Navigation

شذى الشرق في قلب جبال الألب (2 من 2)

نفائس الكتب: البحث عنها فن و العثور عليها متعة وقرائتها تحملك إلى الماضي swissinfo.ch

التعامل مع الكتب التاريخية الهامة فن متعدد الجوانب، يبدأ في كيفية العثور عليها والتعامل معها، وكما استعرضنا في الجزء الأول، أكد "مارك ايناي" أنه لا يمكن العثور على الكتب النادرة في الشرق بعد ما اختفت بسبب الإهمال أو التهريب، أو ما أنقذته المتاحف والمكتبات العامة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 سبتمبر 2001 - 21:07 يوليو,

التردد على أسواق بيع الكتب القديمة في مدن ومناطق معينة في أوروبا، ومتابعة المزادات العلنية لمقتنيات بعض الشخصيات أو تصفيات المكتبات هي من المصادر الرئيسية التي يحصل منها السيد ايناي على كتبه.

ويرى من خلال تجربته بأن البحث عن كتاب بعينه لن يقود إلى شيء، بل أن البحث عن حقبة تاريخية أو موضوع هو الوسيلة المثلى، فعندما بدأ مثلا في تكوين مجموعته حول الحروب الصليبية استرجع الأحداث التاريخية في تلك الحقبة، من أين انطلقت الفكرة وكيف تحركت في أوروبا، وتوقع أن تكون بعض المناطق في أوروبا هى التي اهتمت بالكتابة عن هذه الحقبة، وبدأ رحلة البحث، وتتبع الخيط حتى وصل إلى هدفه، بل كان الهدف مثيرا حسب قوله، إذا عثر على مجموعة كاملة من الكتب الهامة في مكان واحد، كانت ملكا لإحدى الحركات المسيحية، التي رفض الإفصاح عن اسمها، التزاما بوعد قطعه على نفسه أمام من باعه تلك المجموعة.

أما الكتب التي يعثر عليها فرادى فيقوم بنفسه بإيجاد الرابط بينها سواء كان ذلك جغرافيا أو تاريخيا أو في المضمون عندما يلمس تتابعا أو علاقة في أحداث كتابين، فهو ينصح الباحث عن كتاب في موضوع محدد بمراجعة كتاب آخر اضافي يمكن أن يشكل دعما إلى هذا الموضوع.

قد يختلف "مارك ايناي" عن غيره في أنه يحقق الكتب والمخطوطات التي يعثر عليها، فإجادته للفرنسية والإنكليزية إلى جانب الألمانية كلغته الأم، تسمح له بالإطلاع على ما تضمه الكتب من معلومات، ويستعين بالآخرين للتعريف بالكتب الإيطالية أو الإسبانية، والملفت للنظر هو أن هذا الاطلاع يقوده إلى تحليل المعطيات الواردة فيه ومحاولة الربط التاريخي بينها، خاصة إذا كانت في موضوع واحد، وهذا الكم من المعلومات أثمر عن سبعة وعشرين كتابا حول الشرق والإسلام دون فيها انطباعاته التي خرج بها من رحلته وسط عالم الكتب، آخرها كان كتابا حول المرأة في الإسلام والذي يحمل عنوان "الرجال هم السبب وليس القرآن" حيث يشرح أن ما تعاني منه النساء المسلمات ليس بسبب الإسلام كما تدعي الأقلام الغربية ومع الأسف بعض العرب أيضا، وإنما بسبب الرجال في الشرق وجهلهم بمكانة المرأة في الإسلام.

الشرق بعيون غربية: نعمة أم نقمة؟

وينتقد ايناي الأقلام الغربية لأنها تعمل على تشويه صورة المرأة في الإسلام وتنقل صورة غير أمينة عنها، ويضرب على ذلك مثالا برسومات بعض الفنانين في صحراء الجزائر، التي تبدوا فيها البدويات عاريات الصدر! وهي صور، كما يقول ليست مطابقة للواقع، فأين رأى هذا الرسام مثل راعية غنم هذه سوى في خياله المريض حسب قوله، أو اختيار السلبيات في المجتمع الشرقي و التركيز عليها و اعتبارها الأمر الشائع المتعارف عليه، وهو خطأ آخر، حسب قوله، لان كل مجتمع يضم الحسن والقبيح.

ومن أبرز كتابات ايناي تلك التي حلل فيها الحروب الصليبية، وهنا يرى بأن الغرب لم يتعلم من التاريخ على الرغم من المؤلفات والتحاليل التي كتبت عن تلك الفترة، وكان من المفترض أن تكون عبرة وعظة يستفاد منها في المستقبل، وأن ما خلفته هذه الحروب الصليبية من آثار كان من المفترض أن تؤدي إلى تقييم العلاقة بين الشرق والغرب بشكل أفضل على الأقل من منظور غربي، و كان من المفترض أن تعمل على منع وقوع تجاوزات غربية في حق الشرق.

وإذا كانت "مكتبة الشرق" تضم خمسة عشر ألف كتاب من نفائس ما كتب عن العالمين العربي والاسلامي، فإن من بينها ما هو قريب من قلب صاحبها ايناي وهما كتبان الأول مكتوب باللغة العربية باليد ويعود إلى ما بين عامي ألف وتسعمائة و خمسة و ثلاثين وسبعة وثلاثين في مدينة بخارى، وسبب اعجاب ايناي بالكتاب هو أنه في تلك الحقبة التاريخية كانت الستالينية تقمع كل ما له علاقة بالدين، في الاتحاد السوفياتي، وعلى الرغم من ذلك ، فإيمان من كتب هذا الكتاب كان أقوى من تهديدات ستالين، فأقدم على المخاطرة، وخط هذا الكتاب بعناية فائقة وبجهد لا يمكن أن تستهين به في هذا الوقت الذي كانت فيه الكتابة بلغة غير الروسية والتفكير في شيء غير المبادئ الشيوعية جريمة لا تغتفر.

أما الكتاب الثاني فهو بحق تحفة في الطباعة والتجليد، تعود إلى قرنين من الزمان تقريبا وفي حالة رائعة وكأنه خرج الآن من المطبعة وهو عبارة عن سرد دونه فرنسي في صحراء شمال إفريقيا وزوده بالعديد من الرسوم حول مختلف مظاهر الحياة في تلك المنطقة سواء في الصحراء أو في الخيام.

هذه الجولة في تلك المكتبة الفريدة القابعة في قلب جبال الألب لا يمكن إلا أن تكون كنزا للراغبين في معرفة كيف رأى الغرب عالمنا العربي والإسلامي، وعلى الرغم من أن ما دونته أوروبا عن الشرق يفوق كثيرا ما خطه العرب عنها، إلا أن الهوة بين الجانبين واسعة، لو تتمكن هذه المؤلفات الضخمة من ردمها أو حتى بناء جسور من الثقة بينهما.

تامر أبوالعينين

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.