تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

ضحية لنجاحها هل تحولت شعبية وسائل النقل العام في سويسرا إلى لعنة؟

بقلم
(Keystone)

لا تُشَغِل السكك الحديدية الفدرالية السويسرية أكثف شبكة قطاراتٍ في العالم فَحَسْب، ولكنها تُنَسِّق في الوقت نفسه مواعيد هذه القطارات مع وسائل النقل العامة الأخرى. غير أنَّ الشعبية المُتزايدة لهذا النظام الكفء دفعَت به في نهاية المطاف إلى حدوده القُصوى.

نظرا لما تلقاه وسائل النقل العامة من دَعمٍ شعبي، قامت الحكومة السويسرية بِتعزيزها وحثت المواطنين على إستخدامها. وأدى هذا التشجيع الحكومي إلى إحتفاظ أكثر من مليوني شخص - يشكلون رُبع سكان الكنفدرالية - ببطاقة الإشتراك السنوية التي تسمح بشراء التذاكر بنصف سعرها.

ومن الملاحظ أن العلامة التجارية للسكك الحديدية السويسرية "الأذكياء هم من يستخدمون القطار" ليست مجرد شعار مألوف في سويسرا، فالعديد من المواطنين يتَّبعون هذا النداء بالفعل.

وفقاً لرابطة النقل العام، قطع كل ساكن في المعدل مسافة 2875 كيلومتراً مستخدماً وسائل النقل العامة أثناء ترحاله في عام 2010، وهو ما يشير إلى زيادة بنسبة 40% منذ مطلع القرن الجاري. كذلك إرتفع متوسط عدد الرحلات السنوية بنسبة 30% ليصل إلى 225 رحلة للشخص الواحد.

لكن الحفاظ على نظام بمثل هذه الكفاءة يفرض تكاليف عالية جداً. وكان البرلمان السويسري قد منح موافقته على تخصيص مبلغ 9.5 مليار فرنك سويسري (10.2 مليار دولار) من أموال دافعي الضرائب لتشغيل شبكة السكك الحديدية وصيانتها خلال السنوات الأربع القادمة. ووفقا لمسحٍ أجرته الحكومة الفدرالية، أنفق السويسريون في المتوسط عشرة بالمائة من ميزانية الأسرة على التنقل في عام 2010.

هذا العدد من المسافرين قابل للزيادة في المستقبل. وتتوقع الحكومة الفدرالية إرتفاعاً بنسبة 60% في حركة نقل الركاب بحلول عام 2030، و70% في حركة الشحن. ووفقا لـدوريس لويتهارد، وزيرة النقل والبيئة والطاقة والإتصالات، ستكون مسألة توسيع البُنية التحتية إحدى أكبر التحديات التي تواجه البلاد على مدى الأربعين سنة المُقبِلة.

وفي إجتماع عُقِد مؤخراً لمناقشة مسألة البُنية التحتية، قالت الوزيرة لويتهارد: "سيتعين علينا إيجاد حلول للزيادة الحاصلة في حركة التنقل"، مضيفة: "يجب ألاّ نتسائل فقط عما إذا كنا نقدم الحوافز المناسبة، ونَصنع المُخصصات الصحيحة، ونَتَّخِذ التدابير المضبوطة، ولكن سياستنا يجب أن تكون مَقبولة من قِبَل الساسة والشعب أيضاً".

للتعامل مع القيود المُحَدِّدة للقُدُرات وتوسيعات شبكة السكك الحديدية، ستقوم سويسرا بإنشاء خطوط سكك حديدية جديدة وطُرق جانبية، بالإضافة إلى شق عدد من الأنفاق. كما تعمل الحكومة أيضاً على تحسين كيفية استغلال هذه الشبكة، من خلال تحويل بعض حركة المرور إلى الطرقات ثانية، مع الأخذ بعين الاعتبار خطط بديلة لنظام التسعير. وكما قالت الوزيرة لويتهارد، ستكون هناك حاجة إلى جميع هذه الإنجازات إلى جانب أفكارٍ ونماذج جديدة.

أحد الحلول السهلة لخلقِ نوع من التوازن خلال ساعات الذروة القصوى، جاء في إقتراح تقدم به المبادرون لمشروع التنقل الحضري المستقبلي، والمُتَمثل بتعزيز العمل عن بُعد (من المنزل عبر الإنترنت) ليومٍ واحد في الأسبوع. ومن شأن هذا المقترح أن يخفض معدلات المرور إلى مستويات فصل الصيف الأكثر هدوءاً.

إستجابة سويسرية بطيئة

كما هو الحال مع العديد من التُحف التي تفخر بها الكنفدرالية اليوم، لم تكن سويسرا سَبّاقة لإحتضان فكرة جديدة ولكنها كانت الأكثر شمولية.  كان قد تم إنشاء أول محطة للسكك الحديدية في بازل عام 1845 من قِبَل سكة حديد الألزاس لخدمة القطارات التي كانت تشغلها عبر الحدود من فرنسا. ولم تكن هناك مسارات إرتباط لهذه القطارات على الجانب السويسري.

تم تشغيل أول قطارٍ لِنقل الخبز الطازج من مدينة بادن (كانتون آرغاو شمال شرق سويسرا) إلى زبائن الطبقة الراقية في مدينة زيورخ بعد عامين من إنشاء المحطة وعلى مسار يبعد بنحو 70 كيلومترا عن بازل، وبالتحديد يوم 7 أغسطس من عام 1847. وظل ما يسمّى بـ "قطار الخبز الإسباني" (وهو نوع من الخبز كان ينتجه أحد الخبازين المعروفين في مدينة بادن، تعود تسميته الأصلية الى مدينة ميلانو التي كانت تخضع للإستعمار الإسباني في القرن السادس عشر) خط القطار الوحيد داخل سويسرا على مدى السنوات السَبع التالية.

هذا التناقض يعكس الحذر السويسري تجاه الإبتكار. ففي حين كانت حمى السكك الحديدية تجتاح الجارتين ألمانيا و فرنسا، التي كانت تقوم بِمَد عدة آلاف من الكيلومترات من القضبان الحديدية في السنوات الـ 25 التي تلَت افتتاح أول خط للسكة الحديدية للركاب في عام 1825، لم يَمُد السويسريون ولو سكة واحدة.

كان بروز آفاق الأعمال التجارية من خلال التصنيع والتجارة والسياحة هو العامل الوحيد الذي دعم بناء السكك الحديدية في القرن التاسع عشر. وكان رجال الأعمال السويسريون قد بدأوا بإستخدام نظام الجريدة المُسَنَّة والترس لِتسلُّق المنحدرات الشديدة في سبعينيات هذا القرن. قبل ذلك، كان السياح يُحمَلون الى أعالي الجبال بواسطة نقالات، كما حدث مع الملكة فكتوريا التي قامت بزيارة جبل ريغي فوق بحيرة لوتسيرن في عام 1868 قبل ثلاث سنوات فقط من إنشاء القطار.

بالنتيجة غيرت السكك الحديدة كيفية و أماكن معيشة الناس، حيث أصبحوا أكثر قدرة على الإنتقال. وقد إرتفع عدد الرحلات بإستخدام القطارات خلال الخمسين سنة الأولى ليصل إلى 100 ضعف. واليوم يستخدم أكثر من 350 مليون شخص هذه الوسيلة في كل عام.

نهاية الإطار التوضيحي

حوافز خاطئة

لكن تطبيق هذه الأفكار على أرض الواقع ليس في الغالب بهذه البساطة. ومن ناحيتها، تقوم السكك الحديدية الفدرالية بتمويل أبحاث لدراسة التغييرات في أنماط المستهلكين. وكما جاء على لسان كريستيان ليسّير، مدير مشروع التنقل الحضري المستقبلي، يدرُس الخبراء، من بين أمورٍ أخرى، كيفية إستخدام سياسات التسعير لتوجيه تدفقات الزبائن.

وفي تصريحات لـ  swissinfo.ch، قال ليسّير: "لقد تم الترويج للتنقل منذ سنوات عن طريق منح حوافز خاطئة. الآن أصبح من غير الممكن تحمُّل هذا النظام، ونحن نسافر بشكل مُتكرر جداً وإلى أماكن بعيدة جداً". وأضاف:"ليس السؤال اليوم ما إذا كان على المسافرين المساهمة أكثر في التكاليف وإنما السؤال هو عن مقدار هذه المساهمة ومع أي نظام".

في نفس السياق، حذر ليسّير من أنَّ أيّ تَغيير في أنماط التنقل سيكون له تأثير في حياة الناس أيضاً، وذلك لإرتباط سياسة حركة المرور تاريخياً بالسياسات الإجتماعية والبيئية. كما أوضح بأن التّلاعب بأحد أجزاء النظام قد يؤدي بالنتيجة إلى حدوث أثر مضاعف يلقي بظلاله على أسعار العقارات وتوفير فرص العمل.

وفقا لـليسّير، فإن وجوب أن تصبح تكاليف التنقل أكثر شفافية، وضرورة إرتفاعها قليلاً، هو أمرٌ مفهوم، ولكنه ليس المسبب الرئيسي. واليوم نرى أن نحو نصف ثمن تذاكر السكك الحديدية مدعومٌ من الدولة.

ويتم تمويل الإستثمارات في البُنية التحتية بواسطة رسوم وجبايات مُتعددة، ومن ضريبة القيمة المضافة، وضريبة الوقود، وضريبة الطريق التي تُفرَض على المركبات الثقيلة، بالإضافة إلى قروض الخزينة. ومن المُتوقع أن تبلغ تكاليف المشاريع المُكلفة الطويلة الأمد، كَحَفر أنفاق جديدة لعبور جبال الألب، أو إنشاء طُرُق تصل بالشبكة الأوروبية للسكك الحديدية العالية السرعة، والحَد من الضوضاء، ما لا يقل عن30.5 مليار فرنك (32.6 مليار دولار).

فعل متوازن

في مقابلة له مع swissinfo.ch، قال ماركوس غيغير، المسؤول عن حركة السكك الحديدية في مكتب النقل الفدرالي: "إنه عبارة عن أداء متوازن: أنت لا تريد أن تنتهي مع هياكل لا تستطيع تحمُّل نفقاتها في المستقبل"، موضحا أن "كل استثمار بدائي تتبعه تكاليف لاحقة، وستكون أية شبكة مُتَّسِعة أكثر كلفة من نواحي التشغيل والصيانة".

و كما يوضح أندرياس تايلَر، من مجموعة اللوبي "برو بان شفايتس" Pro BahnSchweiz (مع إستخدام القاطرات في سويسرا - التي تمثل مَصالح مُستخدِمي السكك الحديدية والحافلات والترام)، فإن هذه الشبكة المُتفرعة بدقة وما يرافقها من جدول زمني منظم، و أسعار تذاكر معقولة، وحقيقة تغطية التذكرة الواحدة لرحلة كاملة مع مُشَغلين مُختلفين، هو بالضبط ما يجعل هذا النظام يحظى بتلك الشعبية.

وفي حديثه مع swissinfo.ch، قال تايلَر: "لطرح الموضوع بشكل مُختصر، يمكن القول بأن مجموعتنا، التي تنعكس مهمتها في تحدي نوعية وسائل النقل العام في سويسرا، هي غير ضرورية في الواقع". وإستطرد وهو يَغمِز بعينه: "نحن نشتكي على مستوى عالي".

وتشمل الإعتراضات الرئيسية لمجموعة "برو بان شفايتس" إنخفاض الخدمات، وإغلاق خطوط القطارات الإقليمية غير المُجزية، والزيادات في أجور السفر. وفي المعدل، فإن أسعار تذاكر السفر مُرشحة للزيادة هذا العام بنسبة 5,6 بالمائة. وسوف يتعين على مستخدمي بطاقة الإشتراك السنوي العام للدرجة الأولى دفع زيادة تُقَدَّر بـ 8.4 في المائة ليصل ثمن البطاقة إلى 5.800 فرنك سويسري.

وتتفهم المجموعة من جهتها مخاوف الركاب، ولكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن الأسعار الموحدة التي لا تُغطي التكاليف بشكل كافٍ تقوم باستهلاك التعريفات (الاسعار) العادية. وحسب تايلر، توضح نظرة الى الماضي بأن ثمن بطاقة الإشتراك السنوي العام من الدرجة الأولى بلغ 800 فرنك سويسري في عام 1914، وهو ما يُعادل بقيمة اليوم 13.560 فرنك. علاوة على ذلك، يكلِّف ثمن بطاقة الإشتراك السنوي المخفضة الى النصف في يومنا هذا عشرة مرات أقل.

مرارة إرتفاع الأسعار

وفقاً لمجموعة "برو بان شفايتس"، فإن كل إرتفاع في الأسعارهو أمر مرير، وكما جاء على لسان تايلَر: "ارتفاع الأجور أمرٌ مقبول إذا كان متناغماً مع التضخم"، وأضاف: "إن حجة السكك الحديدية الفدرالية الأزلية المتمثلة بقيامها بتوسيع خدماتها في نفس الوقت غير صالحة، حيث لن يكون بوسع معظم الناس الذين يدفعون ثمن الفاتورة الإستفادة من تحسينات إنتقائية".

وفي كلتا الحالتين، فإن الزيادات المقترحة في الأسعار ليست سوى مؤشراً لما هو آت. فبعد سنوات من الترويج لإستخدام هذه الوسيلة الصديقة للبيئة في التنقل، نجد اليوم بأن المدافعين عن مبدأ التكلفة وفق السبب في إزدياد مُطَّرد.

من ناحيته، صرح غيغر قائلاً: "سيكون الزبائن مُطالبين بدفع المزيد في المستقبل". وعلى الرغم من أن أية نقاشات حول تغييرات في أنظمة الدفع كانت تثير المشاعر في الماضي، يرى الخبراء بأنَّ أيام بطاقة الإشتراك السنوية كما هي قائمة اليوم باتت محدودة.

وإختتم تايلَر حديثه بالقول: "انظروا إلى الجانب المُشرق: إذا لم تكن هناك بطاقات عضوية للسكك الحديدية في المستقبل، فسينخفض إستخدام وسيلة النقل هذه على الأرجح. في مثل هذا السيناريو، فإننا لن نحتاج إلى القلق بشأن الاختناقات في القدرة على الأقل".

swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×