو 2012 من جانب الدفاعات السورية، من دون أن تستطيع أنقرة الردّ، رغم أنها قالت إن سوريا أسقطت الطائرة في الأجواء الدولية. ويعود أحد أهم أسباب عدم ردّ تركيا، أنها لا يمكن أن تدخل في مغامرة قد تفتح على حرب، في وقت ليست الولايات المتحدة في جهوزية لذلك، ولا قرار عندها عشية انتخابات الرئاسة الأمريكية، وهذا القيد على تركيا، أضر بصورتها واعتبارها وأظهرها على أنها مجرّد وكِـيل للسياسات الأمريكية في المنطقة.

العامل الثاني، تمثَّـل في "الربيع العربي" والذي وجد فيه الأتراك فُـرصة للتفلت من أن تكون تركيا مجرّد شريك للاَعبِـين إقليميين آخرين، مثل إيران في تزعم المنطقة، وتنتقل لتسعى أن تكون اللاّعب الإقليمي الأوحد، وهذا كان يتطلّب إضعاف اللاّعب الإيراني تحديدا ومَـن معه.

وإذا كانت رسالة العُدوان على مرمرة قد ترجَم المزيد من التعاون التركي مع الغرب، وصولا إلى ظهور تركيا بمظهَـر الوكيل للسياسات الغربية، والأمريكية تحديدا، فإن وصول حركة الإحتجاجات العربية إلى سوريا، مثَّـل فرصة تاريخية لتركيا، وِفقا لحساباتها، لكي تنتقل إلى مرحلة العمل على تعزيز نفوذها وكسْـر التوازن الإقليمي مع إيران وحلفائها، وتزعم المنطقة بمفردها، بما يعكِـس حيثِـية خاصة بتركيا، بمعزل عن طبيعة ارتباطاتها الإقليمية والدولية.

النزعة العثمانية الجديدة

ولا شكّ إن الاطاحة بزعماء تونس ومصر وليبيا، وشراكة تركيا، وإن كانت مرتبِكة أحيانا في هذه العملية، ووصول حركة الإخوان المسلمين إلى السلطة في معظمها، ولاسيما في مصر، شجَّـع تركيا على أن تذهب بعيدا في الرِّهان على إسقاط النظام السوري، لأنه "واسطة العقد" في مِـحور المُـمانعة، الذي تتزعَّـمه إيران، فتنفتح الطريق إلى كسر ما أطلِـق عليه "الهلال الشيعي"، ليس فقط مذهبيا، بل سياسيا لصالح إسلام سياسي وغربي، يشكِّـل حزب العدالة والتنمية نموذجه ومحرّكه في استسقاء للإرث السّلجوقي والعثماني، الذي يحتلّ مكانا بارزا في الأدبِيات السياسية لحزب العدالة والتنمية.

وفي هذا الصدد يمكن القول بقدر لا بأس به من الثقة أن مصطلح النَّـزعة العثمانية أو العثمانية الجديدة، لم يعُـد مجرّد شِـعار يفتري به البعض على سياسات حزب العدالة والتنمية، بل بات يعكِـس واقعا فِـعليا.

 تركيا "عظيمة"

في 27 أبريل 2012، أطلق وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو ما يُـشبه "المانيفستو العثماني"، وذلك في خطابٍ شهير أمام البرلمان التركي، لم يجِـد الصّدى الذي يستحِـقه في الإعلام العربي، ولا الاهتِـمام الضروري من جانب الأنظمة العربية، سواء منها المتحالفة مع تركيا أو المعارضة لسياساتها.

صال داود اوغلو وجال في جميع قضايا المنطقة، حاملا على كتِـفيْـه إنقاذ المنطقة والبشرية أيضا، معتبِـرا أن تركيا خُـلِـقت لهذه "المهمّـة"، التي وصفها قبل ذلك رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان بأنها "دولة عالمية". كما استكمل داود أوغلو في خطبته، ما كان بدأه قبل سنوات في تطلّعه إلى تركيا "عظيمة"، وفي أن يكون الشرق الأوسط الجديد، الذي يولد على شاكلة تركيا. كيف لا وهي التي ستُـحدد  فكره وملامحه ومستقبله، وهي (تركيا) التي ستكون طليعته، وهي التي ستقوده إلى نظام سلام إقليمي جديد!

يقول "ممتازير توركينيه"، الكاتب الإسلامي المرموق، والمنتقِـد أحيانا لسياسات حزب العدالة والتنمية، في مقالة له في صحيفة "زمان" التركية بعد الخطاب بيوم واحد، إن داود أوغلو تكلَّـم في البرلمان كـ "وزير خارجية الدولة العلية" في عِـز عظَـمتها، وعلى ظهره قُـفطان زهري اللّون مرصّع باللُّـؤلؤ، مستحضِـرا "الرابطة العثمانية" وواعِـدا بإحيائها".

