تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

من رجل إعلام إلى وكيل تأمينات

نجح شهاب بالرّيش في تغيير مسار حياته المهنية وأصبح رجل أعمال بعد أن تأكّد له صعوبة العمل في مجال الإعلام، تخصصه الأوّل.

(swissinfo.ch)

كم من مهاجر عربي لم يجد حلا بعد تدهور الأوضاع الاجتماعية والأمنية في بلده الأصلي سوى المغادرة بحثا عن عمل يسدّ الرمق او مقعد دراسي لتحقيق حلم ضاقت به الأوطان. ولم يكن حلم شهاب بالريش الذي لم يتجاوز عمره نهاية الثمانينات العشرين عاما يزيد عن ذلك شيئا عندما غادر تونس بحثا عن فرصة لمواصلة تعليمه. 

يقول بالريش مستذكرا خطواته الأولى على طريق الهجرة التي يعرف بدايتها لكنه يجهل نهايتها: "غادرت تونس في ظروف صعبة للغاية. كان الصراع السياسي في نهاية الثمانينات، بداية التسعينات في أوجه، وكنت في السنة النهائية من التعليم الثانوي، وعلى إثر مشاركتي في مظاهرات منددة باحتلال العراق، سُجنت وعذّبت، ثم حرمت من مواصلة الدراسة، فلم يعد بدّ من المغادرة". 

سلسلة تجارب مهنية

يطرح حلول الإنسان بمكان لم يألفه من قبل تحديات ومصاعب جمة، قد يسعفه الحظ في بعض الأحيان، فيستأنف رحلة حياته المهنية من حيث توقّف قطارها في بلده الأصلي بيسر وسلاسة.. وقد يجبره الواقع الجديد على بداية المشوار من نقطة الصفر، إن لم يظل يراوح مكانه لسنوات طويلة. وضع المهاجرين العرب في سويسرا ليس استثناءً في هذا الباب، وتكاد تتباين مساراتهم بعدد شخوصهم. swissinfo.ch اختارت الحديث إلى عيّنة منهم، فكانت هذه السلسلة من البورتريهاترابط خارجي.

نهاية الإطار التوضيحي

وبالفعل، استطاع هذا الشاب الحالم بغد أفضل، وبعد سنوات من الإقامة في بلد عربي إفريقي من اكمال دراسته الجامعية حيث حصل على الإجازة في الصحافة، تلت ذلك رحلة ثانية، قادته هذه المرة إلى كانتون فو، غرب سويسرا. 


نهاية الإطار التوضيحي

إلتقينا شهاب بالريش في لوزان بعد عقديْن من بداية إقامته في سويسرا، وسألناه عن المهجر، فأجاب بصوت الواثق مما يقول: "المهجر بالنسبة لي لم يعد مهجرا. إنه موطني وبلدي الآن". وعن كانتون فو حيث يعيش اليوم، يقول: "أنا بمثابة السمكة وكانتون فو بمثابة البحر، لو أخرجتني منه، سأفقد القدرة على التنفّس". 

وليس في هذا القول أي مبالغة، فهذا الشاب التونسي الذي أصبح اليوم كهلا سويسريا استنشق أوّل أنفاس الحرية في سويسرا، وفيها أنجب أبنائه، وبنى تجربته المهنية، وتعرف على الكثيرين من سويسريين وأجانب. 

صحفي في بداية المشوار

  عندما حلّ شهاب بالريش بموطنه الجديد أواخر التسعينات، تصوّر، وهو المتخصص في المجال، أن أبواب العمل في مجال الصحافة مفتوحة له على مصراعيْها، وأنه سيجد له بسهولة مكانا في سوق العمل، ولكن، وكما يقال، "تجري الرياح بما لا يشتهي السّفِنُ". فكانت أولى المشكلات التي واجهته معضلة معادلة شهادته الجامعية. وعندما اتصل بجامعة فريبورغ لهذا الغرض، طلبوا منه إكمال بعض المواد الدراسية، فأكملها ليتخرّج من تلك الجامعة وقد تحصّل على الإجازة السويسرية في الصحافة. 

المهجر بالنسبة لي لم يعد مهجرا. إنه موطني وبلدي الآن!

نهاية الإقتباس

لكن "الصعوبات لم تتوقّف عند ذلك الحد". يقول بالرّيش: "أرسلت مباشرة بعد التخرّج أزيد من 150 مطلب توظيف. كانت نتيجتها الوحيدة فرصة تدريب محدودة في الزمن لدى صحيفة "24 ساعة" الصادرة بلوزان". قام الصحفي من أصل تونسي بهذا التدريب والأمل يحدوه بالحصول على عقد عمل دائم مع هذه الصحيفة العريقة، لكن التجربة لم يكتب لها الإستمرار، لاعتبارات فضّل المحاور عدم الكشف عنها. 

