شبكة لعلمانيين وإسلاميين .. ديمقراطيين

تتشكل شبكة الديمقراطيين العرب من ممثلين عن تيارات علمانية وإسلامية وليبرالية على غرار تركيبة البرلمان الأفغاني الجديد (الصورة: جلسة الإفتتاح في كابول يوم 19 ديسمبر 2005) Keystone Archive

بعد يومين من النقاش المكثف داخل قاعة لأحد الفنادق بمدينة الدار البيضاء، توافق 62 مشارك ومشاركة على تأسيس "شبكة الديمقراطيين العرب".

هذا المحتوى تم نشره يوم 06 يناير 2006 - 20:01 يوليو,

معظم هؤلاء قدموا من دول عربية عديدة هي المغرب والجزائر وتونس ومصر والأردن، إلى جانب بلدان من مثل السودان والعراق ولبنان والسعودية وعمان واليمن.

ربما يكون الخبر عاديا، خاصة بعد أن تعددت الشبكات والمبادرات في العالم العربي، غير أن ما تم في الدار البيضاء يتميز ببعض الجوانب التي قد تجعل منه حدثا نوعيا يفرض التوقف والتحليل والاستشراف.

ولعل من الضروري أن نسأل : كيف كانت البداية؟ ومن يقف وراء هذه الشبكة؟ وبماذا تتميز عن غيرها من المبادرات التي قام بها مثقفون عرب ينشدون الديمقراطية والإصلاح؟ وهل سيكون لها وقع ومستقبل؟

فكرة ومؤيدون

قبل أكثر من خمس سنوات، تأسس في واشنطن "مركز دراسات الإسلام والديمقراطية"، وهو عبارة عن منبر يتكون من خبراء ومثقفين، معظمهم من أصل عربي ومسلم، قرروا أن تتمحور جهودهم حول البحث عن مصالحة تاريخية ممكنة بين الإسلام كدين وبين الديمقراطية كنظام سياسي.

في البداية، كان نشاط المركز محصورا داخل الدائرة الأمريكية، لكن بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، أخذ المركز يوجه نشاطه أو جزءا هاما منه إلى العالم العربي. وفي هذا السياق، تم تنظيم عدد واسع من الندوات التي تناولت نفس الإشكالية، لكن مع حرص على أن يكون المشاركون والمدعوون ينقسمون بالتساوي بين علمانيين وإسلاميين.

وقد ساعدت تلك الندوات على أن يحصل تقارب بين عدد من الفاعلين، وهو ما مكن المركز ومنسقه رضوان المصمودي (تونسي الأصل) من نسج علاقات واسعة.

مع تنامي الحاجة في العالم العربي لقيام مبادرات تهدف إلى إيجاد صيغ تعاون وتضامن بين دعاة الديمقراطية، شرع مركز الإسلام والديمقراطية في القيام بمشاورات حول مشروع تأسيس شبكة توحد جهود عدد واسع من الديمقراطيين العرب.

ولقيت الفكرة مساندة من مؤسسة "شركاء من أجل التغيير الديمقراطي"، وهي منظمة دولية لها خبرة واسعة في مجال بناء القدرات في مجال المساعدة على إنجاح التحولات الديمقراطية.

وأثمرت هذه المشاورات التي شملت عددا من الشخصيات العربية عقد اجتماع تحضيري في العاصمة الأردنية، أعد بعض الورقات الأساسية، وشكل هيئة متابعة دعت إلى عقد المؤتمر التأسيسي الذي احتضنته المغرب يومي 16 و17 ديسمبر 2005.

تحفظات

ما يشد الانتباه في الذين شاركوا في هذا المؤتمر التأسيسي كونهم ينحدرون من مشارب فكرية وسياسية متعددة. فمنهم الإسلاميون ومنهم اليساريون، أو ما يطلق عليهم عادة بالعلمانيين.

ويكفي في هذا السياق الإشارة إلى انخراط كوادر قيادية في أحزاب وحركات إسلامية ذات توجه إصلاحي مثل عصام العريان، الوجه القيادي المعروف في حركة الإخوان المسلمين، والذي منعته السلطات المصرية من مغادرة مصر لحظور المؤتمر.

كذلك الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الدكتور العثماني، وزعيم حزب البديل الحضاري، ووجهان بارزان من حزب الوسط الأردني، إلى جانب حزب الوسط المصري، وأحد قيادي التيار الإصلاحي في المملكة العربية السعودية (جعفر الشايب)، عضو منتخب في مجلس بلدية منطقة القطيف (شيعية).

في المقابل، نجد أشخاصا نوعيين عرفوا بمواقفهم المتحفظة تجاه بعض أطروحات الحركات الإسلامية، مثل رئيس حزب الأمة السوداني ورئيس الحكومة السابق الصادق المهدي، ورئيس مركز ابن خلدون سعد الدين إبراهيم، هذا الليبرالي المشاكس والمثير للجدل.

كما شارك أيضا الديبلوماسي التونسي السابق أحد ونيس، والذي عرف في السنوات الأخيرة بقربه من الحركة الديمقراطية التونسية بمختلف تلويناتها.

هذه الأسماء وغيرها، تعكس حالة من التطور الفكري والسياسي تحققت خلال السنوات الأخيرة في الساحة العربية. وهو تطور يدفع نحو تجاوز المختلف فيه للاتقاء حول ما هو مشترك، وفي مقدمة هذا المشترك الدفاع عن الديمقراطية باعتبارها القارب الذي يمكن أن يجمع الجميع، إذا حسنوا الحفاظ عليه.

وفي هذا السياق، دار نقاش بين المؤسسين حول مرجعية الشبكة. ولم يكن من السهل أن يتفق المشاركون على اتخاذ العهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والتراث الإنساني قاسما مشتركا بينهم، إلى جانب مبادئ الإسلام ومقاصده، وما دعت إليه الأديان من قيم سامية كالتسامح والتعايش.

وقد أبدى البعض تحفظهم من صيغة أولى تضمنت الإشارة إلى الشريعة الإسلامية وأحكامها، لكن النزعة التوافقية تغلبت حرصا من المشاركين على العمل المشترك وإنجاح المبادرة.

مستقبل الفكرة

كان من الطبيعي أن يدور تساؤل حول علاقة الشبكة بالأطراف الأمريكية، وما إذا كانت مرتبطة بمنتدى المستقبل أو بمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي سبق أن طرحته إدارة الرئيس بوش.

وقد أكد أصحاب هذه المبادرة حرصهم الشديد على استقلالية الشبكة، تسييرا وتفكيرا وتخطيطا، واعتبروها ثمرة اقتناع داخلي نابع من استقراء لأوضاع المنطقة، التي أصبحت من وجهة نظرهم في أشد الحاجة إلى التخلص من عهود للاستبداد طالت، وآن الأوان حان لاستبدالها من خلال تدشين مرحلة تحرر جديدة وعامة.

وحتى يؤكدوا هذا المنحى، فكروا في حالة من التعاقد بين الشبكة ومركز الإسلام والديمقراطية، حيث يتولى المركز مرحليا تقديم المساعدات ذات الطابع العملي، في انتظار أن تستكمل الشبكة شروط بنيتها الذاتية.

لكن المؤكد أن المشاركين في عملية التأسيس يؤمنون بتقاطع المسارات والمصالح إلى جانب حرصهم على الاستقلالية والنجاعة. هكذا يقولون وهذا ما ستدعمه أو تنقضه الممارسات والمواقف القادمة.

أما بالنسبة لمنظمة "شركاء"، فهي لن تكون لها أي صلاحيات للتدخل أو الإشراف على أعمال الشبكة. وإنما هي طرف تمت دعوته للمساعدة في مجال حيوي، لكنه لا يمس التخطيط أو الإشراف. بل ستكون مهمة هذه المنظمة حسبما صرح به عدد من المؤسسين، منحصرة في قضايا التدريب والمساعدة على اكتساب الخبرات في مختلف المسائل المرتبطة بالتحول الديمقراطي وتفعيل دور المجتمع المدني، مثل إدارة المفاوضات، وتحقيق الوفاق، وتنمية القدرة على الاقتراح. وهي مسائل طالما ساهمت في عرقلة المناضلين الديمقراطيين.

إن المرحلة القادمة ستكون حاسمة لتحديد مستقبل هذه المبادرة، ومعرفة مدى جديتها وقدرتها على الاستمرار والنمو. فمن جهة، ستعمل هيئة المتابعة والتنسيق على وضع برنامج طموح منطلق من التوصيات التي صدرت عن مؤتمر الدار البيضاء. وهي توصيات متنوعة تشمل المجال التدريبي من خلال عقد عدد من الدورات المختصة. ومن جهة أخرى، السعي إلى إرساء موقع إلكتروني، ونشرية ناطقة باسم الشبكة، مع تعميق الوثائق التأسيسية.

فهل سيكون لهذه الشبكة وقع ومستقبل أم أن مآلها لن يختلف عن مبادرات سابقة تحولت إلى مجرد فقاقيع؟ المستقبل وحده هو الذي يحمل الإجابة.

مراسلة خاصة بسويس إنفو من الدار البيضاء

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة