Navigation

Skiplink navigation

صمت رسمي وشعبي مُـطبق عمّـا يجري في الفلوجة

مواطن لبناني يتابع من بيروت أخبار القتال في الفلوجة عبر القنوات الفضائية الإخبارية والصحف العربية الدولية (تاريخ الصورة: 17 نوفمبر 2004) swissinfo.ch

رغم شراسة القتال الدائر في مدينة الفلوجة العراقية، وفظاعة الصور القليلة التي وردت عنه، فإن ردود الفعل الدولية والعربية ظلت غير قائمة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 نوفمبر 2004 - 09:55 يوليو,

فلا مظاهرة واحدة طلابية أو شعبية عفوية خرجت من أي بلد عربي تُـندد بما يجري لأهالي الفلوجة من العراقيين على يد القوات الأمريكية أو على يد المسلحين.

رغم شراسة القتال الدائر في مدينة الفلوجة العراقية، والتقارير التي تتحدث عن انتشار جثث القتلى التي لا تجد من يُـؤويها إلى مثواها الأخير، وصور الدمار الهائل في جنبات المدينة، والعائلات المحاصرة في مخيمات مؤقتة، فإن ردود الفعل الدولية غير قائمة، اللهم بيان صدر بعد ثمانية أيام من القتال في الفلوجة عن منظمة العفو الدولية عبّـر عن القلق من انتهاك حقوق المدنيين في المدينة، سواء من المسلحين أو من قبل الجنود الأمريكيين، وداعيا إلى الالتزام بالقوانين الإنسانية المعمل بها في هذه الحالات.

مواقف نادرة

تبدو ردود الفعل العربية في السياق ذاته، حيث الندرة هي الأساس. فمن بيان موقع من قِـبل المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر يدعو إلى مناصرة المقاومة العراقية في الفلوجة، إلى مجرد فكرة دعوة خرج بها اتحاد المحامين، ومقره في القاهرة، للنقابات والجمعيات الأهلية لإصدار بيان يعتبر ما يجري في الفلوجة جريمة حرب وإبادة جماعية تستدعى المساءلة القانونية العاجلة، إلى بيان وقعه 26 من أساتذة الفقه والشريعة السعوديين سابقون في عدد من الجامعات يدعون إلى جهاد الدفاع والمقاومة من أهالي الفلوجة ضد القوات الأجنبية الغازية لبلدهم، باعتباره حقا شرعيا من وجهة نظرهم لا افتئات عليه، ثم لا شيء آخر عربيا.

فلا مظاهرة واحدة طلابية أو شعبية عفوية خرجت من أي بلد عربي تُـندد بما يجري لأهالي الفلوجة من العراقيين على يد القوات الأمريكية أو على يد المسلحين. حتى الشريط الذي أذاعته محطة تليفزيونية أمريكية لجندي أمريكي يقتل جريحا عراقيا داخل بيت الصلاة بأحد المساجد بالفلوجة، وكررت إذاعته محطات تلفزيونية عربية عديدة، وفيما يشكل جريمة بشعة بكل المقاييس، لم يفلح في استثارة مشاعر المواطنين العرب إلى حد التحرك لإعلان الإدانة والغضب على مثل هذه التجاوزات الفظيعة.

أسباب الغياب

وربما جاز القول أن تزامن الهجوم على الفلوجة (في 8 نوفمبر 2004) مع نهاية شهر رمضان ومقدم عيد الفطر، وانشغال بسطاء الناس وكبرائهم بهذه المناسبات الدينية، وابتعاد الطلاب عن باحات الجامعات التي تشكّـل ساحة الغضب الطلابي الطبيعية، لها دور في غياب الرد الشعبي.

وهنا، لا يمكن للمرء تجاهل الدور الذي لعبته القنوات التلفزيونية العربية، الفضائية منها والأرضية، في تكريس نوع من الخمول الشعبي العام إزاء أحداث سياسية كبرى كالذي يجري في الفلوجة.

فمن إذاعة كمّ هائل من المسلسلات الدرامية التي تقتل الوقت والقدرة على الفكر والتأمّـل، إلى غلبة التغطية الإعلامية لحالة الرئيس عرفات المرضية ثم وفاته، وحجم الإثارة الذي ارتبط بهذا التطور والتركيز الإعلامي العربي عليه، جعل مما يجري في الفلوجة خبرا أقل إثارة للنفس الجماعية مما يتضمنه بالفعل.

التغطية الإعلامية العربية للشأن العراقي ككل، لاسيما في الشهور الخمسة الماضية، والتي ركّـزت على التدمير المتكرر والمواجهات العسكرية وقتل الأنفس حقا وباطلا، ساهمت بدورها في إشاعة حالة اعتياد شعبية لمثل هذه الصور والتعليقات، إلى الحد الذي جعل ما يجري في الفلوجة، رغم بشاعته وخروجه عن الخط العام، مجرد تكرار لحالة معتادة وتمّـت مشاهدتها مرارا من قبل.

وهنا، فإن غياب التغطيات الإعلامية العربية المباشرة من مواقع الأحداث، والتي حرصت عليها حكومة أياد علاوي المؤقتة، تساهم في درجة من الخلط والاختلاط لدى المُـشاهد العربي الذي يبدو موزعا بين ضرورة إقدام الحكومة العراقية المؤقتة على اتخاذ الخطوات الضرورية لضبط الأوضاع الأمنية والسيطرة على حركة المسلحين الخارجين عن القانون العام، وبين حق العراقيين في مقاومة الاحتلال، وهو، أي الاحتلال، الذي يتحوّل في نشرات كثير من القنوات التليفزيونية والصحف العربية إلى القوات متعددة الجنسيات، في الوقت نفسه يتحوّل المقاومين إلى مجرد مسلحين، رغم الإدراك الكامل بتنوع نشأتهم واختلاف مراميهم.

الصمت الحكومي .. القصد والتدبر

الخلط لدى المواطنين العرب، وإن كانت له أسبابه المفهومة، وبالطبع الحديث هنا يتعلق بالمواطن العادي الذي يتشكّـل وعيه من خلال القنوات الإعلامية السائدة، فإن الوضع الرسمي الحكومي الصامت إجمالا، جنبا إلى جنب، صمت الجامعة العربية، أو بيت العرب كما يقال، فإن أسبابه تتجاوز قطعا حالة التشوش الذي يمكن أن تصيب المواطن العادي. فالحكومات لديها دوافعها للصمت عن قصد وإصرار وتدبر، وهي أسباب يُـمكن إجمالها فيما يلي:

- ثمة حال توافق حكومي عربي عامة بأن يسمح للحكومة العراقية المؤقتة باستكمال العملية السياسية، التي تنتهي حُـكما بإجراء الانتخابات في يناير المقبل، ومن هنا القبول بتفسيرات حكومة علاوي بأن الهجوم على الفلوجة بغية إخضاعها واستعادتها من يد المسلحين، هو جزء من إعداد التُـربة العراقية لهذه الانتخابات المنتظرة.

- أن المسلحين في الفلوجة كما في غيرها يندرجون تحت عنوانين عريضين، أحدهما عنوان إسلامي ديني، والآخر عنوان صدامي بائد، وكلاهما مرفوضان من كل الحكومات العربية ولا يثيران أي تعاطف، بل على العكس. فالمطلوب هو الإجهاز عليهما منعا من أي حرج مستقبلي. وإذا كانت القوات الأمريكية هي التي تقوم بهذه المهمة، فلا اعتراض، حتى ولو حدثت بعض التجاوزات التي يتوقع حدوثها عادة في مثل هذه الظروف.

- أن هناك استعدادات مكثفة لعقد مؤتمر دولي إقليمي في شرم الشيخ المصرية لغرض بلورة المساندة السياسية والمعنوية لعملية الانتخابات في العراق، وهو مؤتمر حكومي كما هو معروف، ولا مجال للتراجع عنه أو إفشاله، ومن ثم، فإن إبداء الاعتراض على ما يجري في الفلوجة، ولو من الزاوية الإنسانية، قد يخلط الأوراق ويعطل العملية برمّـتها، وهو أمر غير مطلوب حكوميا، وربما كانت التمنيات الحكومية العربية أن تنتهي العملية العسكرية بأسرع ما يمكن، شريطة أن تكون ناجحة، وحتى يكون مؤتمر شرم الشيخ بلا منغصات.

مجمل القول هنا أن صمت الحكومات العربية نابع من اعتبارات سياسية وعملية، وكلها تصب في مسعى إنهاء المقاومة، الإسلامية أو الصدامية، وتدعيم الحكومة المؤقتة، لعل في ذلك الخلاص من ضغوط أمريكية من ناحية، وتقديم العون للعراق ليستعيد استقلاله وسيادته المفقود، من ناحية أخرى.

يبدو مثل هذا الموقف الحكومي العربي العام الصامت مختلفا بعض الشيء مع ما تُـبديه نفس الحكومات من قلق على ما يجري في دار فور مثلا، وما يصاحبه من اعتراض واضح على أي مسعى يُـعنى بتوقيع عقوبات على السودان، وهو القلق الذي دفع بتحركات مصرية وليبية لحشد التأييد والمساندة العربية والإفريقية لخطوات سياسية، لغرض إنهاء الأزمة الإنسانية والسياسية المتعلقة بإقليم دار فور سلميا دون إراقة دماء أو عقوبات دولية.

ولعل التأمل في الموقف الحكومي العربي يدفع إلى الاستنتاج بأن التأييد هنا أيضا للحكومة السودانية في مواجهة حركتي تمرد، وضغوط دولية من بينها ضغوط أمريكية وأوروبية، ومن قبل المنظمة الدولية، وهو تأييد لحكومة شرعية يخشى أن ينالها التعب أو الهزيمة، ومن ثم ينال الجيران العرب بعضا من تداعيات هذه الهزيمة لا سمح الله.

المفارقة البارزة هنا أن تأييد حكومة علاوي وما يجري في الفلوجة جاء بالصمت الرسمي عن التجاوزات والفظائع، أما فى الحالة السودانية، فجاء بالدعم الإيجابي، إنسانيا وسياسيا.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة