زيارة ناجحة.. بالمقاييس المغربية

اقتصرت زيارة العمل التي قام بها العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى واشنطن على لقاء الرئيس جورج بوش دون إجراء مباحثات مع أركان الإدارة الأمريكية مثلما جرت العادة. Keystone

زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس القصيرة لواشنطن، كانت تتويجا لتطورات عرفتها العلاقات المغربية الأمريكية خلال الأسابيع الماضية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 12 يوليو 2004 - 13:41 يوليو,

الزيارة التي اختتمت يوم 8 يوليو أعطت مؤشرا عن قبول الإدارة الأمريكية لدور إقليمي يمكن للمغرب أن يقوم به.

التقى العاهل المغربي الرئيس الأمريكي جورج بوش في البيت الأبيض، وأجرى معه مباحثات وتناول معه الغداء دون أن يلتقي بأي من أركان الإدارة الأمريكية، على غير عادة ملك المغرب في زيارات العمل التي يقوم بها لواشنطن.

والعادة جرت، منذ عهد الراحل الملك الحسن الثاني، أن يلتقي ملك المغرب في زياراته لواشنطن، إضافة للرئيس الأمريكي، وزير الدفاع حيث كان البنتاغون على الدوام أقرب الوزارات للرباط، وأيضا كلا من وزير الخارجية ومدير المخابرات المركزية وان كانت إدارة كل منهما لا تكن ودا تجاه المغرب.

هذه اللقاءات كانت في برنامج الملك محمد السادس في زيارتيه السابقتين لواشنطن، لكن مباحثات زيارته الأخيرة التي تمت الخميس الماضي، اقتصرت على الرئيس بوش. وأعاد المطلعون على ملف العلاقات المغربية الأمريكية ذلك إلى أن القضايا التي تضمنها جدول أعمال محمد السادس في واشنطن، اقتصرت على تأكيد تفاهمات وإعطاء دفعة لاتفاقات، وإبلاغ موقف أعلن في الرباط قبل الذهاب إلى واشنطن.

ففي منتصف يونيو الماضي وقعت في واشنطن اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة، وهي الاتفاقية الأولى التي توقعها الإدارة الأمريكية مع بلد إفريقي أو مع بلد عربي بعد الأردن. والانزعاجات التي بدرت من دول أوروبية والاعتراضات التي أبدتها مجموعة منظمات المجتمع المدني والنقابات المغربية منذ الإعلان عن بدء التفاوض حول هذه الاتفاقية، لم تحل دون مواصلة الرباط مفاوضاتها والوصول إلى الاتفاق بعد تذليل عقبات تتعلق بالملف الزراعي والصيدلي.

"الحليف الاستراتيجي" وقضية الصحراء

وإذا كانت الرباط تعتبر أن اتفاق التبادل الحر مع واشنطن بابا ضروريا للمزيد من الاستثمارات الخارجية، فإنها أيضا تنظر للبعد السياسي لهذا الاتفاق والأبواب التي يفتحها أمام علاقاتها بواشنطن الزاحف بهيمنتها على العالم. وتربط الرباط بين اتفاقية التبادل الحر، وإعلان الرئيس الأمريكي بعد ذلك منح المغرب صفة الحليف الاستراتيجي الكبير خارج حلف الأطلسي.

ولأن التحالف لا يتحمل زعزعة استقرار أحد أطرافه فإن الرباط أبدت منذ هجمات الحادي من سبتمبر على نيويورك وواشنطن تعاونا كبيرا مع الإدارة الأمريكية في محاربة الإرهاب الأصولي. واعتدت البلاد منذ هجمات 16 مايو في الدار البيضاء لتكون جزءا أساسيا من الحرب العالمية على الإرهاب، فرفعت من وتيرة تنسيقها وتعاونها الأمني مع واشنطن وغيرها من العواصم المعنية بهذه الحرب ولاحقت أجهزتها نشطاء التيارات الأصولية المتشددة دون هوادة.

والإرهاب ليس الهم الوحيد للرباط، وبالنسبة لها فإن نزاع الصحراء الغربية ملفا مؤرقا رغم السكون الحربي الذي يعرفه النزاع منذ وقف إطلاق النار 1991. وملف النزاع لازال مفتوحا ومواقف الإدارة الأمريكية من تطوراته ليست دائما مريحة للرباط وتلبي الطموح المغربي بإنهاء النزاع والصحراء جزءا من التراب المغربي، بل إن في كثير من الأحيان كان موقف واشنطن معاكسا لموقف الرباط ومزعجا لها.

والعاهل المغربي في زيارته الأخيرة لواشنطن حمل معه رغبة في أن تقترب واشنطن أكثر من موقف الرباط من هذا النزاع الذي اقترب عمره من الثلاثة عقود. والرغبة زمنيا جاءت بعد استقالة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر من مهمته كمبعوث للامين العام للأمم المتحدة لتسوية النزاع وكان بيكر، المقرب من الرئيس جورج بوش الأب والابن وأحد أركان الحملة الانتخابية للرئيس بوش الابن، طوال السنوات السبع التي تولى فيها الملف الصحراوي مزعجا للمغرب.

الرباط، بعد سلسلة التعاون مع واشنطن في ميدان الإرهاب واتفاق التبادل الحر ومنحها صفة الحليف الاستراتيجي، تعتقد أنه قد وصلت لواشنطن، من خلال تصريحات سكوت ماكليلان بعد المباحثات، رؤيتها بأن أي خروج عن تسوية تضمن اندماج الصحراء الغربية بالمغرب سيؤدي إلى زعزعة استقرار ليس في المغرب وحسب بل وفي منطقة المغرب العربي كلها، في وقت تريد فيه واشنطن للمنطقة استقرارا يساهم في بسط رؤيتها لمنطقة الشرق الأوسط بعد التطورات الكارثية للاحتلال الأمريكي للعراق وانعكاسه سلبا على رؤيتها هذه.

وإذا كانت استقالته جاءت ليتفرغ لحملة الرئيس جورج بوش لولاية ثانية في البيت الأبيض، فإن الرباط التي عبرت عن ارتياحها لهذه الاستقالة، اعتبرتها نتاج صمود الدبلوماسية المغربية.

تباين الرؤى بشأن العراق

وفي إطار التعاون الأمريكي المغربي كانت الإدارة الأمريكية تريد مساهمة مغربية مباشرة في الملف العراقي والجنرال جون أبو زيد طلب علنا من المغرب إضافة لطلبه من تونس وباكستان أن ترسل قوات عسكرية للعراق.

وتتباين الرؤية المغربية في هذا الملف عن الرؤية الأمريكية، لكن وحتى لا يحدث شرخا وابتعادا عن الإحراج الذي يمكن أن يجد المغرب نفسه فيه إذا ما ألحت واشنطن علنا وربطت ملفات التعاون ببعضها البعض، أعلن الملك محمد السادس في خطوة استباقية وقبل الذهاب لواشنطن بيومين في برقية بعثها لرئيس الوزراء العراقي المؤقت إياد علاوي عن استعداد المغرب لتدريب قوات الأمن والشرطة والجيش العراقي.

وفي واشنطن وبعد لقاء البيت الأبيض، أكد وزير الشؤون الخارجية المغربي الطيب الفاسي الفهري رفض بلاده إرسال قوات مغربية للعراق وجدد استعدادها للمساهمة في تدريب قوات عراقية.

قضايا أخرى كانت على جدول مباحثات جورج بوش – محمد السادس لكنها لم تأخذ حيزا كبيرا، رغم أن العاهل المغربي يرأس لجنة القدس الإسلامية، مثل قضية السلام في الشرق الأوسط على ضوء ما تعرفه القضية الفلسطينية من تطورت وما يخطط له رئيس وزراء الدولة العبرية أرييل شارون من انسحاب أحادى من قطاع غزة وأيضا ما وصلت إليه العلاقات الأمريكية الليبية التي لعبت الرباط دورا في تحسينها وبالتأكيد المشروع الأمريكي للشرق الأوسط.

بالمقاييس المغربية، فإن زيارة الملك محمد السادس لواشنطن ناجحة لما سمعه المسؤولون المغاربة من تصريحات إيجابية أمريكية عن التحولات التي يعرفها المغرب في الميدان الاقتصادي والاجتماعي خاصة في موضوع المرأة بعد المصادقة على قانون الأسرة، وأيضا لما ستفرزه الزيارة خلال الشهور القادمة من نتائج على العلاقات بين البلدين أو على القضايا التي تشغل البال المغربي.

محمود معروف – الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة