"شبهُ" حرب باردة جديدة في الشرق الأوسط؟

صوة التقطت على هامش آخر لقاء جمع بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما (على الشمال) ونظيره الروسي فلاديمير بوتين يوم 17 يونيو 2013 في إيرلندا الشمالية. Keystone

تتوقع مصادر دبلوماسية مطلعة في بيروت أن تشهد منطقة الشرق الأوسط في الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة، تصعيداً ملموساً في الصراعات الدولية ينعكس سلباً على الكثير من دولها. أما سبب هذا التصعيد، وفق هذه المصادر، فهو إنهيار جلّ استراتيجية "إعادة تنظيم" العلاقات (Reset) التي وضعتها إدارة أوباما منذ العام 2009 بهدف بناء "شراكة استراتيجية" مع روسيا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 أغسطس 2013 - 05:00 يوليو,
سعد محيو - بيروت, swissinfo.ch

صحيح أن هذه الإستراتيجية حققت العديد من الإختراقات، مثل انضمام موسكو إلى العقوبات الغربية ضد إيران ومشاركتها في الحرب على الإرهاب في أفغانستان والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، في مقابل دمج روسيا في الإقتصاد العالمي وإطلاق يدها جزئياً في  بعض مناطق الإتحاد السوفياتي السابق. إلا أن السنتين الأخيرتين شهدت جموداً ثم تراجعاً في هذا التعاون، بعد أن برزت خلافات بين الطرفين حول العديد من المسائل كسورية وثورات الربيع العربي، والدرع الصاروخي في أوروبا، والتطورات في جورجيا وأوكرانيا.

بيد أن العامل الأهم في تراجع العلاقات كان رغبة الرئيس بوتين الجامحة في حمل الرئيس أوباما على معاملته كند متساوٍ في الأهمية والأدوار، الأمر الذي دفعه إلى القيام بخطوة أدت إلى قرع الكثير من أجراس الإنذار في واشنطن: التقارب مع الصين، ودعوتها إلى الوقوف معاً ضد استراتيجية أوباما التي أطلق عليه اسم "الاستدارة نحو آسيا" (Pivot).

ثم جاء الحافز الذي دفع أوباما إلى تفجير الخلافات علناً مع بوتين وإلى إعلان الوفاة السريرية لاستراتيجية "إعادة التنظيم"، وهو موافقة موسكو مؤخراً على منح عميل الإستخبارات الأميركي سنودن حق اللجوء السياسي لمدة سنة. حينها، أطلق أوباما أول تصريح من نوعه منذ انهيار الإتحاد السوفياتي العام 1991، حين أعلن أن الرئيس الروسي "لايزال يعمل بعقلية الحرب الباردة". وهذا كان تصريحاً خطيراً بما فيه الكفاية، لأنه يعني عملياً أن واشنطن باتت قاب قوسين أو أدنى من اعتبار نفسها في حالة حرب باردة جديدة تشنها روسيا- بوتين عليها.

مرحلة جديدة

بالطبع، الأمور لم تصل بعد إلى هذه المرحلة. فأوباما، على رغم إلغائه القمة الثنائية المقررة مع بوتين، لايزال مستعداً لحضور قمة مجموعة العشرين في  روسيا. ووزيرا الدفاع والخارجية الأميركيان سيواصلان المحادثات في موسكو مع زميليهما الروسيين حول إبرام اتفاقية جديدة لخفض الأسلحة النووية وحول سورية وإيران.

لكن مع ذلك، تشير المصادر الدبلوماسية إلى أن العلاقات الأمريكية - الروسية دخلت بالفعل مرحلة جديدة ستتغلَّب فيها روح التنافس على نزعة التعاون، والضغوط على التسويات، والمجابهات على التحالفات. قد لا تصل الأمور بينهما إلى مستوى الحرب الباردة الكاملة، بسبب غياب الصراع الإيديولوجي بينهما، من جهة، ولرغبة موسكو الجامحة في مواصلة الإندماج في الإقتصاد الرأسمالي العالمي.

بيد أن المصادر لاتستبعد "نوعاً باردا" من الحرب الباردة، أو شبه حرب باردة، في حال واصلت موسكو تقاربهما مع بيكين، وذلك كوسيلة ضغط لدى الطرفين لتحسين مواقعهما التفاوضية في النظام الدولي الجديد الناشيء؟

ومثل هذا الضغط سيتضح أكثر ما يتضح في سوريا التي كانت واشنطن قد منحت موسكو حيالها شيكاً على بياض لترتيب أمور المرحلة الإنتقالية فيها. لكن المصادر تتوقع الآن انخراطاً أمريكياً أكبر وأوضح في دعم المعارضة السورية المسلحة، وحملات دبلوماسية أمريكية أكثر حدة في مجلس الأمن وبقية المحافل الدولية ضد السياسة الروسية في سوريا.

الفيلة والعشب

هذه الخطوة في حال حدوثها (والأرجح أنها ستحدث)، ستدفع روسيا إلى الرد من خلال التقارب أكثر من إيران وتشجيعها على رفض أي تنازلات نوعية في مفاوضاتها المقبلة مع الغرب. كما قد تدفعها إلى محاولة جذب العراق إلى محورها، سواء عبر صفقات أسلحة أقل تكلفة أو من خلال تعاون أمني واقتصادي أوثق.

موسكو قد تفيد أيضاً من امتعاض السلطات المصرية الجديدة من الدور الأمريكي في الأزمة السياسية الداخلية، وإن كانت تعلم أن ذلك لن يُؤذي واشنطن كثيراً بسبب اعتماد الجيش المصري كلياً على الأسلحة والمعدات والمساعدات العسكرية والمالية الأمريكية.

بكلمات أوضح: المنطقة مقبلة على شبه حرب باردة روسية - أمريكية ستُستخدم فيها كل أنواع الأسلحة الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية. والمؤكد أن الخاسر الأكبر في مثل هذه الحرب ستكون شعوب المنطقة، لأنه حين تتواجه الفيلة فوق الميدان يكون "العُشب" أول من يدفع الثمن.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة