تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

رفض شامل من المعارضة مفاجأة الأسد: الحرب الشاملة بدل التسوية الشاملة

بقلم


الرئيس السوري بشار الأسد يستعد لإلقاء خطاب أمام جمع من مؤيديه في دمشق يوم الأحد 6 يناير 2013

الرئيس السوري بشار الأسد يستعد لإلقاء خطاب أمام جمع من مؤيديه في دمشق يوم الأحد 6 يناير 2013

(Keystone)

مرّة أخرى، فاجَأ الرئيس السوري بشار الأسد أصدقاءه وأعداءه في آنٍ، حين أدْلى أمس بخطاب ناري، دعا فيه إلى التعبِئة الوطنية الشاملة" لإلحاق الهزيمة بالمعارضة المسلّحة، بدلاً من المصالحة الوطنية الشاملة، وشدّد فيه على أن الحل السياسي يجب أن يأتي بعد أن يُلقي الثوار السلاح.

الأصدقاء، وعلى رأسهم روسيا، سيكونون في موقف صعْب الآن في مفاوضاتهم المُـفترضة مع الأمريكيين هذا الأسبوع، حيث أن الأسد لم يطرح (كما كانوا ينتظرون) مبادرة تفاوضية، بل تقدّم بشروط تعجيزية تنسِف أي مفاوضات وتغلق الباب أمام أي حلول قريبة.

وهذا ما قد يؤدّي عملِـياً إلى إجهاض مبادرتيْـن روسيتين، جاءتا قبل أيام على لسان كلٍّ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونائب وزير خارجيته بوغدانوف، وكانت كِلتاهما مكمّلة للأخرى. فالأول أعلن للمرة الأولى أن "شغل روسيا الشاغل، هو مصير سوريا وليس مصير الأسد". لكن الأهم، هو قوله أنه يكفي سيطرة عائلة الأسد على السلطة طيلة 40 عاما.

أما الثاني، فقد اعترف بأن انتصار المعارضة العسكرية ليس مُستبعَـدا، الأمر الذي يجب أن يعني فتح الأبواب والنوافذ أمام التسوية.

وقد أطلقت موسكو كلّ هذه المبادرات القوية، فيما كانت قِـطع البحرية الروسية تبْحر نحو طرطوس، ربما لإجلاء أكثر من 50 ألف مواطِـن روسي يُـقيمون في البلاد.

أما الأعداء، وهم كُـثر ويشكّلون الآن معظم دول العالم، بما في ذلك أوروبا وأمريكا والمِنطقة العربية، فقد فوجِئوا هُـم أيضاً بهذا الخطاب المُتصلّب الذي كرّر حرفياً مواقف الأسد منذ بداية الأزمة قبل سنتيْن، بعد أن كانت التسريبات من النظام السوري نفسه (عبْر صحيفة "الأخبار" اللبنانية الموالية له) تتحدّث عن نية دمشق تبنّي صيغة تسوية جنيف - 2 بين موسكو وواشنطن.

تفاصيل الحل السياسي المقترح من طرف الأسد

"إنطلاقا من ثوابتنا المبدئية وفي مقدمتها سيادة الدولة واستقلالية قرارها ومبادئ وأهداف ميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي والتي تؤكد جميعها على سيادة الدول واستقلالها ووحدة اراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وايمانا منا بضرورة الحوار بين ابناء سوريا وبقيادة سوريا ومن أجل استعادة المناخ الامن وعودة الاستقرار فان الحل السياسي في سوريا سيكون على الشكل التالي:

المرحلة الأولى

أولا: تلتزم فيها الدول المعنية الاقليمية والدولية بوقف تمويل وتسليح وإيواء المسلحين بالتوازي مع وقف المسلحين لكافة العمليات الارهابية مما يسهل عودة النازحين السوريين الى أماكن اقامتهم الاصلية بأمن وامان. بعد ذلك مباشرة يتم وقف العمليات العسكرية من قبل قواتنا المسلحة التي تحتفظ بحق الرد في حال تعرض امن الوطن او المواطن او المنشئات العامة او الخاصة لأي اعتداء.

ثانيا: ايجاد آلية للتأكد من التزام الجميع بالبند السابق وخاصة ضبط الحدود.

ثالثا: تبدأ الحكومة القائمة مباشرة بإجراء اتصالات مكثفة مع كافة أطياف المجتمع السوري بأحزابه وهيئاته لإدارة حوارات مفتوحة لعقد مؤتمر للحوار الوطني تشارك فيه كل القوى الراغبة بحل في سوريا من داخل البلاد وخارجها.

المرحلة الثانية

أولا: تدعو الحكومة القائمة الى عقد مؤتمر للحوار الوطني الشامل للوصول الى ميثاق وطني يتمسك بسيادة سوريا ووحدة وسلامة اراضيها ورفض التدخل في شؤونها ونبذ الارهاب والعنف بكافة اشكاله. هذا الميثاق هو من سيرسم المستقبل السياسي لسوريا ويطرح النظام الدستوري والقضائي والملامح السياسية والاقتصادية والاتفاق على قوانين جديدة للأحزاب والانتخابات والادارة المحلية.

ثانيا: يُعرض الميثاق الوطني على الاستفتاء الشعبي.

 ثالثا: تشكل حكومة موسعة تتمثل فيها مكونات المجتمع السوري وتكلف بتنفيذ بنود الميثاق الوطني.

رابعا: يُطرح الدستور على الاستفتاء الشعبي وبعد اقراره تقوم الحكومة الموسعة باعتماد القوانين المتفق عليها في مؤتمر الحوار وفقا للدستور الجديد ومنها قانون الانتخابات وبالتالي اجراء انتخابات برلمانية جديدة.

المرحلة الثالثة:

أولا: تشكل حكومة جديدة وفقا للدستور. الدستور الموجود في ذلك الوقت.

ثانيا: عقد مؤتمر عام للمصالحة الوطنية واصدار عفو عام عن المعتقلين بسبب الاحداث مع الاحتفاظ بالحقوق المدنية لأصحابها.

ثالثا: العمل على تأهيل البنى التحتية واعادة الاعمار والتعويض على المواطنين المتضررين في الاحداث".

(المصدر: وكالات الأنباء بتاريخ 6 يناير 2013)

نهاية الإطار التوضيحي

3 خلاصات

ماذا تعني هذه المفاجأة الأسدية الجديدة؟ الكثير. فهي تعني أولاً، أن الطائفة العلوية حسمت، على ما  يبدو أمرها وقرّرت الوقوف حتى النهاية إلى جانب حلول الأسد العسكرية، كما توقّـع مؤخراً تقرير مهِـم للمجلس الأطلسي (Atlantic Council )، جاء فيه أن القيادة السورية "نجحت في تعبِئة العلويين طائفياً حول عائلة الأسد - مخلوف، وفي ربط مصير الكِيان السوري نفسه بمصير النظام العلوي"، وهذا ما سيجعل احتمال حدوث انقلاب عسكري علوي – سُـنّي مُـشترك بَـعِـيد المنال في هذه المرحلة. إنه لا يزال ممكِناً، لكنه بات الآن أكثر صعوبة.

وهي (المفاجأة) تُـشير، ثانياً، إلى أن الحرب السورية ستتواصَل طيلة السنة الجديدة 2013 بشكل، ربّما يكون أعنف بكثير من ذِي قبل، جاعلة بذلك تحذيرات الأخضر الإبراهيمي بشأن انزلاق البلاد إلى "الجحيم"، ما لم تتحقق التسوية السياسية نُبوءة ذاتية التحقّق، وهذا ما سيطرح علامات استفهام كُبرى حول مصير مهمّة الإبراهيمي نفسها.

ثالثاً، وربما هنا الأهَـم، أن الأسد لم يكن ليتّخذ هذه المواقف المتصلِّـبة، لولا عِلمه أن الطرفيْن، الروسي والأمريكي معاً، غير مهتمِّين في الواقع بتحقيق تسوية سريعة في سوريا. 

صحيح أن روسيا أبدت مؤخّراً استعدادا مبدئِـيا لإبرام صَفقة حول سوريا، تتضمّن في محصِّلاتها النهائية، وضع حدٍّ لحُكْم عائلة الأسد المُستمر منذ 40 سنة، كما ألمح بوتين؛ وصحيح أن مبادرة الأمريكيين لوضْع جبهة النّصرة على لائحة الإرهاب، كانت في العُمق "بيعة" أمريكية واضحة لروسيا القلِقة من سيْطرة الإسلاميين الجهاديين على بلاد الشام، إلا أن ذلك، كل ذلك لم يرق في الحقيقة إلى درجة بحْث الطرفيْن عن حلول جدية.

كيف؟ ضع جانباً البيانات الدبلوماسية الأمريكية، التي تلهج بالحديث عن ضرورات التسوية السياسية وعن مُعاناة الشعب السوري، فتكتشِف فوراً أن ما تريده واشنطن غير ما تقوله، إذ يبدو أن ذلك الجناح في الإدارة الأمريكية الدّاعي إلى مواصلة القتال حتى سقوط النظام، لا تزال له اليَد العُليا في البيت الأبيض.

ويبقى الانتظار لمعرفة ما إذا كان ترشيح جون كيري كوزير للخارجية، بما عُـرف عنه من اتصالات وثيقة مع الرّوس وتمسّكه بالحلول الدبلوماسية (كان أول من وصف حرب فيتنام عام 1960 بأنها "خطأ")، قد يغيِّـر مواقف البيت الأبيض.

لكن حتى الآن، تبدو واشنطن سعيدة بغرَق إيران في الوحول السورية، الأمر الذي يستنزف اقتصادها على نحوٍ خطير (مليار دولار شهرياً لدفع رواتب موظفي الدولة السورية) ويدمّر ما تبقّى من نفوذ سياسي - أيديولوجي لها في الشرق العربي. كما أنها (واشنطن) تشعر الراحة لتآكل مواقع موسكو الأخلاقية في العالم، بسبب دعمها لرئيس سوري، يصفه المسؤولون الرّوس أنفسهم في مجالسهم الخاصة بأنه "جزّار". (وِفق معلومات نيويورك تايمز).

وفوْق هذا وذاك، يشكِّـل تقدُّم المعارضة المسلحة السورية مؤخراً على جبهات قتال عِـدة، مبرّراً لواشنطن كي تقول إن التدخل العسكري الغربي في سوريا لم يعُـد ضرورياً، ولتُـروِّج أيضاً (وإن كجزء من الحرب السيكولوجية)، أن سقوط النظام بات وشيكا، وهذا ما أشارت إليه مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى هذا الأسبوع، حين قالت إن "سياسة الولايات المتحدة في سوريا نجحت من دون تدخُّل عسكري مُباشر من جانبها"(... ).

أما بالنسبة إلى روسيا، وعلى رغم أنها بدأت تشعُـر بالوطْـأة الدولية الثقيلة لدعم نظام سوري على هذا القدْر من اللامبالاة بالأكلاف الإنسانية والأخلاقية، إلا أنها ليست مستعدّة لبيع جلد الأسَد قبل الحصول على صفقة جديدة مع واشنطن، مماثلة لصفقة "إعادة التنظيم" ( Reset) عام 2009، التي أقرّت فيها واشنطن بنفوذ موسكو في جوارها الإقليمي، في مقابل تخلّي هذه الأخيرة عن دعم إيران عسكرياً.

تمديد حِقبة الدّمار

ماذا تعني كل هذه المُعطيات؟ أمراً واحدا: واشنطن تحبِّـذ تسويةً مع موسكو لحلِّ الأزمة السورية، كما دلّت على ذلك، المفاوضات الخاصة الروسية - الأمريكية الأخيرة، لكنها ليست مُستعجلة لإبرامها بسرعة. فيما موسكو باتت الآن تريد هذه التسوية بسرعة، بعد أن بدا واضحاً أن كلّ وعود النظام السوري بحسم الأمور عسكرياً باءت بالفشل وأن سيطرته على البلاد، تتآكل ببُـطْء ولكن بثَـبات، لكنها ليست مستعدّة لإبرام أي تسوية بأي ثمَـن.

وهكذا، تبادَل الطّـرفان المواقف، بعد أن كانت واشنطن هي التي على عجَـلة من أمْرها، فيما كانت موسكو قبل أشهر غيْـر مستعجلة البتّـة لاعتقادها أن الأسد سيفوز.

وإلى أن يصل الطّرفان إلى اتِّفاق على ضبط توقيت ساعتيْهما على إيقاع الحلّ المشترك، ستكون ثمّة فُـسحة أخرى من الوقت أمام عائلة الأسد لمواصلة مسلسل الدّمار. وهذا ما أفصحت عنه بوضوح مفاجَأة الأسد الأخيرة.

swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×