Navigation

صراع الفساد والشرعية في الأردن.. من المنتصر؟

في الأردن، تعددت خلال الشهور الماضية المظاهرات الشعبية المنددة بالفساد والداعية إلى التصدي له ومحاكمة رموزه (في الصورة: مظاهرة نظمها مؤيدون لجبهة العمل الإسلامي في العاصمة عمان يوم 20 مايو 2011) Keystone

بدفعة واحدة استدعى القضاء الأردني عدداً من كبار المسؤولين السابقين للإدلاء بشهادتهم في قضية ما يعرف بـ"الكازينو"، وتمثل لدى الرأي العام الأردني واحدة من عشرات القضايا التي تحوم حولها شبهات الفساد والتلاعب بالمال العام.

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 ديسمبر 2011 - 19:00 يوليو,
محمد أبورمان - عمّان, swissinfo.ch

بالرغم من أنّ الإستدعاء هو فقط للشهادة، إلاّ أنّ الدلالة كبيرة في سياق سياسي يشي بأنّ هذه الدفعة الأولى من الأسماء التي بقيت محصّنة من الاستدعاء للقضاء والشهادة والاتهام، خلال السنوات الماضية، ولعلّ وجود رئيسي وزراء سابقين ورئيس سابق للديوان الملكي ووزراء أمام المدّعي العام هي المرةّ الأولى التي يراها مواطن أردني.

الحدث البارز الآخر، الذي لا يقل أهمية، يتمثّل باستدعاء "عمدة عمان" السابق، عمر المعاني، على خلفية اتهامات بالفساد، وإصرار القاضي على توقيفه، وعدم إخراجه بكفالة، ما يشير إلى أنّ هنالك رسالة سياسية مباشرة من الدولة، بخاصة أنّ عمدة عمان السابق بقي محاطاً لدى الإعلام والرأي العام بسياج العلاقة الشخصية مع العائلة المالكة، ما جعل من توقيفه حدثاً يوازي أهمية استدعاء كبار المسؤولين السابقين للشهادة.

على الصعيد نفسه أكّدت مصادر رسمية بأنّ هنالك قائمة تضم أسماء عشرات المسؤولين السابقين الممنوعين من السفر بطلب من هيئة مكافحة الفساد.

هل هي صحوة ضد الفساد؟

الزج بهذه الأسماء وسط إشارات متعددة تشي بتحوّل مسار "مطبخ القرار" من محاولة الإلتفاف على موضوع الفساد إلى فتحه على عواهنه وتحويل القضايا المتعلقة به إلى القضاء يثير بالفعل تساؤلات فيما إذا حدثت هنالك في الأيام القليلة الماضية صحوة رسمية ضد الفساد.

الإشارة الأولى بدت بوضوح خلال لقاء جمع الملك عبد الله الثاني - قبل ساعات من تسريب خبر استدعاء الشخصيات الرسمية الرفيعة للشهادة - مع قيادات المؤسسات الرسمية والمسؤولين عن مؤسسات مكافحة الفساد، إذ دفع الملك برسائل متعددة في هذا اللقاء تتلخص بأهمية مكافحة الفساد وحماية المال العام، وعدم الإكتفاء بالشعارات، وبالتأكيد أنه "لا يوجد أي شخص فوق القانون".

هذا الموقف بمثابة استدارة كاملة في التعامل مع ملف الفساد، فالحديث عنه لم يتوقف في السنوات الأخيرة، بينما كانت الدولة في حالة إنكار  لحجمه وخطورته، بل وشهدت الشهور الأخيرة محاولات رسمية متعددة للحد من الحديث عن الفساد عبر تقييد الحريات الإعلامية، أو انتقاد المبالغات في الحديث عن الفساد ما يهرّب الإستثمار ويخلق صورة انطباعية أكبر بكثير من الصورة الحقيقية للفساد.

القضايا المطروحة ليست الأولى التي يتم تحويلها إلى القضاء، فهنالك ما يعرف بملف توسعة المصفاة، التي أدين فيها رجل أعمال كبير مع وزير ومستشار سابق للملك ومسؤول اقتصادي كبير، وملف شركة "موارد" (المسؤولة عن استثمار موارد القوات المسلحة) وملف سكن كريم لعيش كريم (أمام التحقيق النيابية)، إلاّ أنّ التعامل مع تلك القضايا كان يتم تحت غطاء سياسي وإعلامي كثيف ينكر توغل الفساد وانتشاره.

لكن الإشارات الأخيرة تشي بأنّ هنالك رؤوساً أكبر وشخصيات طالما نًظر إليها بوصفها فوق المحاسبة، وفي الوقت نفسه يشير النائب جميل النمري، بتصريحات خاصة لـ swissinfo.ch بأنّ "هنالك انقلاباً كبيراً في مزاج مجلس النواب إذ تحوّل إلى خلية لملاحقة ملفات الفساد والنظر فيها"، وهو ما يشير إلى أنّ جدراناً سميكة قد تهدّمت وانفتح المشهد على الملفات السوداء أو المحرّمة سابقاً!

ما وراء التحول المفاجئ!

ما الذي أدّى إلى حدوث هذا التحول أو الإنقلاب الثوري؟ الجواب يحمله أحد كبار الاقتصاديين المسيسين (رفض الكشف عن اسمه) في حديث خاص مع swissinfo.ch، إذ يقول "لم يعد ممكناً الإستمرار في الصمت والتجاهل لموضوع الفساد، الذي وصل إلى ثوب الملك ويكاد يحرقه، فهنالك عشر قضايا تقريباً باتت تقتات على شرعية الحكم نفسه، إما أن نلقيها إلى النار ونضعها في عهدة القضاء والمحاسبة، وإما أن ننتظر حتى تلتهمنا النار"..!

الهواجس التي ألمح إليها ذلك الإقتصادي ليست بعيدة عن رصد حركة الشارع الأردني، فما كان يعدّ بالأمس من المحرّمات والخطوط الحمراء أصبحت حديثاً شعبياً متداولاً، وهو ما دفع بالديوان الملكي إلى إصدار بيان حول الأراضي التي يقول معارضون إنها سجّلت باسم الملك، فعلل ذلك بيان الديوان بأنّ الحكومات السابقة فوضتها للملك لتسهيل وتيسير العملية التنموية والتسريع فيها، وهو البيان الذي لم يُغلق الباب بل فتحه على نقاش وجدال أوسع لدى القوى المعارضة.

يمكن القول بأن ثلاثة أسباب رئيسة تقف، غالباً، وراء الانقلاب الكبير في التعامل مع ملف الفساد في الأردن.

السبب الأول؛ أنّ محاولات الإلتفاف عليه من خلال القوانين والتشريعات أو الإنكار والتجاهل قد فشلت جميعاً، بل جاءت بنتائج عكسية، وبدت وكأنّ "مطبخ القرار" يتستر على الفساد ويخشى منه، وأنّ كل ما يتم الحديث عنه حالياً من مكافحة الفساد ليس إلاّ ذرّاً للرماد في العيون، وهو ما بدا في تبرئة النواب لرئيس الوزراء السابق، معروف البخيت في قضية الكازينو، وفي هروب خالد شاهين (قبل استعادته بعد أن فضح الإعلام القضية).

السبب الثاني؛ أنّه بات واضحاً أنّ الفساد يقتات على شرعية الدولة ويُضعفها ويكسر شوكتها، وقد تجاوز اليوم الحديث عن المسؤولين وكبار السياسيين إلى الملك نفسه، وهي سابقة خطرة، فأصبح السؤال المطروح هل تتم التضحية بالنظام والعرش والإستقرار السياسي بأسره أم بـ "القطط السمان"!

السبب الثالث؛ أنّ الأزمة المالية قد وصلت منعطفاً خطراً وحرجاً وأنّ الدولة لا بد أن تمضي في قرارات اقتصادية قاسية وغير شعبوية، ومثل هذه القرارات ستكون بمثابة كارثة سياسية وقد تفجّر الأوضاع السياسية، في سياق مناخ شعبي محتقن ومليء ببارود الحديث عن الفساد، فلا بد إذن من استباق هذه القرارات بالدفع بشخصيات من الوزن الثقيل، يُحمّلها الشارع مسؤولية الفساد والفشل في إدارة الأزمة الإقتصادية، إلى القضاء تخفيفاً من مستوى الإحتقان وتعزيزاً لشرعية الدولة وردّ الإعتبار لها.

المصداقية ومحك الشرعية

صحيح أنّ الرأي العام وكتّاب الأعمدة في وسائل الإعلام الأردنية رحّبوا بالخطوات الجديدة، وأبدوا ارتياحاً لها، إلاّ أنّ ذلك لا يعني نجاح الدولة في اجتياز المرحلة وعبور المنعطف، إذ يراهن الكثير من السياسيين المخضرمين على أنّ الدولة تستطيع أن تعرف من أين تبدأ بموضوع الفساد، لكنها لا تعرف أبداً أين تنتهي!

وهو ما قد يدفع بكبار الشخصيات التي قد يُـزجّ بها في أتون هذا الملف إلى التلويح بكشف الحقائق كافة أمام الرأي العام، كما فعل رئيس وزراء سابق (علي أبو الراغب) عندما أكّد أنّ "الديوان الملكي طلب منه تسجيل أراض باسم الملك"، أو عندما ألمح أحد السجناء (خالد شاهين) إلى أنّه "يملك أسراراً كبيرة"!

مصداقية الدولة، بل شرعية النظام، هي على المحك اليوم، ويتمثل التحدي الآن في قدرة الدولة على تقديم الفاسدين للقضاء، والتحلي بالشفافية الكاملة ومنح الإعلام حق الحصول على المعلومة، وجعل هذه الدفعة من الأسماء بمثابة بداية لمنهج جديد في الحكم وليس فقط محاولة لاحتواء بركان الإحتقان بقليل من الماء!

أكثر من ألف متظاهر في عمان يطالبون ب"انقاذ الاردن من الفساد"

تظاهر أكثر من الف شخص يوم الجمعة 2 ديسمبر 2011 في عمان مطالبين ب"انقاذ الاردن من الفساد" وتحقيق اصلاح سياسي واقتصادي "جوهري" غداة نيل الحكومة الجديدة ثقة مجلس النواب.

وانطلقت التظاهرة السلمية تحت عنوان "جمعة الانقاذ" من امام المسجد الحسيني الكبير وسط عمان وحتى ساحة امانة عمان لمسافة كيلومتر تقريبا بمشاركة الحركة الاسلامية ومجموعات شبابية.

وحمل المشاركون لافتات كتب عليها "انقاذ الاردن من الفساد واجب وطني" و"معا لانقاذ المال العام" فيما تقدم التظاهرة علم اردني كبير.

وهتف هؤلاء "الشعب يريد اصلاح النظام" و"الى الامام الى الامام حتى اصلاح النظام" و"الشعب يريد حكومة منتخبة" اضافة الى "هذا الاردن مش للبيع".

وقال جميل ابو بكر الناطق الاعلامي باسم جماعة الاخوان المسلمين في الاردن لوكالة فرانس برس ان "الاصلاح لم يتم حتى الآن. لا زال بيننا وبين الاصلاح مسافة".

واضاف ان "كل ما تم لا يقنع الشعب الاردني بان يتوقف او يتنازل عن مطالبه الاساسية بحكومة منتخبة وتحصين مجلس النواب ومكافحة الفساد، فهذه مطالب اساسية لا بد منها".

وجاءت التظاهرة غداة نيل حكومة رئيس الوزراء الاردني عون الخصاونة الخميس ثقة غالبية اعضاء مجلس النواب.

وقال ابو بكر معلقا "العبرة فيما سيتم انجازه والى اي مستوى سنصل في الاصلاح الحقيقي الذي يمكن الشعب الاردني من ان يكون مصدرا للسلطات".

واضاف لفرانس برس ان "برنامج الحكومة واضح ومحدد ولن يتجاوز اصدار بعض القوانين لانه لم يتطرق الى التعديلات الدستورية والمطالب الاساسية الجوهرية للشعب الاردني".

واكد ان "تشكيلة الحكومة وبرنامجها لم يكونا على مستوى المطالب والآمال".

وخرجت تظاهرات مماثلة في كل من الكرك ومعان والطفيلة جنوب الاردن لكن باعداد متواضعة من المشاركين.

وحض النواب الخصاونة (61 عاما)، خلال مناقشات مجلس النواب قبل التصويت بالثقة للحكومة التي اعلن تشكيلها في 24 أكتوبر 2011، على اجراءات اشد لمكافحة الفساد في المملكة فيما اكد الخصاونة ان "لا احد فوق القانون".

وكان العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني كلف الخصاونة، القاضي في محكمة العدل الدولية منذ 2000، بتشكيل الحكومة معتمدا على سمعته الجيدة لتنفيذ اصلاحات في البلاد.

ويشهد الاردن منذ يناير الماضي احتجاجات مستمرة تطالب باصلاحات اقتصادية وسياسية ومكافحة الفساد شاركت فيها الحركة الاسلامية واحزاب معارضة يسارية اضافة الى النقابات المهنية وحركات طلابية وشبابية.

(المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية أ ف ب رويترز بتاريخ 2 ديسمبر 2011)

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.