تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

سويسرا والاتحاد من أجل المتوسط: غيابٌ أم تغييـب؟

من اليمين، الرئيسان الفرنسي نيكولا ساركوزي والمصري حسني مبارك اثناء الندوة الصحفية التي عقدت بعد انتهاء القمة التأسيسية للإتحاد من أجل المتوسط في باريس عشية 13 يوليو 2008

(Keystone)

في الوقت الذي شاركت فيه دول لا علاقة لها بالمتوسط في مشروع الرئيس الفرنسي "الاتحاد من أجل المتوسط"، لوحظ غياب سويسرا رغم أنها كانت من الأوائل في تشجيع مسار برشلونة.

وفي حوار مع سويس إنفو، يحلل حسني لعبيدي، مدير مركز الدراسات والبحوث حول العالم العربي ودول المتوسط التابع لجامعة جنيف، بنظرة منتقدة الدوافع المختلفة لقيام هذا الاتحاد، كما يسلط الضوء على أسباب غياب سويسرا عنه.

في قمة دعا إليها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بمشاركة زعماء وممثلي 43 دولة، تم في باريس يوم الأحد 13 يوليو الجاري وضع اللـّبنة الأولى لـ "الاتحاد من أجل المتوسط"، الذي يشمل حوالي 800 مليون نسمة يتوزعون على ضفتي حوض البحر الأبيض المتوسط.

لتحليل الأسس التي يقوم عليها هذا الاتحاد، ومدى قدرته على تفادي الأسباب التي أدت إلى إخفاق المحاولات السابقة من مسار برشلونة إلى سياسة الجوار الأوروبي مرورا بالشراكة الأورو - متوسطية، توجهنا بالسؤال إلى متابع لهذه التطورات عن كثب، الدكتور حسني لعبيدي، مدير مركز الدراسات والبحوث حول العالم العربي ودول المتوسط الذي يتخذ من جنيف مقرا له.

سويس إنفو: بوصفكم من المتابعين للمسارات التي تم إطلاقها بالنسبة للشراكة الأورو- متوسطية، هل ترون أن الأسس التي يقوم عليها هذا الاتحاد اليوم هي أسس قادرة على تحقيق تطلعات شعوب المنطقة؟

حسني لعبيدي: لا أعتقد بأن الدول المُـطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط، خاصة الجنوبية منها، مُستعدة للدخول في تحالف جديد أو اتحاد بين الشمال والجنوب باعتبار أن مقومات هذا النجاح مازالت غائبة. لكن أعتقد بأن المهم والجديد في مبادرة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، والتي تحوّلـت فيها بعد إلى مبادرة أوروبية بعد تبني الاتحاد الأوروبي لها، هي ركوب قطار تم إطلاقه أساسا في عام 1995، وهو ما عُرف بالشراكة الأورو - متوسطية ومسار برشلونة.

وما هو معروض اليوم مخالف تماما لما كان معروضا آنذاك بحيث يأخذ بالقاعدة الذهبية التي مفادها "لنعمل فيما اتفقنا فيه ولنترك ما اختلفنا حوله". وما يتم اليوم ما هو إلا محاولة لإعطاء نفس جديد لمسار برشلونة الذي أنهكته الأسباب السياسية التي تعرفونها.

سويس انفو: لكن هل تم تفادي أسباب فشل مسار برشلونة اليوم، وهل يكفي تجنُب الخوض في أوجه الخلافات لتفادي الخلافات؟

حسني لعبيدي: هذا هو بيت القصيد. فالاتحاد الأوروبي وصل إلى قناعة أنه غير قادر على إيجاد حل للمشكلة الأساسية التي تسببت في تعثر مسار برشلونة، ألا وهي الصراع العربي الإسرائيلي أو لنقول إرجاع الحقوق للفلسطينيين. في نفس الوقت، نجد أن بلدان الجنوب لم تكن متحمسة لقبول الرزم الثلاث التي احتوى عليها مسار برشلونة، خاصة الجانب السياسي باعتبار أنه يشترط من أجل التوقيع على اتفاقيات شراكة، توفُر عدد من الشروط كاحترام حقوق الإنسان والديمقراطية والشفافية والتوزيع العادل للثروات. وهذا ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى التخلي عن الشق السياسي المرفوض جنوبا. ومن جانبها، تخلت بلدان الجنوب عن شرط حل الصراع العربي الإسرائيلي مثلما جاء في بيان باريس.

سويس انفو: إذا لم تكن شروط قيام اتحاد متوسطي مكتملة، فهل هنالك على الأقل نظرة موحدة لما يجب أن يكون عليه اتحاد متوسطي، أم أن كل دولة أتت لاجتماع باريس ولها أجندة خاصة بها؟

حسني لعبيدي: لقد علمنا التاريخ بأن أي اتحاد يجب أن يقوم على أساس أن العلاقات بين أعضائه صحية، وثانيا أن يكون الاتحاد قائما بين دول لها قيم مشتركة سواء ثقافية أو سياسية. وهذا ما هو غير متوفر.

أما فيما يتعلق بالشق الثاني حول مدى نجاعة ما هو مقترح اليوم، يمكن القول بأن الأمر لا يتوقف على دينامية ورغبة الرئيس ساركوزي الذي دعا إلى هذا الاتحاد، بقدر ما يتعلق بموقف الاتحاد الأوروبي من مواضيع مثل انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، أو قضية التمويل. فألمانيا قالت بأنها سوف لن تقدم ولو فلسا واحدا. والعنصر الثالث هو مدى استعداد المستثمرين الأوروبيين للاستثمار في المنطقة.

وجدير بالذكر أن كل يورو يُستثمر في المنطقة الجنوبية لحوض البحر البيض المتوسط، يقابله ثلاثون يورو في بلدان أوروبا الشرقية، وأن بولندا وحدها تكتسح حوالي 60% من مشاريع الاستثمار الخارجي الأوروبية.

سويس انفو: تفضلتم بقول أن أي اتحاد يجب أن يقوم على أساس علاقات صحية بين أعضائه، كيف تنظرون إلى وضع الدول العربية المنخرطة في مغامرة الاتحاد من أجل المتوسط وعلاقاتها تتميز بالجفاء أكثر من أي وقت مضى؟

حسني لعبيدي: هذا أعتقد من بين أسباب الضعف العربي. فالعالم العربي دخل مغامرة برشلونة في عام 1995 وهو ممزق، ولكن كانت هناك بوادر إيجابية تتمثل في مؤتمر مدريد ثم ما تلاها من مسار أوسلو.

اليوم، يدخل العالم العربي مغامرة الاتحاد من أجل المتوسط وهو أكثر تمزيقا من قبل. والأخطر من ذلك هو أن الاتحاد الأوروبي، وخاصة ألمانيا وبريطانيا، اشترطت على الرئيس ساركوزي أن يشرك كل دول الاتحاد الأوروبي حتى تلك التي ليست مُطلة على البحر البيض المتوسط لأنها رأت أن الاقتصار على الدول المتوسطية يعتبر تجزئة للاتحاد الأوروبي. بينما نجد أن الدول العربية لم تتقدم أي منها باقتراح إشراك كل الدول العربية في الاتحاد المتوسطي. فالمملكة العربية السعودية ليست أقل متوسطية من الدنمرك أو أيرلندا؛ هذه نقطة أساسية ولكن الدول العربية ذهبت إلى باريس وكل منها، كما تفضلتم، لديه أجندته الخاصة وحساباته الخاصة.

سويس انفو: كانت سويسرا من الدول الداعمة لمسار برشلونة منذ قيامه في عام 1995، ولكننا نلاحظ غيابها هذه المرة عن الاتحاد من أجل المتوسط. هل هناك مبررات لهذا الغياب في نظركم؟

حسني لعبيدي: في الحقيقة، هناك علامة استفهام كبرى ليس فقط حول هذا الغياب السويسري بل أيضا حول الصمت السويسري باعتبار أن الدبلوماسية السويسرية عوّدتنا على الإدلاء بدلوها في مواضيع تهم الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط انطلاقا من أن سويسرا ليست لها أية عقد تاريخية لأنها لم تكن قوة استعمارية، ولأن لها علاقات جيدة مع كافة دول حوض البحر الأبيض المتوسط.

يُضاف إلى ذلك أن سويسرا ساعدت حركات التحرر، وأنها من الدول السباقة لدعم دور المجتمع المدني في مجالات التنمية، وكانت أيضا سباقة في الحفاظ على حوار مع كل الأطراف بما في ذلك في أزمة غزة. لكننا نلاحظ استقالة للدبلوماسية السويسرية منذ مؤتمر أنابوليس حينما لم توجه لها الدعوة للحضور. وأعتقد بأن الدبلوماسية السويسرية تبحث عن نفس جديد، كما اعتقد بأن غيابها عن قيام الاتحاد من أجل المتوسط سيكون له أثر كبير على مكانتها وصوتها في العالم، وسيؤثر لا محالة على بعض الملفات بحكم أنها تتميز ببعد إنساني كقيمة مضافة عند معالجة بعض الملفات مثل الهجرة أو الاقتصاد أو العلاقات الدولية.

سويس إنفو: هل هو غياب سويسري أو تغييب؟ وكيف يمكن فهم ذلك في وقت تقوم فيه بدور هام في وساطات متعددة في منطقة المتوسط، مثل التقارب الإسرائيلي السوري بمشاركة تركية، وبين الشركاء اللبنانيين أو بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟

حسني لعبيدي: صحيح أن سويسرا لها دور وساطة مهم بين السوريين والإسرائيليين، كما أنها قامت بدور هام في مبادرة جنيف التي تقدم حلاّ مُشرفا للفلسطينيين والإسرائيليين. صحيح أن هناك بعض التغييب، خاصة بعد عدم الرضا الأمريكي والإسرائيلي بسبب مواقف سويسرية، لكن هذا التغييب ليس السبب الكافي، بل هناك قصور نظر لدى بعض المسؤولين الدبلوماسيين السويسريين المتمسكين بمفهوم حياد أكل عليه الدهر، ويكتفون برد فعل في أغلب الأحيان في ميادين إنسانية في الوقت الذي دخلت فيه أطراف أخرى وبدأت تقطف ثمار المساعي الحميدة التي كانت سويسرا سباقة للقيام بها في وقت سابق.

سويس انفو: وهل المقومات التي كانت ترتكز عليها سويسرا لتبرير اندماجها في مسار برشلونة، رغم عدم انتمائها لحوض البحر البيض المتوسط، مازالت قائمة ويمكن الاستناد إليها في المطالبة بدور في قيام الاتحاد من أجل المتوسط؟

حسني لعبيدي: أكيد أن عدم عضوية سويسرا في الاتحاد الأوروبي يسبب لها بعض المشاكل المؤسساتية والإدارية، لكن سويسرا كانت موجودة في مسار برشلونة وساعدت وساهمت في العديد من المشاريع التعليمية والإنمائية. لكن سويسرا، رغم كونها أوروبية، لم تُسمع صوتها بما فيه الكفاية حتى تكون حاضرة في مؤتمر باريس، على عكس دول غير أوروبية ساهمت وأدلت برأيها.

أما عن كونها غير متوسطية، فألمانيا تُبرر اهتمامها بالمشروع على أساس أنها تأوي مليوني تركي من المنحدرين من منطقة حوض البحر البيض المتوسط، وهذا ينطبق أيضا على سويسرا التي تأوي مواطنين من كافة دول حوض البحر الأبيض المتوسط من تركيا وألبانيا وكوسوفو، من شمال إفريقيا ومصر. وهذا سبب كاف جدا لكي تكون سويسرا في مقدمة الشراكة بين ضفتي المتوسط.

محمد شريف - سويس انفو - جنيف

مركز الدراسات والبحوث حول العالم العربي ودول المتوسط (جنيف)

بحكم وجوده في جنيف، يخصص المركز مكانة متميزة للمواضيع التالية:

1- دراسة المؤسسات السويسرية من مختلف الجوانب السياسية والإقتصادية والإجتماعية ومتابعة تطورها السياسي على المستوى الداخلي وعلى مستوى علاقاتها مع العالم، وخصوصا مع الدول العربية وموقفها من قضايا الساعة التي تهم العالم العربي.

2- جنيف هي العاصمة الثانية للأمم المتحدة حيث تنظم في الشهر الواحد أكثر من 350 ندوة وتتناول قضايا دولية هامة من نزع التسلح إلى حقوق الملكية. كما تحتضن سنويا إجتماعات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والجمعية الدولية للهلال والصليب الأحمر الدولي والعديد من القمم الإستثنائية التي تحتاج لمواكبة مستمرة وتحضير مكثف لما لذلك من تأثير على النظام الإقليمي العربي والدولي.

3- المركز يقوم بمتابعة كل الملفات المتعلقة بالأمم المتحدة والتحضير لها، مع دراسة كل جوانبها وإعداد ملفات مفصلة عنها.

4- يهتم المركز بالدور المتنامي للمنظمات الغير حكومية وخاصة تلك العاملة في مجال حقوق الإنسان وحرية الصحافة والدفاع عن حقوق الأقليات والمرأة.

5- يتابع المركز عن قرب صورة الدول العربية لدى صناع القرار الرسميين منهم والغير حكوميين ويبحث في الأسباب.

6- لا يكتفي المركز بنقل المعلومات والبيانات فقط وإنما يقوم بتحليلها ومقارنتها للوصول إلى نتائج وسيناريوهات مستقبلية تساعد صانع القرار على الإحاطة بأي مسألة مطروحة عليه، ومساعدته في أن يكون قراره رشيدا ومتناسقا. يتم ذلك بطرح تصورات وخيارات بديلة أمام صانع القرار.

7- يعمل المركز على تكثيف علاقاته مع القادة السياسيين، صانعي القرار، الهيئات التشريعية، التنظيمات السياسية، الأحزاب السياسية، الجهاز الحكومي، الدوائر العلمية والسياسية الدولية، الباحثين والمحللين السياسيين، الصحافة ووسائل الإعلام من أجل الوصول إلى شبكة هامة تتعاون مع المركز.

8- يطالع ويوثق السيرمام يوميا جميع الصحف الأوروبية، ويجري جردا لأهم موضوعاتها وتحليل لإفتتاحيتها خاصة المتعلقة منها بالدول العربية.

9- يولي السيرمام أهمية بالغة لحجم التأثير الذي تمارسه وسائل الإعلام السمعية البصرية على الرأي العام الأوروبي، لذا تم تدعيم المركز بباحث مهمته متابعة وتحليل البرامج الإخبارية والحوارية المعروضة على أهم القنوات والإذاعات الأوروبية.

10- القيام بجرد كامل للدراسات والتقارير المنشورة في الدوريات العلمية الكبرى المتخصصة في القضايا التي تهم السيرمام.

(المصدر: الموقع الإلكتروني لمركز الدراسات والبحوث حول العالم العربي ودول المتوسط "السيرمام")

نهاية الإطار التوضيحي
(swissinfo.ch)


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×