تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

سويسري يـُقـرّ بتقديم مساعدة سرية لـوكالة الإستخبارات الأمريكية في ملف نووي

أورس تينر خلال ظهوره في شريط وثائقي بثته قناتان تلفزيونيتان سويسريتان يوم الخميس 22 يناير 2009

قال السويسري أورس تينـّر، الذي اشتـُبه بنشر أسرار نووية، إنه قد سرّب للجواسيس الأمريـكيين معلومات قادت إلى سقوط برنامج أسلحة نووية (يُنسب لليبيا). وأوضح تينـّر، في أول حديث علني له منذ خروجه من السجن، إنه أبلغ وكالة الإستخبارات الأمريكية "سي آي إي" في عام 2003 أن بلدا (لم يَكشـِف عن اسمه) كان على وشك الحصول على المعدات اللازمة لصنع قنبلة ذرية.

وكان عُمـلاء لـ "سي آي إي" في ترسانة بإيطاليا قد احتجزوا بعد ذلك البلاغ بفترة قصيرة 5 خمسة صناديق تحتوي على آلات نابذة على متن باخرة "بي بي سي تشاينا" التي كانت متوجهة إلى الجماهيرية الليبية، ثـم أجبر الشـّجار الذي أثارته هذه المسألة السلطات في طرابلس على الاعتراف بتوفرها على برنامـج نووي سري وضعت حدّا له في تلك الفترة.

ورغـم عدم تعليق وكالة الإستخبارات الأمريكية "سي آي إي" على القضية، بثت قناتا التلفزيون السويسريتان العموميتان (SF1 الناطقة بالألمانية) و(TSR1 الناطقة بالفرنسية) مساء الخميس 22 يناير 2009 شريطا وثائقيا من إنتـاج مشترك سلـّط أضواء جديدة على الكيفية التي زعم بها تينّـر بـدقة تورطه في القضية. (شاهد الشريط في مادة الفيديو المرافقة يسار الصفحة).

وتزامن الشريط مع صدور تقرير لمفوضية لجان التصرف في البرلمان السويسري (وهي هيئة رقابية) انتقد الحكومة السويسرية على سوء تعاملها مع هذا الملف وتدميرها للأدلة فيما يوصف بـ "قضية تيـنّر"، بما في ذلك تصاميم مفصلة لرؤوس حربية نووية.

وفي خطوة نادرة، عرض الأعضاء الستة في مفوضية لجان التصرف أمام وسائل الإعلام، وفي مخالفة استثنائية لرأي الحكومة، مضمون تقريرهم حول قضية تينـر.

وكانت السـلطات السويسرية قد ألقت القبض على أورس تينـّر، وشقيقه ماركو ووالده فريدريش، ابتداء من عام 2004 بتهمة تهريب أسرار نووية. وأفرج عن الأب فريدريش في عام 2006، ثم عن أورس في شهر ديسمبر 2008. ولـم تـُوجـه تهم لأي أحد منهم.

وبعد خمس سنوات من ظهور الإدعاءات، وافقت المحكمة الفدرالية، وهي أعلى سلطة قضائية في سويسرا، يوم الخميس 22 يناير الجاري على رفع السجن التحفظي عن الشقيق ماركو بكفالة مالية تبلغ قيمتها 100000 فرنـك، ليـُفرج عنه يوم الجمعة 23 يناير بعد قضائه ثلاث سنوات في الحبس الاحتياطي.

جواسيس في سويسرا

وقد وضعت "قضية تينـّر" سويسرا في قلب ملحمة غامضة وسرية تشبه الأفلام البوليسية يكثر الحديث فيها عن "جواسيس"، و"أكبر شبكة في العالم لتهريب المعدات النووية"، وحكومة تحاول معرفة ما حدث بالضبط.

ووفقا للشريط الوثائقي الذي يحمل عنوان "جاسوس وادي نهر الراين" (في النسخة الألمانية) و"جواسيس من هلفيتسيا" (في النسخة الفرنسية)، كانت تربط أسرة تينـّر علاقة صداقة مع عبد القدير خان، الذي يوصف بـمؤسس البرنامج النووي الباكستاني ويُزعم أنه كان رئيس شبكة سوق سوداء زوّدت إيران وليبيا بأجزاء من الأسلحة.

خان، الذي قال إن عائلة تينـر "أسرة سويسرية نزيهة" - في التصريحات الهاتفية التي أدلى بها لمعدي الشريط الوثائـقي من مقر إقامته الجبرية في باكستان - كان قد زار منزلهم في كانتون سانت غالن شرق سويسرا.

ويذكر أن تـينـّر الأب وإبناه مهندسون في مجال التعامل مع أجهزة الطرد المركزي (الآلات النابذة). وكانت السلطات السويسرية قد اشتبهت مساهمتهم في شبكة "أب القنبلة النووية الباكستانية" خان، لكن هذا الأخير نفى هذه المزاعم في الشريط الوثائقي.

وقد تعطـّل نظام خان في عام 2003 بعد احتجاز الآلات النابذة التي كانت مُتجهة إلى ليبيا. وورد في التقرير الصادر عن مفوضية لجان التصرف في البرلمان السويسري يوم الخميس 22 يناير أن ستة من عملاء وكالة الاستخبارات الأمريكية تقرّبوا من ماركو تينـّر يوم 21 يونيو 2003 بموجب أمر تفتيش حسب أقوالهم.

ولم يتضح ما الذي عثروا عليه - هذا إن كانوا قد عثروا على شيء بالفعل - لكن ربما يكون العملاء قد عثروا على بيانات يحتمل أن تكون حساسة. وجاء في التقـرير بهذا الشأن: "في ذلك الوقت، حصل العملاء على تعاون ماركو تيـنّر مع السلطات الأمريكية".

عمليات تخريـب

وقال أورس تـينـّر في نفس الشريط الوثائقي إنه خرّب معدات - كان يعلم أنها في الطريق إلى برامج سرية لتخصيب اليورانيوم - كي تتعطل لدى أول استخدام لها. لكنه لم يكشف عن اسم البلد الذي طلب تلك الأجزاء.

وقد أُلقي القبض على أورس تينـّر عام 2004 في ألمانيا قبل تسـليمه لسويسرا في عام 2005. ولم تُعرض قضية التهريب النووي هذه أمام المحكمة، بينما تكهـّنت وسائل الإعلام لفترة طويلة بأن أسرة تينـّر كانت تقوم بالتجسس لحـساب "سي آي إي" – وهي جريمة يـُعاقب عليها في سويسرا – وذهب بعضها إلى أن واشنطن مارست ضغوطا على برن لتدمير الأدلة الخاصة بهذه القضية.

غير أن وزير العدل والشرطة السويسري السابق، كريستوف بلوخر، صرح لـمعدي الشريط الوثائقي أنه سافر إلى واشنطن في عام 2007، أي بعد ثلاثة أعوام من إلقاء القبض على الأب تيـنر وابنيه، لـمناقشة المسألة مع الأمريـكيين. وأوضح في هذا الصدد أن المسؤولين الأمريكيين أرادوا الحصول على الآلاف من أوراق القضية، لكنه رفض تسليمها لهم. ثم قررت الحكومة السويسرية في وقت لاحق تدمير الوثائق بعد أن علـِم أعضاؤها أنهم يمسكون بمخططات لتصنيع رؤوس حربية نووية.

وابـل من الانتـقادات

وفي تقريرها الصادر يوم الخميس 22 يناير الجاري، انتقدت مفوضية لجان التصرف في البرلمان السويسري بشدة قرار الحكومة الفدرالية إتلاف الوثائق، قائلة إنها قد بالغت بما أنه لم يكن هنالك تهديد مباشر لأمن سويسرا، ومنوهة إلى أن أيّ إمكانية لتحديد المُذنبين أو الأبرياء في هذه القضية قد تبخرت بتدمـير الأدلة.

