تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

زيارة تاريخية!

الرئيس شيراك يقدم للرئيس بوتفليقة خاتم توقيع حسين داي باشا آخر دايات الجزائر

(Keystone)

قام الرئيس الفرنسي جاك شيراك بزيارة دولة للجزائر، هي الأولى من نوعها لرئيس فرنسي منذ استقلال الجزائر عام 1962، ورافق شيراك وفد سياسي واقتصادي وثقافي هام لم يُرافق أي رئيس فرنسي من قبل.

وقد استُـقبل الرئيس الفرنسي بحفاوة كبيرة، أظهرت مدى تعلق الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بفكرة أن فرنسا هي بوابة الجزائر داخل أوروبا.

عندما وصل الرئيس الفرنسي إلى مطار هواري بومدين، كانت أوامر الرئيس الجزائري قد طُبقت حرفيا، إذ لابد أن تُصبح الزيارة حفلا ضخما يليق بطابع الزيارة ودلالاتها التاريخية والسياسية.

فقد أمر بوتفليقة بأن يُستقبل شيراك بعرض عسكري مصغر، ثم يليه عرض موسيقي للحرس الجمهوري على شرف الرئيس الفرنسي، ندر أن شرّفت به الجزائر ضيوفها.

ثم تنقل الرئيسان في سيارة مكشوفة عبر شوارع العاصمة، وخاصة تلك التي بنتها فرنسا، وكان في انتظارهما عشرات الآلاف من الجزائريين يهتفون بحماس كبير، كما أحضرت الفرق الفلكلورية وجُنِّـد الآلاف من رجال الأمن، وحدث أمر نادر آخر، وهو مرافقة خيالة الحرس الجمهوري للموكب الرئاسي وهم يحملون سيوفا عربية مجردة.

توقف الكثيرون عند حماس الجزائريين الذين استقبلوا الرئيس الفرنسي، إذ اختلطت هتافات "يحيى بوتفليقة وشيراك"، مع هتافات الشباب، "نريد الفيزا، أي التأشيرة"، أو هتافات بعض القبائل بأن يتدخل شيراك لحل أزمتهم مع الحكومة، أو هتافات أمهات وزوجات المفقودين خلال الأزمة الجزائرية. كان الجمهور منفعلا بدرجة هائلة أدهشت الفرنسيين، لا بل وأقرب المقربين إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.

كما زار شيراك حي باب الوادي الشعبي وسط العاصمة، الذي تعرض قبل حوالي عامين لفيضانات طوفانية أودت بحياة ثمانمائة شخص.

زيارات رمزية كثيرة، واستقبال شعبي حافل لم يمنع من تسرب معلومات أكيدة، أن بلديات تنتمي في الغالب إلى حزب جبهة التحرير الوطني وهي "حزب الرئيس الجزائري"، حملت مواطنين بالحافلات إلى وسط العاصمة لاستقبال شيراك، ربما بهدف ترجيح كفة من لا يرفعون أصواتهم بالهتافات السياسية...

زيارة لتغيير مسار العلاقات بين البلدين

وأظهر الرئيس الفرنسي وعيا تاما بأهمية الزيارة ودورها في تغيير مسار العلاقات الجزائرية الفرنسية، فأحضر معه وفدا ضخما ضم سياسيين ورجال أعمال وفنانين، كما ضم أيضا وزير قدماء المحاربين الفرنسيين الجزائري الأصل، حملاوي مكامشة، وهو رجل تعرفه عائلات المجاهدين والشهداء إبان الثورة التحريرية "1962-1954"، خاصة في ولاية سوق أهراس، 700 كلم شرق العاصمة، عندما قاتل إلى جانب القوات الفرنسية ضد أبناء جلدته من الجزائريين.

وفي الوقت الذي كان موقف بوتفليقة غائبا تجاه هذا الزائر "المثير"، كان موقف الرئيس الفرنسي واضحا: "لابد من حل أزمة من يُعرفون "بالحركة" بتسكين الراء، وهم كل الجزائريين الذي فضلوا مساندة القوات الفرنسية ضد الثورة التحريرية ثم هربوا إلى فرنسا بعد الاستقلال، ويريد شيراك الآن عودتهم إلى الجزائر لأسباب إنسانية. فالكثير منهم قد بلغ من العمر عتيا..."

لم يُعكر قدوم وزير قدماء المحاربين الفرنسيين الجو العام للزيارة. فقد وقع اتفاق هام جدا يرسم خطوط الصداقة الجزائرية الفرنسية، وهي في الجملة تعاون في كل المجالات.

وقد نص الاتفاق الثنائي الذي أبرمه البلدان على التقاء رئيسي البلدين مرتين كل عام، وأن تتسع دائرة التشاور السياسي، وأن تُفعل المعاملات الاقتصادية، ولم ينس الاتفاق الجانب البشري والثقافي، إذ لابد من تحسين عملية تنقل وتحرك الجزائريين في فرنسا، وتحرك وتنقل الفرنسيين في الجزائر، ولابد أيضا من تفعيل دور الجامعات في كلا البلدين بهدف تحسين التبادل العلمي، ولابد أيضا من الحفاظ على الإرث الفرانكوفوني في الجزائر.

كان هذا الاتفاق تتويجا لحوار طويل دام ثلاثة أعوام بين الرئيسين الجزائري والفرنسي، وجاء أيضا عبر قناعة قوية لدى الرئيس الجزائري بأن فرنسا هي مفتاح الجزائر داخل الاتحاد الأوربي، كما هي ألمانيا بالنسبة لبولونيا ودول شرق أوربا.

الشريك الاقتصادي الأول

تعتبر فرنسا الشريك الاقتصادي الأول للجزائر، وفرنسا هي ثاني مستورد للسلع الجزائرية، كما أنها أول مصدر للسلع تجاه الجزائر، ولم يعمل الاتفاق الجديد إلا على تدعيم هذا الوضع عن طريق روافد كثيرة، أهمها التقارب بين البلدين عبر العلاقات البشرية مثل الجزائريين في فرنسا، أو عبر التقارب اللغوي والثقافي بين الطبقتين الحاكمتين في كل من فرنسا والجزائر.

كانت اللقاءات بين الرئيسين "صريحة"، على حد قول شيراك، ولم تتمكن الصحافة من معرفة رأي الرئيس الجزائري من المحادثات، لأنه لم يُشارك الرئيس الفرنسي ندوته الصحافية قبل نهاية الزيارة.

كما كانت الزيارة أيضا واضحة من حيث أهدافها، وإن لم يُصرح بها، فخلال خطاب ألقاه شيراك أمام غرفتي البرلمان الجزائري ردد أكثر من مرة عبارات، "أن تحسّن العلاقات السياسية والاقتصادية بين الجزائر وفرنسا، بدأ منذ العام 1999، وهو تاريخ وصول بوتفليقة إلى الرئاسة، وعبارة أن فرنسا تدعم سياسة الوئام المدني التي ينتهجها الرئيس الجزائري، والتي تقضي بالعفو عن الإسلاميين المسلحين، إذا ما عادوا إلى الحياة الطبيعية.

وأضاف الرئيس الفرنسي "أن فرنسا تدعم برنامج الإصلاحات الاقتصادية التي ينتهجها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة".

تصريحات فرنسية رسمية أمام أعضاء الحكومة ونواب البرلمان ومجلس الشيوخ أعطت الانطباع بأن فرنسا لا ترغب في ذهاب بوتفليقة أو في تغييره.

ينضاف إلى هذا جواب شيراك خلال الندوة الصحافية التي عقدها على سؤال حول قراءته لرسالة بعثتها إليه مجموعة من ممثلي القبائل العروشية، وهم زعماء القرى والمدن القبائلية، تطلب منه التدخل للتوسط لهم أمام الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. رد الرئيس الفرنسي "أنه لم يقرأ الرسالة بعد، وأنه سيقرأها بتمعن في الوقت المناسب".

موقف شيراك من ملف الصحراء الغربية

وحتى في ملف الصحراء الغربية، كان موقف شيراك مؤيدا لتقارب الجزائر مع المغرب، وقال إن مصير منطقة المغرب العربي ككل، هو الالتقاء تماما كما هو الحال في أوربا. وأضاف أنه متأكد من أن الملك المغربي والرئيس الجزائري لا يعملان إلا من أجل هذا الأمر. تصريحات ممقوتة من جانب الذين يريدون تسخين العلاقات الجزائرية المغربية على فوهة بركان لا على نار هادئة.

وزاد شيراك في مدح بوتفليقة بخصوص جهوده لحل مشاكل القارة الإفريقية، وكرر الرئيس الفرنسي موقف بلاده الرافض لضرب العراق.

ويتساءل المراقبون: "ماذا يريد بوتفليقة أكثر من هذا؟ فالرئيس الفرنسي يؤيده في كل شيء تقريبا، حتى ملف المفقودين خلال الأزمة الجزائرية، قال عنه الرئيس الفرنسي باستحياء: "نعم لقد تطرقت إليه مع الرئيس الجزائري".

صحيح أن اعتبار فرنسا ميزانا أو حكما لحل الخلافات الداخلية الجزائرية أمر مزعج جدا لكثيرين، ولكن واقع السياسة الداخلية الجزائرية يُظهر أن الصراع بين أصحاب المصالح وخصومهم ممن يريدون بعض التغيير، هائل جدا ويحتاج حسب قواعد "الخلاف المتبعة" إلى سند خارجي، ولو كان معنويا...

المقابل لدعم شيراك لسياسات بوتفليقة، هو تحسين كامل لدور فرنسا ومركزها داخل الجزائر في المجالات الاقتصادية والثقافية. وليبرهن شيراك على حسن نيته، أرجع للرئيس بوتفليقة خاتم توقيع حسين داي باشا آخر دايات الجزائر، الذي أعطاه لقائد الحملة الفرنسية التي احتلت الجزائر عام 1830، وقال شيراك إن هذا رمز هام من رموز عودة السيادة إلى الجزائر.

هيثم رباني - الجزائر


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×