ولم تفُـت الوزير أن يكيل لمعارضي سياسته من النواب والأتراك، تُـهماً ليس أقلّها أنهم "عاجزون" عن فهْـم  سياسته الخارجية.

"سلام في الوطن، سلام في العالم"

وفي 13 يوليو الجاري، كشف رئيس الحكومة التركية بوضوح في خطاب في قوجالي، أن ما يحرِّك سياسته في سوريا والمنطقة، هو النَّـزعة العثمانية. قال أردوغان: "يسألوننا عن أسباب انشِغالنا بسوريا؟ الجواب بسيط للغاية، لأننا بلد تأسّس على بقية الدولة العلية العثمانية. نحن أحفاد السَّلاجِقة. نحن أحفاد العثمانيين. نحن على امتداد التاريخ، أحفاد أجدادِنا الذين ناضلوا من أجل الحقّ والسلام والسعادة والأخُـوّة". وأضاف: أن "تركيا الصمّاء والخرْساء، انتهت. واليوم، لن ندير الظهر لأحد ولجيراننا". وقال إن سياسة أتاتورك الخارجية: "سلام في الوطن سلام في العالم"، لا تعني الانكفاء، بل أن تركيا معنِـية بكل ما يجري حولها.

وفي 15 يوليو الجاري، خطب أردوغان في مدينة اسكي شهر قائلا: "إن حزب العدالة والتنمية يحمِل في جُـذوره العميقة، إرث روح السَّلاجِـقة والعثمانيين".

"المأزق التركي" 

إن خطورة اشتِداد النّزعة العثمانية، هي من جهة، في ما اتَّخذته من أبْعاد مذهَبية، حيث أن صورة تركيا اليوم، هي أنها جزء من التّحالف السُـنِّي في المنطقة. ومن جهة ثانية، أنها تحمل نزعة قومية تركية كما مذهبية، كامنة على المدى الطويل في مواجهة المذهبِيات السُـنية نفسها. مثال على ذلك ما كتبه الكاتب السعودي عبدالله ناصر العُـتيْتبي في صحيفة "الحياة"، أن السعودية تريد من الرئيس المصري الجديد الدكتور محمد مرسي، عدم تلاقي الإخوان المسلمين، مع رغبة تركيا في إحياء الخِلافة العثمانية، في إشارة ضمنية إلى التعارض التاريخي بين الوهابية السعودية والسُـنِّية العثمانية منذ محمد علي باشا وحتى اليوم.

لم يمنح تطوّر الحداث في سوريا منذ سنة ونصف، الفرصة التي كانت تنتظرها تركيا. لم يسقط النظام في سوريا، رغم عدم قدرة النظام على حسْم الصِّراع عسكريا وتعرّضه لضربات عنيفة، مثل مقتل القيادات العسكرية السورية يوم الأربعاء 18 يوليو الجاري، إثر تفجير في مقرّ مكتب الأمن القومي بدمشق. وكان مقتل السياسة التركية أنها راهنت على سقوط النظام بسُرعة، كما حصل مع زين العابدين بن علي ومبارك والقذافي، فبادرت إلى خطوات متسرِّعة وألقت بكل أوراقها في فترة زمنية قصيرة. فلم يعُـد لها لاحِقا القُـدرة على المناورة، بل تحوّلت إلى طرف في الصراع السوري، عبْر دعمها الكامل للمعارضة السياسية والمسلّحة، واستضافتهما على أراضيها، وهو ما يُـشبه سياسة الصعود بالمصعد إلى السطح، بدل الصعود بتؤدة على السلالِـم، طابقا طابقا، وهو ما بات يُـعرف في تركيا بـ "المأزق التركي".

وحتى لو انتهت الأزمة في سوريا لصالح المعارضة السورية، فإن الندوب العميقة، التي ارتسمت على جِـسم العلاقات التركية مع دول الجِـوار، لن يمكن تجاوزها بسهولة، فكيف إذا بقي النظام؟ أو حتى عمَّـت الفوضى في سوريا والمنطقة، خصوصا وأن تركيا أول المتأثرين بالنِّزاعات العِرقية والمذهبية؟ بل لسبب أساسي، أنها لم تستطِع حتى الآن حلّ المشكلة العَـلَوية ولا المشكلة الكُردية.

في الخلاصة، يرتبِـط مصير سلطة العدالة والتنمية في تركيا، ببقاء أو رحيل النظام في سوريا. لكن الدور التركي، ولو سقط النظام في سوريا، فلن يعود إلى ما كان عليه من علاقات جيِّـدة مع جيرانه، ولاسيما مع العراق ولبنان وإيران ومكوِّنات اجتماعية أخرى في المنطقة. ويرى مراقبون أن تركيا ستكون بحاجة ماسّة إلى استراتيجية جديدة، بعيدا عن "العمق الإستراتيجي"، الذي بات موضع تهكُّـم وتندر داخل تركيا قبل خارجها.

منشقون عن الجيش السوري يقولون إن نظام الاسد يتداعى

انطاكيا (تركيا) (رويترز) - قال منشقون عن الجيش وقادة لقوات المعارضة السورية مقرهم تركيا إن تفجيرا في دمشق أودى بحياة ثلاثة من كبار المسؤولين العسكريين سيعجل بنهاية حكم الرئيس بشار الاسد وتوقعوا المزيد من الانشقاقات والنزاعات المثيرة للانقسام داخل النظام.

وقال العميد فايز عمرو وهو عضو بارز بالقيادة العامة العسكرية المشتركة التي تضم منشقين عن الجيش السوري ان الهجوم نقطة تحول في الانتفاضة ضد حكم الاسد التي بدأت قبل 16 شهرا.

وأفادت تقارير بوقوع اشتباكات عنيفة في وسط دمشق في وقت متأخر يوم الاربعاء 18 يوليو 2012 وبأن الجيش قصف عاصمة البلاد من التلال المحيطة بها مع حلول الليل.

وأبلغ عمرو رويترز "النظام ربما يلجأ الان الي أسلحة أكثر فتكا للانتقام لكن في نهاية الامر سيكون النظام هو الخاسر الاكبر. قوة النظام لم تعد مؤثرة عندما تواجه ارادة شعب في مواجهة جنود فقدوا الرغبة في القتال وعندما يعرف الجندي انه يقتل شعبه. النصر الان أقرب من أي وقت مضى".

وقتل كل من وزير الدفاع السوري وصهر الاسد في الهجوم وهو أكبر ضربة الي القيادة العليا التي يعتمد عليها الرئيس السوري. وقتل ايضا مسؤول عسكري بارز واصيب مسؤولون امنيون كبار.

وقال مصدر أمني ان منفذ الهجوم داخل مقر الامن القومي كان حارسا شخصيا مكلفا بحماية الدائرة الضيقة المحيطة بالاسد. وقال التلفزيون الحكومي انه مفجر انتحاري. واعلنت جماعات مناوئة للاسد المسؤولية عن الهجوم.

وقال أحمد زيدان وهو متحدث باسم المجلس الاعلى لقيادة الثورة -احدى جماعات المعارضة السورية- ان التفجير ضربة قوية للروح المعنوية للجيش الذي تقدر المعارضة أن 50 ألفا انشقوا عنه من بين 280 ألفا.

واضاف قائلا "انها البداية لسلسلة الانهيار .. النظام فقد السيطرة والان فان اولئك المحيطين ببشار الاسد والذين كان يعتمد عليهم رحلوا. اسس النظام اهتزت. الباقي الان هو بشار فقط". وقال زيدان ان عشرات من الجنود انشقوا عن الجيش في محافظة إدلب في الايام القليلة الماضية.

وقال عبد الله الشامي وهو احد قادة مقاتلي المعارضة وقاد هجمات في حلب ثاني أكبر مدينة في سوريا "هذا تحول نوعي سيزيد من انهيار الروح المعنوية لكل من يدعمون النظام". واضاف قائلا "اتوقع انهيارا سريعا للنظام... وهذا يعني اننا لن نكون في حاجة الي تدخل خارجي بعد ان بدأ النظام يتداعى بشكل أسرع كثيرا مما كنا نتصور".

واطلق شبان سوريون يتدربون في معسكر بمحاذاة الحدود داخل الاراضي السورية طلقات في الهواء وهتفوا مرددين "الله أكبر" وتبادلوا العناق احتفالا بالهجوم على المقر الامني.

لكن مهيمن الطائي وهو ضابط كبير في جبهة ثوار سوريا - وهي جماعة تنسق بين الكتائب الرئيسية لمقاتلي المعارضة - قال ان ضعف التنظيم بين جماعات المعارضة المسلحة يعني ان الاسد ما زال بإمكانه كسب المزيد من الوقت. واضاف قائلا "للاسف فاننا لو كنا أفضل تنظيما فان هذه الاحداث البالغة الاهمية كانت ستحقق إنهيارا فوريا لحكم الاسد".

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 18 يوليو 2012)

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×