لاحقا، اتجه بالريش إلى وكالة الأنباء السويسرية المتخصصة في قضايا بلدان الجنوب "Infosud"، وعمل في كتابة مقالات حول بلدان الجنوب، وأشرف على تصحيح مقالات أخرى على علاقة بالأوضاع في بلدان الشرق الأوسط. وحسِب هذا الاعلامي أن هذه التجربة ستفتح له الطريق لسوق العمل، ولكنها تجربة لم يكتب لها الدوام طويلا أيضا. 

شهاب بالرّيش 

أصيل مدينة المهدية الساحلية بالجمهورية التونسية. ويُعرف سكان هذه المنطقة بالمحافظة والتشبّت بالأعراف، والإشتغال بالصناعات التقليدية والحرف اليدوية. وقد وصف المؤرّخ التونسي الكبير حسن حسني عبد الوهاب هذه المدينة قائلا: "المهدية مدينة جليل قدرها، شهير في قواعد الإسلام ذكرها".

انتقل بالرّيش منذ طفولته للعيش بتونس العاصمة، بسبب شغل والده، حيث تلقى تعليمه الإبتدائي والثانوي، وعايش ثم شارك بفعالية في الحراك السياسي والإجتماعي الذي طبع الحياة في تونس في ثمانينيات القرن الماضي. وقد تعرّض لمضايقات وللسجن بسبب أفكاره.

غادر تونس شابا في مقتبل العمر، واستقرّ في البداية في أحد البلدان العربية الإفريقية. ثم انتقل للإقامة في سويسرا منذ عام 1998. واليوم هو أب لأربعة أبناء.

نهاية الإطار التوضيحي

تعديل المسار   

ظلّ إيمان بالرّيش، رغم هذه التجربة المخيّبة، قويا بأن مستقبله يوجد في هذا البلد، وبأن الحياة كما لا تخلو من عراقيل، لا تنعدم فيها الفرص. وبدلا من أن يستسلم لليأس، ويصيبه الإكتئاب، كما هو حال الكثير من المهاجرين في سويسرا، اقتنع بأن عليه أن ينصت بحكمة لمقتضيات الواقع ولمتطلبات الحياة في سويسرا، فقرّر تعديل المسار والإلتحاق بشركة ليشتغل وسيطا في مجال التأمينات.  

ومن أجل تعزيز فرص استمراره في هذا العمل، والدخول في هذا المجال من بابه الواسع، التحق بمعهد خاص للحصول على معرفة اكاديمية وعملية واكتساب مؤهلات وكيل تأمينات ناجح. ولمن لا يعلم، يوجد في سويسرا قطاعان يسيطران على الحياة الإقتصادية وهما المصارف والتأمينات. 

هي إذن مجازفة ومخاطرة، لم يكن أمام محدثنا من خيار لخوضها. ولعلّ ما شجّعه على ذلك ما يمتلكه من سهولة ويسر في التواصل مع الآخرين، وما يتمتع به من ثقة في النفس وحسن إتقان للغة، فضلا عن مستوى تعليمي جامعي. في المقابل، يقترن العمل في قطاع التأمينات بكثرة الضغوط النفسية، وبالمنافسة الحادة والشديدة، وبعدم الإستقرار على مستوى ساعات العمل ومردود الجهد. فكان على شهاب بالريش إذن أن يضمن نجاح مسيرته المهنية الجديدة بأقل انعكاسات ممكنة على مستوى الوضعين الصحي والنفسي. 

وكيل تأمينات محترف 

عمل شهاب بالريش في البداية كوسيط تأمينات لدى شركة تنشط في كانتون فو، وهي تجربة مكنته من فهم هذا الميدان عن قرب، ومن بناء جسور الثقة مع العملاء، والتعرّف على القوانين الناظمة للقطاع.  

بعد سنة ونصف، راودته، برفقة زميل له في المهنة، فكرة إنشاء شركة خاصة بهما، لكن الأمر لم يكن هينا، إذ لم تكن لديهما محفظة مالية كافية، كما واجها منافسة شديدة من الشركات العاملة في الميدان، وكان لابد من الإنتظار سنة كاملة، لكي يبدآ في جني ثمار عملهما. 

لم تمر سوى ثلاث سنوات من الشراكة، مع زميله، حتى قرّر بالريش تأسيس شركته الخاصة في البداية ثم في مرحلة لاحقة تأسيس شركة كبرى تضم تسع شركات لوسطاء التأمين العاملين في الجهة.  

يعمل الوكيل لصالح شركات التأمين، ويحصل على عمولة مقابل كل عقد يبرمه لصالحها. وهنا يقوم شهاب بالريش وأحد رفاقه بحملة لصالح شركة Visana للتأمين الصحي.

(swissinfo.ch)

كل هذه الخطوات، يرى محدثنا أنها كانت ضرورية "للصمود أمام العمالقة الذين يسيطرون على السوق". وأنه بفضلها "نجحنا في افتكاك موقع لنا في هذا الميدان". وبفضل هذه الإستراتيجيا القائمة على تحويل نقاط الضعف إلى قوة "تحصلنا على تنويه من إحدى كبريات شركات التأمين في المجال الصحي "Visana" لأننا كنا في عام 2013 من أهم المنتجين لعقود التأمين في سويسرا، وحُزنا على المرتبة الثالثة على المستوى الوطني"، كما يقول بالريش.  

وبشكل عام، غطي الميدان الذي يشتغل به هؤلاء الوسطاء أو الوكلاء التأمينات الصحية والتأمينات الإجتماعية وتأمينات الأفراد والشركات والمؤسسات، والتأمينات على الحياة البشرية كما التأمين على الممتلكات والأشياء، دون نسيان شراء وبيع المنازل والمنشآت وما يرتبط بها من قروض وإدخارات. 

بوابة مهمّة للتواصل مع المجتمع

العمل كوسيط تأمينات لم يوفّر لشهاب بالريش مصدر رزق قار فقط، بل وجد فيه أيضا، كما يقول، بابا كبيرا للولوج إلى المجتمع السويسري المحلّي: "أكاد أجزم ألاّ أحد يعرف المجتمع السويسري أفضل من وكلاء التأمينات".

وهذا صحيح إلى حد كبير لأن وسيط التأمينات يدخل على الناس بيوتهم، وهم يقدمون له طواعية وعلى طبق، كل معطياتهم الخاصة (مشاكلهم، ثرواتهم، مرتباتهم، أوضاعهم الإجتماعية، متزوّجين أم مطلقين،..).

ولكن ماذا عن الأفكار الشائعة عن الشخصية السويسرية بكونها "منغلقة" و"محافظة"، يردّ بالريش: "هذا ما يُقال، لكن الحقيقة التي اكتشفتها أن المواطن السويسري إذا كسب ثقتك يتحوّل بسرعة إلى صديق حميم".

وخلص رجل الأعمال إلى القول: "مثلما أن السلحفاة تختبئ وراء قوقعتها الخارجية، يختبئ السويسري وراء هذه الأفكار الشائعة عنه، ولكن بمجرّد شعوره بالإطمئنان، وعند الإقتراب منه تجد أنه إنسان بسيط، أليف يحبّ الآخرين".

"نظام تأمينات جيّد لا يخلو من نقائص"

يرى بالريش أن نظام التأمينات الإجتماعية في سويسرا "فريد من نوعه، يساهم فيه الإنسان بنفسه في بناء راتبه الشهري لما بعد التقاعد. وفي نفس الوقت هو يكفل له حقه عند إصابته في حادث او تعطله لسبب من الأسباب عن العمل، كما يضمن في حالة وفاة العائل حصول الأرملة أو الأبناء على علاوات". 

أما عن نقائص هذا النظام، فيقول: "من له دخل محدود، وحتى بعد أن يعمل 40 عاما، سيكتشف بعد التقاعد أن راتبه الشهري أقل من دخله خلال سنوات العمل، وأن مُعاناته سوف تستمر". إذن  هو "نظام يحفّز على العمل، لكنه يُهمل ضعاف الحال". 

ولكن، هل سينجح هذا النظام في تجاوز مشكلتيْن رئيسيتيْن تواجهانه: التكلفة العالية، وتزايد نسبة المتقاعدين؟ يجيب بالرّيش: "هما تحدّيان حقيقيان، ويعود فشل المبادرات العديدة الهادفة لتغيير هذا الوضع إلى هيمنة أصحاب رؤوس الاموال وتحكّمهم في موجهات السياسة العامة في المجال المالي"، قبل أن يضيف: "ربما يتأخّر هذا التغيير بعض الوقت، وذلك لأن الأوضاع في سويسرا ليست حرجة بنفس الدرجة التي عليها الأوضاع في بلدان أوروبية أخرى مثل إيطاليا وفرنسا، وذلك لأن التأمين الصحّي مثلا لا يشكّل عبءً على الدولة، وإن شكل عبءً على المواطن من ذوي الدخل المحدود".

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×