وانتقد التقرير بشكل خاص الوزير السابق بلوخر لعدم إبلاغ الحكومة الفدرالية بسرعة كافية بخطورة المعلومات التي كان يتضمنها الملف. وكان حزب الشعب السويسري (يمين متشدد)، الذي ينتمي إليه بلوخر، الطرف الوحـيد الذي دافع عن خطوة تدمير الوثائق المثيرة للجدل.

لكن الأحزاب الرئيسية الأخرى في البلاد كانت أقل تسامحا، بحيث رحب الحزب الاشتراكي بنشر التقرير الذي أظهر بأن تدمير الوثائق "لم يكن لا متناسبا ولا معقولا".

وفي سياق مماثل، أشار كل من الحزب الديمقراطي المسيحي (وسط يمين) والحزب الراديكالي (يمين) إلى عيوب مماثلة، إذ قال الأول: "في سويسرا، ما كان ليكون ممكنا تدمير هذه الوثائق في على أساس أنه لم يكن ممكنا إبقاؤها سرية وآمنة"، بينما قال الحزب الراديكالي: "علينا أن نتأكد من أن الفصل بين السلطات قد احتـُرم بشكل تام"، مشيرا إلى أن تدابير جديدة ربما تكون ضرورية للتحقق من صلاحيات الحكومة، ومضيفا: "نحن نواجه خطر حدوث هذا الأمر من جديد في مشاكل أخرى".

ولم يرد أعضاء الحكومة الفدرالية على ما جاء في التقرير، مكتفين بالإشارة إلى أن عليهم أولا "قراءته بالكامل".

ويسمح الدستور السويسري في بعض مواده للحكومة الفدرالية الحق في اتخاذ قرارات ضرورية عندما تفرض مصلحة البلد ذلك وفي سياق مراعاة "الأمن الخارجي" لسويسرا. ويبدو أن هذه الإجراءات تشكل القاعدة القانونية التي استندت إليها الحكومة في قرارها بإتلاف الملفات الجنائية في التحقيق الذي تورط فيه السويسريون الثلاثة.

ويذكر أن روت ميتسلر، وزيرة العدل والشرطة السويسرية في عام 1999، كانت قد أثارت موضوع الحفاظ على المصالح الوطنية من أجل تبرير قرار طرد موريس بابون، الموظف السامي السابق في حكومة فيشي الفاشية الفرنسية المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بعد أن لجأ إلى سويسرا بصورة سرية.

ولو لم تتصرف السيدة ميتسلر بتلك الطريقة لتطلب الأمر إجراءات قانونية مطولة من أجل إعادته إلى فرنسا، لذلك يمكن القول بأن قرارها ساعد على تجنيب حدوث تدهور في العلاقات الفرنسية السويسرية حينها.

هجوم إعلامي كاسح على أداء الحكومة

أما الصحف السويسرية الصادرة يوم الجمعة 23 يناير، فقد اعتمدت في معظمها لهجة قاسية حيال الحكومة الفدرالية.

فبالنسبة لصحيفة "لوتون"، يعتبر تقرير مفوضية لجان التصرف في البرلمان السويسري "كارثيا" بالنسبة للحكومة، كما أنه يسلط الضوء على "عجز" مجلس الوزراء على إدارة مناسبة لـ"مسألة دقيقة وبعيدة المدى" يشارك فيها عدد من الوزارات و"ترتبط بالسياسة الخارجية وسياسة الأمن". واختتمت هذه اليومية التي تصدر بالفرنسية في جنيف تحليلها بالتأكيد على أن "هذا الاستنتاج ليس جديدا للأسف".

أما صحيفة "تاغس أنتسايغر" التي تصدر بالألمانية في زيورخ، فذهبت إلى أبعد من ذلك، إذ ترى بأن الحكومة الفدرالية قد تصرفت مثل عنصر "مُخـرّب"، وأنها "احتقرت استقلالية القضاء" بتدميرها للوثائق و"استهترت (بأجهزة) مراقبة البرلمان".

من جهتها، كانت "بازلر تسايتونغ" أشد قسوة بحيث قارنت هذه الصحيفة (الصادرة بالألمانية في مدينة بازل) سلوك الحكومة الفدرالية بحكومة "جمهوريات الموز"، مضيفة أن برن وافقت على "استخدامها" من قبل واشنطن و"احتقرت سيادة البلاد" و"شوهت صورة وسويسرا، دولة القانون" بـعملية "تخريب متعمدة".

أما صحيفة "بوند" (تصدر بالألمانية في العاصمة برن)، فقد وجهت أصبع الاتهام إلى وزير العدل والشرطة السابق كريستوف بلوخر الذي يسارع دائما إلى "التغني بنشيد السيادة السويسرية"، لكن ثبت أن ذلك "مجرد وهم"، في قضية تينـر.

ونوهت صحيفة "نويه تسورخر تسايتونغ" الرصينة إلى أن "وزير العدل السابق لم يكن الوحيد الذي فشل في أداء واجبه، بل إن الحكومة بأكملها لم تأخذ واجبها على محمل الجد وخاطرت عن عمد بتقويض الثقة".

وعن رفض سويسرا للعرض الأمريكي للإحتفاظ بالوثائق، وصفت هذه الصحيفة (الصادرة بالألمانية في زيورخ) تصرف الحكومة بـ "عناد هلفيسي (أي سويسري)"، مشيرة إلى أن لا أجهزة المخابرات الأمريكية ولا الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيتمكنان من التحقيق في قضية لم يعد لملفاتها وجود.

من جانبها، اهتمت صحيفة "لا ليبرتي" بالمسألة من زاوية الضغوط الأمريكية حيث تعتقد أن "الولايات المتحدة تريد بأي ثمن تجنب استعراض هذه الكمية الضخمة من الوثائق" التي قد تؤكد "نفاقها الكامل في سياسة عدم انتشار" الأسلحة النووية؛ وهي سياسة تقوم، حسب هذه الصحيفة الصادرة بالفرنسية في فريبورغ، على "غض الطرف عن الأنشطة المُـذنبة لحليفتها باكستان، من أجل التقليل أكثر من شأن إيران"، على حد تعبيرها.

سويس انفو مع الوكالات

اعتقال تحفظي

في عام 2004، سلمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قائمة للسطات السويسرية تتضمن شركتين و15 فردا متهمين بالتورط في معاملات مع إيران وليبيا في المجال النووي.

اتهم الشقيقان المهندسان السويسريان أورس تينّر وماركو تينّر بالمشاركة في تهريب تكنولوجيا نووية سرية إلى ليبيا. وخضعا للإعتقال التحفظي منذ عدة سنوات.

أُعتقل أورس تينّر في أكتوبر 2004، في ألمانيا. ثم سُلّم لاحقا إلى السلطات السويسرية عام 2005. أما شقيقه فقد أُعتقل في سبتمبر 2005. وكذلك خضع أبوهما، المتهم بدوره في نفس القضية، إلى الاعتقال التحفظي، ثم أطلق سراحه في مستهل سنة 2006.

ويُرجّح أن يكون أفراد هذه العائلة قد عملوا لصالح عبد القدير خان، الأب المفترض للقنبلة النووية الباكستانية، ما بين سنتيْ 2001 و2003.

وظهرت القضية إلى العلن سنة 2004، عندما اعترف عبد القدير خان بتهريب أسرار التكنولوجيا النووية إلى كل من إيران وكوريا الشمالية وليبيا.

نهاية الإطار التوضيحي
(swissinfo.ch)


وصلات

×