سياسة الوئام الوطني ورصاصة الرحمة؟

قد تنعكس تداعيات الضربة الأرهابية ضد الولايات المتحدة بصورة سلبية على سياسة الوئام الوطني الجزائرية Keystone

وُضعت جماعتان مسلحتان من الجزائر، في قائمة المجموعات والتنظيمات الإرهابية، المطاردة من قبل واشنطن، ما أدى إلى اضطراب النظرة إلى سياسة الوئام المدني، التي يريد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة انتهاجها.

هذا المحتوى تم نشره يوم 26 سبتمبر 2001 - 18:00 يوليو,

ففي الوقت الذي يريد بوتفليقة التفاوض مع جميع المسلحين الجزائريين،أصبح معظمهم من المنظمات الملاحقة دوليا، كان بوتفليقة يُعارض المجتمع الدولي، عندما يريد عودة السلم إلى بلاده.

وصلت الرئاسة الجزائرية إلى هذه الوضعية الشاذة، بعد أن أصرت مصالح الأمن الجزائرية، على اتهام حسن حطاب، أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال، بأنه على علاقة وطيدة مع المنشق السعودي أُسامة بن لادن، وعلمت سويس إنفو، أن ضباطا رفيعي المستوى من المخابرات الجزائرية توجهوا على جناح السرعة إلى واشنطن، بعد حوادث التفجير لإبلاغ نظرائهم الأمريكيين، بعزمهم تقديم المُساعدة في مُكافحة الإرهاب، و لإعطاء واشنطن قائمة تضم أسماء حوالي مائتين من الجزائريين الذين قاتلوا في أفغانستان.

مثل هذا التوجه لم يكن، ليُعارضه الرئيس الجزائري، إلا أنه تم في ظروف و بطريقة
لا تخدم سياسة الوئام المدني، التي وعد بوتفليقة بإنجاحها منذ حملته الانتخابية، قبل حوالي عامين، واستمرت طيلة حكمه للبلاد.

مطرقة المصالحة الوطنية

في ولاية جيجل، 500 كلم شرق العاصمة، و قبل ساعات قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عن ضم جماعتين مسلحتين جزائريتين إلى قائمة المغضوب عليهم في أمريكا، صرح الرئيس الجزائري بأنه لو مد الإسلاميون الجزائريون يدا، لمد إليهم ذراعا، وندد بوتفليقة بكل الذين يريدون تحطيم سياسة االوئام المدني، التي تقضي بإنزال كل المسلحين من الجبال، و أضاف بوتفليقة أن وراء الرغبة في استمرار العنف، حسابات أصحاب المصالح التي لا تخدم البلاد.

وبعد إعلان بوش على وجوب محاربة الجماعة الإسلامية المسلحة، والجماعة السلفية للدعوة والقتال، تبين أن أمورا كثيرة قد تغيرت، بقدرة قادر، و من أهمها استبعاد متابعة كبار قادة الجيش الجزائري أمام المحاكم الدولية بتهمة ارتكاب مجازر ضد الإنسانية، و من بينها ذبح واختطاف المدنيين وافتعال أزمة، قتل فيها أكثر من 100 ألف جزائري.

أما سبب هذا الاستبعاد، فهو دخول المجتمع الدولي في منطق استئصال وقواعد الإرهاب
من الأساس، بعد تفجيرات واشنطن ونيويورك، تماما كما دعا إلى ذلك جيش الجزائر، طيلة السنوات العشر الأخيرة. ومع أن الرئيس الجزائري لا يريد أن يرى كبار قادة جيشه في محكمة العدل الدولية، إلا أن وقوف الولايات المتحدة الأمريكية مع أفكار قادة الجيش يجعل من الصعب تصور أي لين من قبل الجماعات المسلحة، بما أن إحداها على الأقل، وهي الجماعة السلفية للدعوة والقتال، لزعيمها حسن حطاب، أصبحت مستهدفة داخليا و خارجيا، و هذا سيُصعب من عملية إنجاح سياسة الوئام المدني، التي يعني فشلها، فشل الرئيس الجزائري، الذي أعلن مرارا، في أنه لو خسر رهان إعادة السلم للبلاد، سينسحب من السلطة طواعية من دون إكراه.

من جهته صرح وزير الخارجية الجزائري، عبد العزيز بلخادم، من أن محاربة الإرهاب الدولي، لا تعني الابتعاد عن سياسة المصالحة الوطنية، وهذه إشارة قوية من أقرب المقربين إلى الرئيس الجزائري، إلى المجتمع الدولي، وإلى الجزائريين، من أن بوتفليقة لن يُغير من سياسته شيئا...

كأن الرئاسة الجزائرية تريد الوصول إلى حل وسط، يجعل بالإمكان إبعاد شبح متابعة عسكريين جزائريين دوليا، فالجيش هم أولياء نعمة الرئيس لأنهم أوصلوه إلى الرئاسة،
كما يمكن لبوتفليقة عبر حل وسط، إكمال سياسة الوئام المدني، والعمل ضمن المجتمع الدولي لمكافحة الإرهاب، عبر تعقيدات واشتباك المصالح في العالم، ما يجعل من السهل الحصول على هامش مناورة جيد، يُمكن من إكمال السياسة الداخلية دون خسائر كبيرة.

إلا أن الكثير من المراقبين، يرد بأن ما تريده الرئاسة، هو جنة في الأرض، من الصعب تحقيقها في الجزائر، لأن الصراع داخل الجزائر، ليس صراع عسكر وإسلاميين مسلحين، بقدر ما هو صراع خطة ومشروع مجتمع.

سندان الاعتبارات الداخلية

فبقدر ما تمكن بوتفليقة، من إقناع مسلحين كثيرين بوضع سلاحهم والعودة إلى المجتمع، بقدر ما اتهم بالتعاون مع الإسلاميين وأنه يُخرب الدولة الديموقراطية، وجاءه النقد الشديد من قبل تيارات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية العلمانية، بعضها مثل الأحزاب القبائلية، نادت بانفصال مناطق القبائل عبر استقلال ذاتي، على خلفية المطالبة باللغة البربرية لغة رسمية في البلاد، إلى جانب رفض سيطرة الحكومة المركزية لقناعتهم بإضطهادها للبربر.

كما أن نفس هذه التيارات البربرية، التي تريد الانفصال عن باقي البلاد، نادت قبل عشرة أعوام بإلغاء الانتخابات البرلمانية عام واحد وتسعين، والتي كادت الجبهة الإسلامية للإنقاذ أن تفوز بها.

كأن الرسالة التي يُراد لبوتفليقة أن يفهمها، أننا لا نريد العيش مع هؤلاء ، ويُقصد بهم الإسلاميين، لأن جهودا ضخمة بُذلت للقضاء عليهم، لا يمكن أن تُختصر في عودتهم إلى المجتمع كأن شيئا لم يحدث.

بعض المحللين، يُفضل أن يصف الواقع الجزائري الحالي، بأنه وضع الجمود المطلق، لأن الرئاسة لم تخسر بعدُ رهان إنجاح سياسة الوئام المدني، وبعض العسكر المتهمين باقتراف جرائم ضد الجيش الجزائري، لم يتخلصوا نهائيا من هذه التهمة، بسبب إصرار البعض على متابعتهم، وعلى رأس قائمة المطاردين، عدو المؤسسة العسكرية اللدود، زعيمة حزب العمال لويزة حنون.

أما القبائل الذين يريدون الانفصال عن البلاد، ففي قلب جبالهم الوعرة، يتمركز حسن حطاب أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال، المتهم من قبل مصالح الأمن الجزائرية والأمريكية من أنه إرهابي خطير، ما يدفع إلى احتمال أن يُصعد حطاب من عملياته ضد الجيش الجزائري، وضد الولايات المتحدة، بعد تهديده بضرب مصالحها في الجزائر، والعالم.

تعيش الجزائر وضعا شاذا وحالة لا غالب و لا مغلوب، تزيد من احتمال، تصاعد العنف والعنف المضاد، بهدف ربح المواقع، وإثبات الوجود. والسؤال المطروح بقوة: كيف ستخرج الجزائر من هذه الدوامة التي زادت سرعتها وشدتها، بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن؟
ثم هل سيتمكن الجزائريون المخلصون من الحفاظ على أرواح أبنائهم، ووحدة تراب بلادهم؟.

هيثم رباني-الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة