Navigation

سامحونا!

آعتذار الناشر ميكائيل رينجيير للقراء وللسفير بورير ولزوجته كما ظهر في الصفحة الأولى من صحيفة "سونتاغس بليك" الصادرة يوم الأحد Keystone

تشهد سويسرا هذه الأيام صيفا مثيرا للدهشة .. حيث مثل إقدام صاحب أكبر دار نشر ورئيس تحرير أوسع الصحف اليومية انتشارا في البلاد على طلب الصّفح من سفير سابق ومن جمهور القراء سابقة نادرة ..

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 يوليو 2002 - 18:02 يوليو,

يشعر المتابع لعناوين الصفحات الأولى والنشرات الإخبارية المسموعة والمرئية في سويسرا هذه الأيام أن موسما لطلب العفو والصفح قد حان أوانه .. لكن لا بد من عودة بسيطة إلى خلفية ما يحدث.

في الحادي والثلاثين من شهر مارس الماضي، نشرت صحيفة سونتاغس بليك الأسبوعية تصريحات موثقة بالصور لجميلة رويي وهي سيدة ألمانية زعمت أنها كانت تزور توماس بورير السفير السويسري السابق في ألمانيا في مقر السفارة ببرلين في غياب زوجته.

نشر هذه "المعلومات" في أوسع صحف يوم الأحد شعبية أدى، في بلد ديموقراطي تلعب فيه المؤسسات الإعلامية الخاصة دورا كبيرا في تشكيل الرأي العام، إلى حدوث صدمة هائلة. وتحول الحديث عن تفاصيل الحياة الشخصية للسفير المثير للجدل إلى مادة دسمة للعديد من الصحف، كما أدى إلى قيام الحكومة الفدرالية في العاشر من أبريل باستدعاء السيد بورير إلى برن الذي رفض الإستجابة وأعلن في الثامن والعشرين من نفس الشهر عن التحاقه بالقطاع الخاص وآختار الإقامة في ألمانيا.

وعلى الرغم من أن بعض الأصوات ارتفعت داخل الساحتين السياسية والإعلامية داعية إلى ملازمة الحذر الشديد وإلى التأكد من صحة المعلومات المنشورة ومحذّرة من مغبة الإنخراط في لعبة نشر الفضائح إلا أن النداءات ضاعت في خضم الهستيريا التي تملكت الجميع.

ثم تراجعت جميلة..

في السابع من شهر يوليو الجاري، أدلت جميلة رويي بتصريحات جديدة فندت فيها كل "المعلومات" السابقة وكشفت عن حصولها على مبلغ مالي مقابل إدلائها بالتصريحات التي نسبت إليها والتي أدت إلى إقالة السفير السويسري في برلين ووضع حد لمسيرته الديبلوماسية.

عندها كرّت حبات المسبحة وتوالت الإعترافات الواحدة تلو الأخرى بسرعة مذهلة. حيث اكتشف الرأي العام السويسري بذهول أن مراسلة صحيفة سونتاغس بليك في برلين قدمت مبلغ عشرة آلاف يورو للسيدة التي زعمت أنها على علاقة "خاصة" بالسيد بورير وأن الصور التي نشرت لجميلة رويي قد تم الحصول عليها بأساليب ملتوية من وكالة صور ألمانية.

ومثلما كان متوقعا، هدد السفير السابق في العاشر من شهر يوليو بملاحقة دار نشر رينجيير (التي تصدر عنها صحف بليك وسونتاغس بليك وعشرات اليوميات والأسبوعيات والمجلات الناطقة بالألمانية في سويسرا) أمام القضاء في ولاية التكساس للمطالبة بالتعويض عن الأضرار المعنوية والمادية التي لحقت بزوجته الأمريكية الجنسية.

في المقابل اندلع جدل واسع في سويسرا حول أخلاقيات المهنة الصحفية وتعرضت الصحافة الشعبية (de boulevard) إلى سيل من الإنتقادات بسبب الأساليب الرخيصة التي صارت تلجأ إليها لاجتذاب القراء في ظل التنافس المحموم القائم بين الصحف. كما تزامن الجدل مع هجوم حاد على الأسلوب الذي تعاملت به وزارة الخارجية مع القضية استغلته بعض الأطراف السياسية للمطالبة باستقالة وزير الخارجية جوزيف دايس.

آعتذار متأخر وهجوم مضاد

قد تبدو هذه التطورات عادية في بلد مثل بريطانيا أو إيطاليا حيث عادة ما ينظر إلى تجاوزات الصحافة الشعبية على أنها من "ملح الطعام" الذي لا يمكن العيش بدونه، لكن ما حدث في الآونة الأخيرة يعتبر استثناء خطيرا لما درجت عليه الحياة السياسية والإعلامية في سويسرا منذ عشرات السنين ومن هنا جاءت الخطوات "غير العادية" التي تلاحقت في الأيام القليلة الماضية.

فقد أعلن في الحادي عشر من هذا الشهر عن "استقالة" كل من ماتياس نولتيه رئيس تحرير صحيفة سونتاغس بليك التي نشرت تصريحات السيدة جميلة رويي وألكسندرا وورسباخ مراسلة الصحيفة في برلين، كما أقدم الناشر ميكائيل رينجيير إلى نشر رسالة اعتذار للقراء وللسفير بورير وزوجته غطت كامل الصفحة الثالثة من أسبوعية سونتاغس بليك يوم الأحد 14 يوليو وحملت عنوان "نرجو المعذرة"!

في هذه الرسالة اعترف رينجيير بالأخطاء المهنية والأخلاقية التي ارتكبت وأقر بأن الأساليب التي تم اللجوء إليها "تتعارض مع أخلاقيات العمل الصحفي" وأعلن عن التزامه بتعويض الضرر المالي الذي لحق بالسيد بورير وبزوجته بعد ان تم التوصل إلى اتفاق مرضي لجميع الأطراف بعد "مناقشات طويلة" حسبما جاء في الرسالة.

ويوم الإثنين انضم يورغ ليمان رئيس تحرير يومية "بليك" الشعبية الواسعة الإنتشار والصادرة عن نفس دار النشر إلى جوقة ال"التائبين" واعترف بارتكابه لأخطاء في معالجة قضية العلاقة خارج إطار الزوجية المزعومة للسفير توماس بورير لكنه رفض، في حديث أدلى به إلى مجلة دير شبيغل الألمانية، الإعتذار عن اتهام وجهه للسفير السابق في برلين بأنه "كاذب"!!

 رؤوس أخرى قد تتساقط

الصحف السويسرية خصصت مساحات واسعة لنقل تفاصيل الرسالة والتعليق عليها. وعلى الرغم من ترحيبها بالخطوة "المتأخرة جدا" حسب رأي العديد منها إلا أنها اغتنمت الفرصة لتصفية الحساب مع مؤسسة رينجيير القوية والمنافسة.

فعلى سبيل المثال اعتبرت صحيفة لوتون الصادرة في جنيف أن قضية بورير تحولت إلى أزمة مؤسسة رينجيير واتفقت معظم الصحف الروماندية (الصادرة عن دار آيديبرس Edipresse للنشر المنافسة) أن عددا من الرؤوس الأخرى أهمها فرانك أ.مايير رئيس التحرير في مؤسسة رينجيير مهددة بالسقوط.

وفيما طالبت صحيفة لوماتان الصادرة في لوزان بالكشف عن الدور الذي لعبه الرجل الذي عادة ما يوصف بـ "العقل المدبر" لمجموعة رينجيير، ذكّرت صحيفتا "لا تربيون دي جنيف" و "24 ساعة" بهيامه الشديد بالصحافيين الألمان وبأنه هو الذي كان وراء انتداب رئيس تحرير صحيفة السونتاغس بليك ومراسلتها في برلين (الألمانيين) اللذين استقالا مؤخرا.

بل ذهب مدير سابق للمجموعة إلى التأكيد، في تصريحات أدلى بها إلى صحيفة "نويه تسورخر تسايتونغ آم سونتاغ" بأنه "ما كان بإمكان رئيسي تحرير صحيفتي بليك وسونتاغس بليك نشر المقالات المثيرة للجدل دون الحصول على ترخيص السيد مايير شخصيا" حسب قوله.

في المقابل، نبهت صحيفة لا ليبرتيه الصادرة في فريبورغ إلى أن الإعتذار الصادر عن السيد رينجيير ليس مجرد تعبير عن تمسك ناشر صحفي بأخلاقيات المهنة بل رأت فيه تحركا استعجاليا يرمي إلى محاولة استعادة منشورات مؤسسته لمصداقية بدت مهددة بشكل خطير من طرف الصحف المنافسة وخاصة في منطقة زيوريخ الكبرى ذات الثقل المالي والسياسي والسكاني.

ومع الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بالتراضي بين الناشر وبين السفير السابق (بدون ذكر حجم المبلغ الذي تم الإتفاق عليه)، لا يبدو أن تداعيات هذه القضية ستنتهي. حيث وجه في نفس الوقت سيل من الإنتقادات إلى وزير الخارجية جوزيف دايس بسبب "الخفة" التي طبعت أسلوب معالجة وزارته للقضية.. لكن هذه قصة أخرى!

كمال الضيف – سويس إنفو

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.