Navigation

عام من "المهدوية النووية" والمواجهة الدولية !

الرئيس الإيراني محمد أحمدي نجاد Keystone

مر عام كامل على تسلم الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد لمنصبه بعد انتصاره "المفاجئ" على هاشمي رفسنجاني في الإنتخابات.

هذا المحتوى تم نشره يوم 29 أغسطس 2006 - 11:52 يوليو,

في العام المنصرم، رفعت إيران من سقف طموحاتها الاقليمية والدولية، وزادت من فاعلية دورها في مواقع عديدة، إلا أن نقل ملفها النووي إلى مجلس الأمن، يجعل خيار الضربة العسكرية مطروحا في الأفق.

بعد مرور عام على تسلمه الرئاسة، أطلق الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد موقعه الشخصي على الشبكة العنكوتية وزينه بدعاء الفرج للامام المهدي المنتظر، وهو "اللهم عجل لوليك الفرج والعافية والنصر واجعلنا من أعوانه وأنصاره والمستشهدين بين يديه"، وهو نفس الدعاء الذي بدأ به الخطاب الذي ألقاه في الامم المتحدة العام الماضي، وأثار جدلا داخل إيران، لم يتوقف بعد.

وما ميّـز العام المنصرم من عمر رئاسة أحمدي نجاد، هو الحملة القوية التي قام بها أنصاره في الداخل لما يسمونه "التمهيد" لظهور المهدي.. الامام الثاني عشر لدى الشيعة الامامية، حيث أنشئت عشرات المواقع الأليكترونية وباللغات المختلفة، تتحدث عن "واجبات عصر الظهور"، وتحض على "تهيئة مقدمات ظهور" المهدي المنتظر. وذهب العديد من المفكرين المتخصصين الى الاعتقاد فعلا أن ما نعيشه الآن هو ارهاصات عصر الظهور، وهو مايتردد أن أحمدي نجاد يؤمن به... وبقوة.

"مباركة من المهدي"

إثر عودته من نيويورك، زار الرئيس الايراني منزل آية الله جوادي آملي الذي كان الامام الخميني الراحل وجهه برسالة الى غورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفياتي السابق، حذر فيها من انهيار الاتحاد السوفيتي وتكسر عظام الشيوعية عارضا عليه الاسلام.

في منزله في قُـم، التي تضم ضريح السيدة فاطمة المعصومة، معقل كبار مراجع الدين الايرانيين من آيات الله وحجج الاسلام، أخبر نجاد مضيفة جوادي آملي بقصة وُصِـفت بالغريبة!عندما قال إنه شاهد هالة نور تُـحيط به أثناء إلقائه خطابه في الامم المتحدة، وأن الحاضرين من رؤساء ومندوبين، كانوا مبهوتين وهم يستمعون لديباجته عن المهدي المتتظر، دون أن يرف لهم جفن، بسبب الهالة النورانية!

معارضو أحمدي نجاد ومنافسوه في الداخل، وجدوا فيما تسرّب عن اللقاء المذكور، فرصة لشن هجوم عليه. وذكّر بعضُهم بأن مثل هذه "الادّعاءات" هي من أوجد بعض العقائد المنحرفة في ايران... كالبابية والبهائية.

أبرز من كتب ضد نجاد في هذا الصعيد، كان محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الايراني السابق محمد خاتمي، والذي تناول مؤخرا في موقعه الشخصي على الإنترنت وبشيء من التعريض، إطلاق أحمدي نجاد موقعه الإليكتروني مشيرا إلى اعتقال السلطات والده وشقيقه لنحو شهرين، بتهمة الترويج لفكرة المهدوية، غامزا من قناة الرئيس بإشارته إلى أن أحمدي نجاد هو من أوجد بحديثه عن "الهالة النورانية" فرصا كبيرة لنشوء مثل هذه الأفكار!

شعبية الرئيس!

من الهالة النورانية إلى الطموحات النووية، يشعر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، أن من أهم مقوِّمات التحضير لعصر الظهور، هو إعداد القوة.

ولهذا، عمل الرئيس نجاد على المزاوجة بين دعاء الفرج وبين الآية القرآنية "وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة"، وهو - بالمناسبة - شعار الحرس الثوري في إيران، ليعود أحمدي نجاد إلى خلفيته العسكرية في الحرس الثوري والى رحم الثورة الإسلامية الذي ولد ونشأ فيه، ويعلن تمسكه من جديد بشعارات قائدها ومفجّـرها الراحل، خصوصا شعار "إسرائيل بايد از بين برود" أي "إسرائيل يجب أن تزول".

اليوم، أصبح أحدي نجاد نجما تأريخيا في إيران وفي خارجها، وزادت شعبيته لكي يُقارن بينه وبين "أمير كبير" الذي عمل لرفعة إيران، وإنْ كَثُرَ حُسَّّـادُه لجهة الأصول الفقيرة لكل منهما، رغم الفارق الكبير بين أمير كبير، القريب من نهج العلمانية الوطنية، فيما نجاد مفعـم بروح الإسلام وبالولاء لنهج ولاية الفقيه.

أول من أعيد وصفه بـ "أمير كبير"، كان رفسنجاني بعد أن قاد في عام 1989 مشروعه لإعادة بناء إيران المنتصـرة في حربها مع العراق.

وأمير كبير (الأول)، هو ميرزا محمد تقي خان فراهاني، الذي يُعد من أهم رجال إيران في العصور الحديثة، وهو ابن لطباخ الصـدر الأعظم في أيام محمد شاه. زار روسيا وتقُلد العديد من المناصب في البلاط القاجاري.. وترأس وفد بلاده إلى اتفاقية (أرض روم) مع العثمانيين عام 1847، وبعد وفاة محمد شاه، عينه ناصر الدين شاه صدر أعظم إيران ومنحه لقب أمير كبير.

أما محمود أحمدي نجاد، (يُنطق بالفارسية: محمود أحمدی نزاد)، فقد وًُلد في كرمسار بالقرب من طهران عام 1956، وكان والده يعمل حدادا. أنهى دراساته بحصوله على شهادة دكتوراه في النقل العمومي من الجامعة الإيرانية للعلوم والتكنولوجيا. انضم عند التحاقه بالجامعة إلى "مكتب تعزيز الوحدة الطلابي" و "منظمة الطلبة السائرين على نهج الامام الخميني"، التي قادت عملية احتجاز الرهائن الأمريكيين في طهران عام 1979، لكنه لم يشارك فيها لأن الطلاب الذين شاركوا فى تلك العملية هم من جامعات الشريف الصناعية وأمير كبير والشهيد بهشتى "الوطنية"، ولم يشارك فيها طلاب جامعة العلوم والصناعة التى كان يدرس فيها حينذاك أحمدى نجاد الذي كان يرجّـح اقتحام سفارة الاتحاد السوفياتي السابق.

كانت له مشاركة فعالة في الحرب الإيرانية العراقية مابين 1980 الى 1988 وأصبح محافظا في أردبيل بين سنوات 1993 حتى أكتوبر 1997.

تقدم سنة 2003 إلى الانتخابات البلدية في طهران حاملا لقب "صديق الشعب" وتم انتخابه رغم نسبة المشاركة الضعيفة (13%)، وقد بدأ في مواجهة الحركة الإصلاحية عندما قام بإزالة كل المظاهر الجديدة التي أقرها الإصلاحيون وأدخل العناصر المحافظة إلى الإدارة الجديدة.

بين أمير كبير ونجاد

خلق برنامج أمير كبير الطموح أطيافا واسعة من المعادين المحليين وأثار استياء روسيا وبريطانيا، مما دفع بالشاه الى عزله عام 1851 ثم اغتياله، إلا أن احمدي نجاد زاد رصيده الشعبي في إيران وفي الخارج، عدا القوى الحاكمة، وتعزز نفوذه في المؤسسة الدينية النافذة، الا أن ذلك لم يمنع من بروز أصوات نادت بعرض كفاءته السياسية على مجلس الشورى.

وإذ حرص أمير كبير على تطوير الجيش باستقدام مدربين من إيطاليا والمجر وعمل على تجهيزه بأسلحة حديثة، وسن قانون الخدمة العسكرية الإجبارية، فإن أحمدي نجاد عمل خلال الفترة الماضية على تطوير قدرات إيران العسكرية وسارع في وتيرة انتاج صواريخ وطوربيدات وأسلحة أخرى متقدمة جدا، وقيل إنه حوّل البرنامج النووي المدني الى الحرس الثوري.

على الصعيد الإدراي: عمل أمير كبير على تطهير أجهزة الدولة من الفساد والرشوة وفرض ضرائب شملت حتى الأمراء، وقلص مصاريف الشاه والبلاط وخفض الرواتب وحصل ديون الدولة من الذين استغلّـوا أوضاع انشغالها خارجيا، وهو ما فعله أحمدي نجاد بالضبط حين أعلن الحرب على "مافيا العائلات"، وحارب الفساد بكل أشكاله، وحال دون انجاب حكومته "عائلات نافذة" جديدة.

على الصعيد الاقتصادي: ركّـز أمير كبير على تنمية وتشجيع الصناعات الوطنية وتطوير الزراعة، وعمل على حماية الاقتصاد الوطني، وهذا أيضا اسلوب أحمدي نجاد الذي حذر من الاعتماد كليا على عائدات النفط، وركز على منح القسم الاقتصادي للحرس الثوري العديد من المناقصات النفطية، دون المرور باجراءات متعارفة.

في المجال الثقافي: أنشـأ أمير كبير أول مدرسة ثانوية علمانية باسم (دار الفنون) وكانت تُـدرِّس الطب والهندسة والترجمة والزراعة والعلوم العسكرية، لكن أحمدي نجاد شن حربا على "الغزو الثقافي الغربي" وأمر بإزالة لوحات إعلانية للاعب كرة القدم البريطاني ديفيد بيكام، وهو أول شخصية غربية شهيرة استخدمت في الترويج لسلعة في إيران منذ الثورة عام 1979.

في مجال الاعلام: أصدر أمير كبير أول جريدة رسمية (روزنامة وقائع) واهتم بالطباعة والنشر، إلا أن صاحبنا نجاد أتهم من قِـبل الإصلاحيين بأنه يعمل على قمع الصحافة الحرة حين وجهت الرئاسة شكوى إلى القاضي سعيد مرتضوي، الذي يصفونه بـ "جلاد الصحافة الإصلاحية" ضد الصحف التي تنشر انتقادات للرئيس، مع فارق له دلالة، وهو أن نجاد رفع الحظر الذي كان سائدا في عهد سلفه الإصلاحي محمد خاتمي على مراسلة شبكة CNN الامريكية، الصحفية الإيرانية الأصل كرستين أمانبور. وتعمّـد مرّتين طيلة عام على حكمه، مخاطبة الرأي العام الأمريكي من خلال مقابلتين مع صحيفة US TODAY، وشبكة CBS.

أما فيما يتعلق بدور رجال الدين، فان الفرق واضح وجلي بين الرجلين، لأن أمير كبير قلّـص نفوذهم وأعلن نجاد التزامه الكامل بتعليماتهم، وهو ما تبين حين تراجع عن قرار السماح للفتيات بمشاهدة مباريات كرة القدم امتثالا لرأي مراجع الدين.

أحمدي نجاد من وجهة نظر "إيرانية"، رفع لواء بناء إيران في الداخل على أسس العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والرشوة، وحكومة الاسر النافذة، وأصبح الهجوم على الولايات المتحدة وإسرائيل جزءا لا يتجزأ من خطاباته التي تميّـزت بالحماسة والتعبئة لقتال موعود لتحرير فلسطين.

رفع سقف المواجهة!

طوال عام من حكمه ظل أحمدي نجاد قريبا من الشعب الذي انتخبه على أساس برنامج يجعل الداخل مدخلا لتعزيز مكانة إيران الاقليمية والدولية.

ظل طوال عام مرتديا لباسه التقليدي الذي شجع شركات الأزياء على انتاج سترة بنموذج "أحمدي نجاد"، التي أقبل عليها الشبان التعبويون، وهم يستمعون منه الى خطابات لم يألفوا مثلها في عهد الإصلاحيين.

كان أمام أحمدي نجاد هدف مركزي واحد: إكمال برنامج نووي طموح، ورفع سقف المواجهة مع أمريكا وإسرائيل.

حصل أحمدي نجاد في انتخابات الرئاسة الإيرانية في 25 من يونيو 2005 على نسبة 61% من الأصوات، متقدماٌ على منافسه أكبر رفسنجاني، الذي كان مرشحاُ للفوز بهذه الإنتخابات، وذلك لأنه حافظ على خطاب تعبوي بوتيرة واحدة، وحصل على دعم قوي ومباشر من قادة الحرس الثوري وقيادات قوات التعبئة، رغم مخالفة ذلك للقوانين التي تُـحرِّم على العسكريين مزاولة الأعمال السياسية.

ومنذ تسلمه مهامّـه من قِـبل مرشد الثورة آية الله علي خامنئي، وهو يُقبِّّـل يده بحركة استعراضية في 3 من أغسطس، وأحمدي نجاد لا يخفي التزامه العملي بنظام ولاية الفقيه، بشعارات الأيام الأولى من قيام نظام الجمهورية الإسلامية.

فأمريكا عادت إلى خانة "الشيطان الأكبر"، وزاد عليها نجاد صفة "الظالم الأكبر"، معلنا تشكيل وحدة من الاستشهاديين قِـوامها اكثر من خمسين ألف متطوع تدرّبوا على عمليات انتحارية ضد أهداف أمريكية وبريطانية وإسرائيلية، إذا تعرضت إيران إلى هجوم عسكريٍ.

أمريكا.. أزاحها الاصلاحيون من تلك الخانة إلى رُقعة حوارات عدّة جرت عبر دبلوماسية متنوعة: الرياضة والندوات الثقافية، ولقاءات جمعت أيضا بعض خاطفي رهائن السفارة الأمريكية مع ضحاياهم، لازالة جدار الشك أو على الاقل إيجاد ثغرة فيه، كما كان يُصرح الرئيس السابق محمد خاتمي.

والموقف من عملية التسوية في الشرق الأوسط تغير كثيرا من "معارضة إيران للتسوية وتعهّـدها بتجنّـب العمل على تقويضها"، إلى خطاب مباشر مناهض للولايات المتحدة وإسرائيل، بالإضافة إلى موقفه التصعيدي في النزاع النووي، ولو بلغ ما بلغ من زيادة حجم المعضلات السياسية للجمهورية الإسلامية، التي لم تشهد منذ قيامها هذا الحجم من الضغط السياسي.

توترات تفضي الى انفراج!

في العلاقات مع الخارج، استخدم نجاد اسلوبا مختلفا تماما لما مورس في عهد سابقيه: المخضرم هاشمي رفسنجاني، والمعتدل محمد خاتمي. فقد اختار نجاد المواجهة والتصعيد مع الغرب حينا، والمراوغة والمهادنة أحيانا أخرى، بحيث وٌُصف بالمراوغ الكبير في المقابلة التي سجّـلها مع CBS بعد اعتماد القرار 1701 الخاص بلبنان، فهو رفض الحلول الوسط والانصياع لتهديدات الغرب، كما أنه لم يقتنع بقطعة السكر التي عُرضت على إيران عبر رُزمة الحوافز التي لم يقبلها كحزمة واحدة، مفضلا أن يأتي الحل للأزمة النووية من ضمن رزمة مضادة قدمتها إيران في ردها على حوافز الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا، وتكون حلاّ شاملا فيه التعاون الأمني الاقليمي، وتضمن ايران لنفسها مقعدا حول طاولة القضايا الدولية كلاعب إيجابي لا يصطدم مع المعارضة الأمريكية.

في العام الماضي من عهد أحمدي نجاد، رفعت إيران من سقف طموحاتها الاقليمية والدولية، وزادت من فاعلية دورها الذي يثير مخاوف الغرب من طموحاتها، سواء في العراق او في لبنان وفلسطين وافغانستان، إلا أن نقل ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن، وقد تم في خِـضَـم الانشغال الدولي بالهجوم الإسرائيلي على حزب الله في لبنان، يجعل خيار الضربة العسكرية مطروحا في حرب "مقدسة"، ربما تقع قريبا بعد أن أرتفع دخانها... من لبنان.

نجاح محمد علي - دبي

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.