Navigation

التغيير في تجارة القهوة قد يبدأ بمُزارع واحد..

تعتبر إثيوبيا أهم مُصدّر للبنّ على مستوى القارة الإفريقية وعاشر أكبر مصدر له في العالم. Marco Frauchiger

في الوقت الذي نقوم فيه بترشف كأس قهوة أو احتساء كوب "كابوتشينو" ونحن نُتابع تساقط أوراق الأشجار في هذا الخريف السويسري، يقوم الآلاف من المزارعين الإثيوبيين بنزع كرز القهوة (أي حبوب نبتة البُنّ) من أشجار أرابيكا في غابة أغارو. في الأثناء، يحاول زوجان في مدينة بازل التقريب بين هذيْن العالميْن.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 نوفمبر 2019 - 08:24 يوليو,
جيسيكا ديفيس بلوس جيسيكا دافيس بلوس وهيلين جيمس هيلين جيمس (الصور: ماركو فراوشيغر Marco Frauchiger)

يُقال إن إثيوبيا هي مهد قهوة أرابيكا البرية. وفي مناطق جيمّا وكافّا الواقعة غرب البلاد، لا تُعدّ القهوة مصدر الدخل الأساسي فحسب، بل منبع إلهام للخرافات والأساطير ومحورا للثقافة والتقاليد المحلية.

يُعدّ حفل احتساء القهوة من الطقوس الشائعة في إثيوبيا حيث يشرب الأصدقاء وأفراد العائلة ثلاثة فناجين من القهوة معًا. خلال احتساء الفنجان الأول، يتحدث الناس عن موضوعات خفيفة، ومع الفنجان الثاني تدور الأسئلة حول الأسرة، أما مع الثالث، فتتم مناقشة الموضوعات الجادة بما في ذلك الأعمال والصفقات. Michael Tuil


إن هذا التقدير العميق لإنتاج واحتساء ومشاركة القهوة هو ما جذب ميشائيل وماري تويل إلى غابات إثيوبيا قبل عدة سنوات. إنهما مؤسّسا " Direct Coffee"، وهي شركة ناشئة تقوم على فرضيّة واضحة تتلخص في أنه يُمكنك إنتاج قهوة تتمتع بأعلى مواصفات الجودة وبأكبر قدر من الاستدامة عندما تحرص على التعرّف على الأشخاص الذين يقومون بإنتاجها.

يوضح ميشائيل تويل: "لقد أردنا فتح الصندوق الأسود على جانبي تجارة البن. فليس من المهم فقط أن يفهم من يشربون القهوة من أين تأتي القهوة، بل يسألنا المزارعون أيضًا "من هم الأشخاص الذين يشربون قهوتنا؟"، فلديهم الكثير من المفاهيم الخاطئة".

نشأت الفكرة الأولية لمشروع Direct Coffee لدى ميكائيل وماري في نوفمبر 2015، وانطلق بيع القهوة في يونيو 2016. في الوقت نفسه، تدعم كل عبوة من القهوة المُباعة طفلًا في إثيوبيا من خلال مشاريع اجتماعية تم اختيارها بعناية فائقة. Michael Tuil


هذا هو الدافع وراء "رحلة القهوة" التي انضم إليها الصحفيان كونرادين زيلفيغر وماركو فراوتشيغر خلال موسم حصاد القهوة في شهر نوفمبر 2018. في كل عام، تقوم مؤسسة Direct Coffee بنقل عشاق القهوة من بلدان أوروبا إلى غابات إثيوبيا لملاقاة مزارعي القهوة وإجراء اختبارات الذوق الأعمى، وفهم مدى التعقيد الذي تتسم به عملية إحضار القهوة من الغابة إلى فنجانك.

يستند هذا المقال إلى مقابلات وملاحظات سجّلها الصحفيان كونرادين زيلفيغر وماركو فراوتشيغر أثناء تغطيتهم الميدانية في إثيوبيا. كما أجريت مقابلات إضافية من قبل swissinfo.ch في سويسرا. أما المقالة الأصلية فيُمكن العثور عليها في مجلة Surprise.

End of insertion
The majority of farmers in the region are smallholders with 1 hectare of land, who join some 200-300 other farmers as members of a cooperative. Many women work for the cooperative, often involved in the drying and sorting stages of the process. Marco Frauchiger


شغف شخصي

في غابة "كُـوتّــا" التعاونية، تتألق حبّات كرز القهوة الأحمر اللامعة وسط الأوراق الخضراء الداكنة. ويقول جاك برودوييه  لـ swissinfo.ch: "عندما أرى هذا اللون الأحمر اللامع الآن، ينشأ لديّ رد فعل عاطفي".

عمل برودوييه في إدارة الجودة في شركة نستله السويسرية للأغذية والمشروبات لمدة ثلاثين عامًا قبل تقاعده قبل بضع سنوات. ولقد اختار أن يجعل من مشروعه المتمثل في العثور على أفضل أنواع القهوة وشرائها بسعر يستطيع المزارعون العيش عليه، شغفه الشخصي.

يعتبر راؤول ريس نفسه "عاشقا للقهوة" وهو حريص على أن تكون قهوته مضغوطة. لقد قام بجلب "ايروبرس" (وهي أداة تُستَخدم لإعداد القهوة بواسطة الكبس) إلى إثيوبيا ليشرح للمزارعين كيف يقوم بإعداد كوب قهوة الأفضل من وجهة نظره. Marco Frauchiger

أكثر ما أثار دهشة برودوييه خلال الرحلة التي قادته إلى إثيوبيا حجم التعقيد الذي تتسم به عملية إنتاج القهوة، ويقول: "هناك الكثير من الأشياء التي يُمكن ألاّ تحصل كما ينبغي". إذ تتسم كل خطوة بالكثير من الدقة بدءًا برعاية الأشجار ومرورا بقطف حبات نبتة البُن عند نضجها ووصولا إلى مرحلة غسل وتجفيف الحبّات بعناية والتخلص من القشور.

يوضح تويل أن أشجار قهوة أرابيكا تنمو في بيئتها الطبيعية في إثيوبيا التي تتسم بثرائها من ناحية التنوع البيولوجي وتوفر أشجار الظل، مما يسمح بتجنب اللجوء إلى استخدام المبيدات الاصطناعية. ومع ذلك، فإنها تتعرض لضغوط متزايدة في ظل تغيّر المناخ وكثافة كميات المياه التي يُحتاج إليها لإنتاج القهوة.

"بسبب تغيّر المناخ وتراجع المساحات الغابية، أصبح مرض توت القهوة مشكلة متفاقمة فيما يتعلق بإنتاج البن الأثيوبي"، كما أوضح أحد الباحثين في هذا المجال في إثيوبيا.

تأثر جاك برودوييه القادم من غرب سويسرا بالألوان الحمراء اللامعة لحبات نبتة البُنّ. وفي مركز "جيمّا" للبحوث الزراعية، يقوم باحثون باختبار نوعيات مختلفة من القهوة يُمكن أن تكون أكثر مقاومة للآفات. Marco Frauchiger

قطرة ماء في بحر..

على الرغم من أن مؤسسة Direct Coffee قد تكون لاعبًا صغيرًا في الميدان، إلا أنها تندرج في سياق توجّه ناشئ يسعى للذهاب إلى ما هو أبعد من منظومات إصدار الشهادات والعلامات المميّزة مثل Fairtrade (تجارة عادلة) و Organic (منتجات عضوية) والحرص على أن تتسم القرارات المتعلقة بالشراء بطابع أخلاقي.

في الواقع، واجهت هذه العلامات المميزة انتقادات متزايدة لأنها باهظة جدا بالنسبة لصغار المنتجين ولا توفر ما يكفي من الفوائد للمزارعين الأفراد الذين يُسهمون في إيجاد الجزء الأكبر من القيمة في شبكة الإمداد. فقد نأت بعض الشركات الكبرى مثل نستله وستاربكس بنفسها عن هذه المنظومات التابعة لأطراف اخرى وذهبت إلى أبعد من ذلك حيث قامت بتطوير معايير استدامة خاصة بها أرفقتها بآليات تدقيق خارجية.

هناك أيضًا وعي متزايد بوجود بعض المشكلات الهيكيلية في تجارة البن الأوسع نطاقًا، والتي يكون فيها المزارعون تحت رحمة أسعار البن المُحدّدة في بورصة نيويورك للأوراق المالية.

لقد أضحت تقلبات الأسعار مصدر قلق كبير للمزارعين الذين تضرّروا بشدة عندما انخفضت الأثمان في وقت سابق من هذا العام. ويقول تويل إن Direct Coffee تتفاوض على السعر مباشرة مع نقابات مزارعي البن (المكونة من عدة تعاونيات)، وقد استقرت قيمته في عام 2018 على ثلاثة فرنكات سويسرية (حوالي 3 دولارات أمريكية) لكل رطل من البن الأخضر (أي قبل التحميص)، بينما كان السعر في البورصة فرنكا واحدا.

لقد احتاج الأمر إلى بعض الوقت لإقناع بعض المزارعين باعتماد مقاربة جديدة لبيع ما ينتجونه من قهوة. وفي نهاية المطاف، تمكن ميكائيل وماري من إقناعهم عندما اكتشفا خطأً في كشوفات حسابات التعاونية. وقال المزارعون إنه لم يسبق أن اهتم أحد بإجراء تدقيق من هذا القبيل في الأرقام. Marco Frauchiger

تقع سويسرا في قلب تجارة البن العالمية. إنها ثالث أكبر مُعيد لتصدير القهوة بعد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حيث يتم التفاوض على أكثر من 50٪ من القهوة المنتجة في العالم في البلاد.

كما أن الكنفدرالية موطن لستة من أكبر تجار السلع، الذين نادراً ما يكون لديهم أي اتصال مع المنتجين. ويشرح تويل قائلا: "يتعامل الكثير من مستوردي القهوة مع مئات الأطنان من البن. إنهم لا يأخذون الوقت الكافي للتعرف على المزارعين وانشغالاتهم". لقد أدت تجارة البن العالمية هذه أيضًا إلى إدامة ما يُطلق عليه تويل تسمية "الصندوق الأسود" نظرًا لوجود الآلاف من الوسطاء ومحدودية القدرة على تتبع المصدر الأصلي للبضاعة.

عمليا، تحاول Direct Coffee إقامة الدليل على إمكانية اتباع طريقة أخرى، من خلال استخدام التكنولوجيا لتعقب كل حاوية وتمكين المستهلكين من متابعة رحلة قهوتهم انطلاقا من التعاونية المحددة في إثيوبيا ومرورا بجيبوتي ومن ثمّ على متن سفينة باتجاه ميناء أنتويرب البلجيكي ووصولا إلى محمّصة في جنيف. كما تكشف الشركة أيضًا عن المبلغ الذي يتم دفعه لكل شخص أو كيان لتحديد السعر النهائي.

وبالنظر إلى ما تشهده ثقافة القهوة المُميّزة من انتشار متزايد في مدن كبرى مثل زيورخ وسان فرانسيسكو، فإن الطلب على هذه النوعيّة من المعلومات يزداد يوما بعد يوم.

رسم تقريبي لأسطورة اكتشاف القهوة. إن المكان الذي شهد ميلاد القهوة بالتحديد مسألة مثيرة للجدل في إثيوبيا وسبق أن أدى إلى اندلاع مظاهرات وإقامة حواجز على الطرقات. Marco Frauchiger

السيد تويل مقتنع بأن هذا الأسلوب يُمكن أن يُشكل نموذجا يُقتدى به. بدورها، قامت شركات كبرى مثل نستله بإطلاق برامج للمصادر المباشرة مثل "Farmer Connect" الذي يتعامل ويشتري مباشرة من مُلاّك الأراضي الصغار.

في الوقت الحاضر، يقول مؤسّسو Direct Coffee إنه لا يُمكنهم تصور قيامهم ببيعها إلى شركة كبرى متعددة الجنسيات، ويقولون: "نأمل في أن نتمكن من إلهام الشركات الأخرى من خلال إظهار ما هو مُمكن والمساعدة ربّما على إحداث تغيير في تجارة القهوة".

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.