تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

عام عراقي في ظل الاحتلال .. رؤيتان متقابلتان

ترفض الأغلبية الساحقة من العراقيين استمرار الإحتلال الأمريكي لبلادهم رغم اختلاف تقييماتهم لإيجابيات وسلبيات العام المنقضي

(swissinfo.ch)

بعد مرور عام كامل على احتلال العراق من طرف القوات الأمريكية والبريطانية لا زالت تقييمات العراقيين ورؤاهم مـتــبـايـنـة.

مراسل سويس إنفو في بغداد التقى شخصيتين عراقيتين عبرتا عن رؤيتين متناقضتين لما شهده العراق من تطورات منذ 9 أبريل 2003.

لا يعبّـر من التقينا بهم عن قناعاتهم الشخصية في موضوعية الحرب والاحتلال فحسب، بقدر ما يعكس مستوى وعمق انطباعات تيارات عراقية لها تأثيرها وامتدادها في المجتمع العراقي.

وفي هذا التقرير نستعرض وجهتي نظر متقابلتين من داخل العراق، واحدة تشير الى السلبيات التي ظهرت في الأشهر الاثنتى عشرة الماضية، فيما تتحدث الأخرى بروح متفائلة بجوانب إيجابية، وأخرى سلبية حصلت طيلة عام مضى.

يرى السيد ستار رؤوف، نائب الأمين العام لحزب الإصلاح الديمقراطي أن العام الأول من عمر الاحتلال أفرز حصيلتين. الأولى، تدميرية وتتمثل، حسب رأيه، في واقع الاحتلال الذي قال إنه أعاد البلاد الى عهود الاستعمار القديم المباشر، حيث فقد العراق حريته وسيادته واستقلاله. أما الحصيلة الثانية، فيعتقد أنها إيجابية، وتتمثل فيما يقوم به العراقيون من مقاومة للاحتلال على كل الأصعدة.

كما يعتقد أن من بين الإيجابيات التي أفرزها العام الأول من عمر الاحتلال، نجاح العراقيين في تجاوز خلافاتهم ووأد الفتن التي يقول إن أيادٍ أجنبية تعمل على إثارتها بين أبناء الشعب الواحد بكل أطيافه.

الإيجابيات والسلبيات

وبرغم اعتراف السيد جلال الماشطة، الكاتب الصحفي، أن كلمة الاحتلال مرفوضة من الجميع، إلا أنه يقول "إن ما جرى كان مزاوجة بين التحرير والاحتلال من حيث تحرير العراق من الطغيان والاستبداد وبداية عهد الديمقراطية وما تفرضه إشكالية الاحتلال من تعقيدات".

وفي معرض تعداده للسلبيات التي أفرزها الاحتلال الأمريكي والبريطاني للعراق، يرى ستار رؤوف أنه بالإمكان حصر أبرز جوانبها في الآتي:

أولا، تدمير البنية التحتية للدولة العراقية التي كانت حصيلة كفاح دام وعمل مضن طيلة أكثر من 80 عاما للأجيال العراقية.

ثانيا، فقدان الأمن الشخصي والوطني.

ثالثا، فتح أبواب العراق لكل أجهزة المخابرات العالمية، بما يجعل من العراق ساحة تنافس وصراع للجهات الاستخبارية، مما يُـعرض الشعب العراقي لأسوإ المخاطر.

رابعا، فقدان السيطرة على الثروات الوطنية، وخاصة النفط.

أما السلبية الخامسة، التي يقول، إن الاحتلال أفرزها أو بالحقيقة أوجدها بين العراقيين، فهي المحاصصة الطائفية والعرقية.

أما السيد جلال الماشطة فيعتقد أن ثمة إيجابيات تحقّـقت خلال العام المنصرم، ومن أهمها التحرر من الطغيان وإصدار الصحف، ويشير إلى أن أهم ما تحقق، هو ترتيب ثقافة الحوار بين العراقيين، والتي قال إنها لم تكن موجودة بينهم، وذلك عبر المنابر الديمقراطية القائمة، ومنها مجلس الحكم.

اقتصاديا، يعتقد السيد الماشطة بوجود إيجابيات عديدة، منها الزيادة المحسوسة التي طرأت على المدخولات الشهرية لبعض الموظفين، ووجود نوع من الانتعاش الاقتصادي الذي يُـمكن أن يزداد في حال دخول الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد.

وعلى الصعيد الاجتماعي، يؤشر السيد الماشطة عددا من الإيجابيات، من بينها إعادة تأهيل المدارس وتنقية الأجواء التعليمية من المواد المفروضة، وإيجاد بدائل ديمقراطية ونشوء منظمات المجتمع المدني. لكنه يعترف بوجود العديد من السلبيات، في مقدمتها الاحتلال نفسه وحل القوات المسلحة، التي قال إنه أحد الأسباب الرئيسية لتزايد العنف والعمليات الإرهابية، وهناك البطالة وغيرها.

من ناحيته، يعتقد ستار رؤوف أن ظروف الاحتلال جعلت العراقي أكثر تحسبا، نظرا للقوة الهائلة والعدوانية الفجّـة التي يشاهدها لدى المحتلين، حتى أن العراقي اليوم بات يُـسجن لوشاية كاذبة، بل ويقتل من دون سبب.

مـخـاطـر يدرؤها توحد العراقيين

لكن السيد الماشطة يقول إنه بمعنى ما يُـمكن القول أن العراقي تحرر من الخوف، وبمعنى آخر لا. صحيح أن العراقي تحرر من الأعمال القمعية المباشرة وخوفه من السلطة، لكن هناك خوف من العمليات الإرهابية وعدم ضبط الأمن، غير أنه يؤشر أن تحرر العراقي من الخوف قد يكون عملية طويلة.

وبرغم حديثه عن أن العراقيين دحروا في مواقف عديدة الفتن الطائفية وما يراد منها لتأجيج صراع طائفي دام في العراق، إلا أن ستار رؤوف أعرب عن خشيته من احتمال قيام حرب طائفية أو عرقية في البلاد، مشيرا إلى أن تداعيات الاحتلال جعلت العراق ساحة للمنافسة والصراعات الإقليمية والدولية، مما يغذي صراعا طائفيا وعرقيا محتملا، لكنه يؤكّـد على وعي العراقيين كشعب، وقوى سياسية، ورجال دين في دحر كل ذلك.

وإلى نفس الاعتقاد، يذهب الماشطة، الذي لا يرى إمكانية قيام حرب طائفية أو عرقية، معتقدا أن من يتحدث عن ذلك يجهل مكوّنات المجتمع العراقي وحقيقة التداخل بين مكوناته المختلفة، لكنه يعترف بوجود دفع من جهات خارجية لتعميق الروح الطائفية بين العراقيين.

ويدعو السيد رؤوف إلى عقد مؤتمر وطني عام لكل ممثلي الشعب العراقي لانتخاب قيادة وطنية وحكومة دستورية مؤقتة تمهيدا لإنهاء الاحتلال، وإجراء انتخابات عامة حقيقية، مضيفا أن الاحتلال يطرح مشروعا واضحا للتقسيم والاحتراب الداخلي، ويرى أنه كلما امتدت فترة وجوده، ازدادت تلك المخاطر، مما يفرض على القوى الوطنية صعوبة في مقاومة الاحتلال وتداعياته.

أما الماشطة، فمع أنه يشير إلى وجود مخاطر ومشاريع غير معلنة لتقسيم العراق، إلا أنه يقول إن تداخل مكونات المجتمع العراقي يمنع ذلك، موضحا أنه لا الأكراد، ولا السنة، ولا الشيعة طرحوا يوما ما فكرة إقامة كيانات خاصة بهم، كل في منطقة أغلبيته العددية، ويحذر من تأجيج الصراعات عن طريق خلق كانتونات قائمة بذاتها، منبها العراقيين إلى خطورة ذلك والاتجاه لبناء عراق موحّـد.

السلامة والأمن قبل الحقوق!

وفي ملف حقوق الإنسان، يرى ستار رؤوف أن العراقي صار يفكّـر في سلامته أكثر من التفكير بحقوقه، نظرا لإجراءات الاحتلال الأمنية ولما تقوم به بعض القوى السياسية من إرهاب حقيقي بالاغتيالات الكيفية والممارسات الفظة. كما يشير الى حرمان شرائح عديدة من موارد رزقها، وهو ما يتنافى مع أبسط حقوق الإنسان في الحياة، فضلا عن أن آلاف المعتقلين في السجون الأمريكية لا يعرفون سبب اعتقالهم ولا يستطيعون توكيل محامين عنهم، فيما يجهل ذووهم مكان احتجازهم.

لكن جلال الماشطة يعتقد أن العراقيين حقّـقوا في هذا الملف اختراقا مهما، لكنه مع ذلك يقول، إن حقوق الإنسان العراقي غير مستجابة بالكامل، ويعترف بحصول تجاوزات من قبل قوات الائتلاف ومن بعض الحركات المسلحة المنتمية إلى أحزاب سياسية، ويؤشر إلى وجود جوانب مُـضيئة، من بينها قيام منظمات تدافع عن حقوق الإنسان، مضيفا أنه عندما توجد انتهاكات ويسمح بكشفها، فإن ذلك بداية لإنهائها.

وبصدد المصالحة الوطنية، يرى رؤوف أن هناك إمكانيات حقيقية للمصالحة، مشيرا إلى أنه لا توجد قوة عراقية حقيقية لا تريدها، لكنه يؤكّـد على أن هذه العملية ينبغي أن تقوم على أسس واضحة تخدم كل العراقيين، لا تقمع أحدا ولا تسلب حقه، وتتيح حرية التعبير عن الأفكار والمعتقدات للجميع.

يبل

ويشدد السيد رؤوف على أن الوحدة الوطنية لا تقوم إلا على المصالحة، الأمر الذي يعني إلغاء العديد من القرارات والأوامر الصادرة عن سلطة الاحتلال وعن مجلس الحكم الانتقالي، وفي المقدمة منها، قرار اجتثاث البعث.

ويُـعرب ستار رؤوف عن ارتياحه وشرائح عراقية كثيرة من مطالبة مؤتمر أربيل للمصالحة الوطنية المنعقد بدعوة من السيد مسعود البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني بإلغاء هذا القرار الذي وصفه بأنه يتعارض كليا مع مستلزمات المصالحة الوطنية باعتبار أنه لن يؤدّي إلا إلى مزيد من الإقصاء وتشظية نسيج المجتمع.

ومع أن الماشطة يتحدث عن ضرورة وأهمية المصالحة مع البعثيين، يقول إن هناك فرق كبير بين المجرمين من أتباع النظام السابق والغالبية العظمى من البعثيين الذين يصل عددهم إلى 1,8 مليون عراقي، وينبغي عدم محاربتهم في أرزاقهم، ويُـشير إلى أن اقتطاعهم من الجسد العراقي سيُـطلق نزيفا بالغ الخطورة.

وبرغم أنه يتحدث عن أن محاسبة المجرمين ينبغي أن يكون من خلال القانون وليس عبر تصفيات شخصية أو كيفية، لكنه يقول إن البعثيين جميعا يتحملون مسؤولية انتمائهم لحزب البعث العربي الاشتراكي، وهم مطالبون بالتقييم الموضوعي للماضي ونبذ العنف بداية للمصالحة الوطنية.

ويرى ستار رؤوف أنه عوضا من أن يكون قانون إدارة الدولة الانتقالي المُقررِ أخيرا حلا لمشاكل تاريخية، بات معضلة خطيرة تهدد مستقبل العراق وشعبه، وكذلك فإن عملية نقل السلطة محل تساؤل وخلاف عميقين، إذ تتساءل قوى عراقية وفعاليات كثيرة عن ماهية السلطة التي ستتسلم المسؤولية من قوات الاحتلال، كما أن وضع ووجود قوات الاحتلال العسكرية لا يجري الحديث عنه وكأنه صار أمرا واقعا ومفروغا منه.

ومن هنا يعرب ستار عن خشيته من أن الاحتلال، إنما جاء ليرسخ كثيرا من بؤر الفتن ويزرع القنابل الموقوتة في أوقات يختارها هو ومن خلال من جاءوا بركابه.

في حين يرى الماشطة أنه برغم كل الهنات الموجودة في القانون، إلا أنه واحد من أفضل الوثائق الدستورية في الشرق الأوسط، حيث سجلت فيه حقوق فريدة من نوعها، كما أنه يتجاوز المحاصصة الطائفية التي يُـمكن أن تكون قنبلة موقوتة، إذا لم تكن وقتية فقط، ويأمل الماشطة أن تكون انتخابات الجمعية الوطنية المقبلة نقلة حقيقية نحو هياكل الديمقراطية في العراق.

كارثة اقتصادية

وبصدد الأوضاع الاقتصادية، يشير رؤوف إلى أن الاحتلال فرض الانتقال إلى اقتصاد السوق، لكن حسب مصالحه وعلى وفق رؤاه، حيث فتح الأبواب لكل شيء دون رقابة نوعية أو قانونية، فضلا عن أنه يريد تحطيم المنشآت ومواقع الانتاج العائدة للدولة التي تسهم بشكل حقيقي في تنمية رأس المال الوطني، وتُـعتبر من موارد الدخل القومي للعراق.

وطبقا لتعليمات الانتقال إلى اقتصاد السوق التي أصدرها بول بريمر، فإن مئات المعامل والمؤسسات الحكومية سيتم بيعها إلى القطاع الخاص، والمأساوي في هذا الجانب أنها ستشترى من قبل مستثمرين أجانب، مما يلحق الخسارة بالاقتصاد الوطني ويسرح عشرات الألوف من العاملين في مختلف المجالات وبشتى الدرجات والاختصاصات.

وينبه ستار رؤوف إلى مخاطر البطالة الموجودة في العراق حاليا باعتبارها مشكلة لم يشهد لها العراق مثيلا، إذ بلغت معدلاتها، حسب وزير التخطيط الدكتور مهدي الحافظ، حوالي 70% من مجمل القوى النشيطة في البلاد.

لكن الماشطة يعتقد، انطلاقا من روحه المتفائلة، أن العراق مقبل على انفجار استثماري هائل، حيث سيكون حجم الاستثمارات الأجنبية في بعض القطاعات أكبر من طاقة استيعاب الاقتصاد العراقي، مما سينعكس إيجابا على حياة العراقيين ويقلل كثيرا من معدلات البطالة.

وأخيرا، يُـعرب الماشطة عن اعتقاده في أن يكون النموذج الاقتصادي العراقي المدعوم بالبناء السياسي الديمقراطي قدوة لسائر دول المنطقة. وتبقى الأيام حبلى بما تلد، وكل ما هو آت قريب.

مصطفى كامل - بغداد

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك