هل وقع أوباما في فخّ جديد.. روسي هذه المرة؟

الرئيس الأمريكي باراك أوباما Keystone

في كتابه الأخير بعنوان "الهاوي" (The Amateur)، ينقل الكاتب الأمريكي البارز إدوارد كلين عن الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون قوله: "باراك أوباما غير كُـفْء وغير قادِر على القيام بواجبات البيت الأبيض. إنه هاوٍ ولا يعرف كيف يكون رئيساً، كما لا يعرف كيف يعمل العالم". كلمات قاسية؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 سبتمبر 2013 - 11:37 يوليو,
سعد محيو - بيروت, swissinfo.ch

ربما كان الأمر كذلك قبل أشهر قليلة. لكن مواقف أوباما من تطوّرات الأزمة السورية الرّاهنة، جاءت لتؤكّد حسب كثيرين كلمات كلينتون حرفاً بحرف. فهذا الرئيس أثبت أنه يستيقِظ متردِّداً وينام متقلِّبا. يتّخذ قراراً "حاسماً" في الصباح ويغيّره بـ "حسم" في المساء، وهذا جعله وجعل إدارته تتخبّط في كل خطوة قامت بها حيال الأزمة السورية. كما جعل الدولة العظمى الوحيدة في العالم تبدو أشبَه بكُرة تتقاذفها دول كبرى ومتوسطة وصغرى على حدٍّ سواء.

فصول المسرحية

نقطة البداية في هذه المسرحية الأوبامية، التي تجرّأت صحيفة "فايننشال تايمز" اللندنية المتطرِّفة في رزانتها وتحفّظها على وصفها بأنها باتت "كوميدية"، كانت في حس الرئيس الأمريكي تهديده السنة الماضية بمعاقبة النظام السوري "في حال تجاوزه الخط الأحمر الكيميائي"، رغم اعترافه مؤخراً (على لسان وزير الخارجية كيري) أن  النظام استخدم الأسلحة الكيميائية 11 مرة ضد شعبه وأن مجزرة الغوطة لم تكُن سوى الحلقة الأخيرة في ذلك.

ثم توالت بعد ذلك فصول المسرحية: من قرار الرئيس أوباما توجيه ضربة عسكرية سريعة للنظام السوري وقيامه بحشد الأساطيل الأمريكية في الشرق المتوسط استعداداً لذلك، إلى قراره في ربع الساعة الأخير من الموعد المحدّد للضربة التراجع وإحالة الأمر إلى الكونغرس. هذا على رغم أن أوباما كان يعلم سلفاً أنه سيُواجه معارضة شديدة من مجلس النواب الذي يُسيْطر عليه الجمهوريون، وأنه قد يتعرّض إلى هزيمة سياسية نكراء قد تجعله أول رئيس أمريكي في التاريخ يتحوّل إلى "بطة عرجاء" قبل ثلاث سنوات كاملة من انتهاء عهده.

فرنسا تتقدم باقتراح للأمم المتحدة بشأن الأسلحة الكيماوية السورية

باريس (رويترز) - سعت فرنسا يوم الثلاثاء 10 سبتمبر 2013 إلى تولي زمام مبادرة دبلوماسية بشأن سوريا وقالت انها ستضغط من اجل اصدار قرار في مجلس الأمن التابع للامم المتحدة يضع شروطا لسوريا بشأن تدمير اسلحتها الكيماوية ويحذرها من "عواقب وخيمة" إذا رفضت.

وقال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس إن فرنسا ستقدم مشروع قرار يضع شروطا لسوريا ويطالبها بوضع أسلحتها الكيماوية تحت سيطرة دولية والقبول بتفكيكها. وجاء هذا الاعلان بعد يوم من اقتراح مفاجيء طرحته روسيا تسلم بموجبه حليفتها سوريا مخزونها من الاسلحة الكيماوية في خطوة يمكن ان تجنبها ضربات عسكرية أمريكية.

وصرح فابيوس خلال مؤتمر صحفي في باريس بأن مشروع القرار سيكون بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة الذي يشمل اجراء عسكريا محتملا لاقرار السلام وسيطالب دمشق بالكشف "دون تأخير" عن برنامجها الكيماوي ووضعه تحت السيطرة الدولية توطئة لازالته.

وقال فابيوس الذي كانت بلاده من أشد المطالبين بالتحرك ضد سوريا بما في ذلك توجيه ضربات محتملة لقوات الرئيس السوري بشار الاسد "وزير الخارجية الروسي طرح عرضا...هذا لا يمكن استخدامه كمناورة لتغيير (موقفنا)."

واستطرد وزير الخارجية الفرنسي "لهذا قررنا تولي زمام المبادرة. ستطرح فرنسا قرارا في مجلس الامن التابع للامم المتحدة بهذا المعنى وهذا الاجراء يبدأ من اليوم". وأضاف "كل الخيارات مطروحة على المائدة."

وستتضمن مسودة القرار ادانة صريحة للهجوم الكيماوي الذي وقع في 21 اغسطس 2013 على مشارف دمشق وقالت الولايات المتحدة ان قوات الاسد هي التي نفذته وانه قتل أكثر من 1400 شخص. كما سيتضمن ايضا دعوة إلى معاقبة من يقفون وراءه أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وصرح فابيوس بأنه يأمل في الاتفاق على موعد زيارة للصين في وقت لاحق هذا الاسبوع وزيارة أخرى لروسيا أوائل الاسبوع القادم لإجراء محادثات مع الدولتين ولهما حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 10 سبتمبر 2013)

End of insertion

.. والفصل الأخير

وجاء الفصل الأخير الآن، حين وافق أوباما على وضع كل بيضه في سلّة روسيا وسوريا، بعد أن وضعها في سلّة الكونغرس، من خلال موافقته على اقتراح موسكو بوضع الأسلحة الكيميائية السورية في عُهدة الأسرة الدولية.

بيد أن أصغر طالب في أصغر فصل مدرسي، يعرف أن مسألة تخلّي النظام السوري عن أسلحته الكيميائية في مقابل وقْف الضربة العسكرية الأمريكية، ليس وارداً في الواقع، أو هو على الأقل يتطلّب فترة زمنية مديدة. فهذه الأسلحة موزّعة على 60 موقعاً في كل أنحاء سوريا. ولكي يتمكّن المراقبون الدوليون من وضع يدِهم عليها، سيتطلب ذلك وقفاً شاملاً لإطلاق النار في البلاد. وهذا أمر يتطلّب بدوره تسوية سياسية أو في الحد الأدنى بدايات لهذه التسوية، على الصعيديْن الدولي والمحلّي السوري.

علاوة على ذلك، وزير الخارجية السوري وليد المعلّم كان مُبهماً في تعليقه على الاقتراح الروسي. فهو قال إن النظام "يُرحِّب بهذا الاقتراح"، لكنه لم يقُل إنه يُوافق عليه. والفرْق كبير بالطبع بين الترحيب والموافقة.

كل هذا يعني أن أوباما سمح لنفسه أن يقع في فخٍّ روسي - سوري جديد، يبدو أن هدفه الوحيد هو إجهاض التعبِئة الأمريكية الرّاهنة للحرب، وليس تحقيق "اختراق " في الأزمة السورية، كما أعلن أوباما.

والحال، أن هذا الهدف بدأ يتحقّق بالفعل. فمجلس الشيوخ أرجأ فوراً خُطوة التصويت على القرار الإجرائي المتعلّق بمناقشة طلب الإدارة تخويلها توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا. وبالتأكيد، لن يتأخّر مجلس النواب، الذي تُعارض غالبيته أصلاً هذه الضربة، القيام بإجراء مماثل. وكل هذا سيؤدّي إلى إفقاد الولايات المتحدة ورقة الضغط العسكري الثمينة، التي كانت هي أصلاً وراء مسارعة موسكو المُدهشة إلى تلقّف دعوة كيري لنزع السلاح الكيميائي "خلال أسبوع".

الزعامة الأمريكية.. إلى أين؟

حسنا. إلى أيْن الآن من هنا على الصعيدين الأمريكي - الدولي والسوري؟ على الصعيد الأمريكي - الدولي، سيتركز كل اللغط من الآن فصاعداً (والذي ينتظر له أن يكون صاخباً) حول مصير الزّعامة الأمريكية للعالم.

هنا، كانت مجلة الإيكونومسيت البريطانية دقيقة للغاية، حين سجّلت في افتتاحيتها لهذا الأسبوع النقاط التالية:

- فيما كان الشرق الأوسط يتحدّث عن تقلّص الزعامة الأمريكية للعالم، كان أحد أبرز مساعدي أوباما يقول إن الضربة العسكرية المفترضة "ستكون قوية فقط إلى الدرجة التي لن تعرّضنا إلى السُّخرية (... )".

- التطوّرات الراهنة في سوريا ستُحدِّد وتُعيد تعريف موقع الولايات المتحدة (ومعها الغرب) في العالم. فمع التحديات التي تفرضها روسيا وإيران، ومعهما الوزن المتزايد للصين كقوة اقتصادية وحكم سلطوي، ستكون هذه التطورات مؤشراً على مدى "إيمان الغرب" بنفسه.

- العالم بأسْره يراقب ما يجري الآن في أمريكا حيال سوريا. والأصدقاء كما الخصوم، سيشكلون سلوكهم وِفق محصّلات اللحظة الراهنة. ولذا، كان من الحيوي لأمريكا أن تعمل الآن. بيْد أن سلوكيات أوباما، سواء إزاء الكونغرس أو تُجاه الرأي العام الأمريكي والعالمي، لا تصبّ في هذه الخانة.

بالطبع، من المبكّر الآن رصْد السلوكيات الجديدة لروسيا والصين (وربما لأوروبا أيضاً) بعد التخبّطات الأمريكية الراهنة حيال سوريا، خاصة وأن الرئيس الذي سيخلف أوباما، لن يكون بالضرورة متردّداً أو ضعيفاً مثله. لكن ما يمكن قوله وبثقة أن هذه الدول الكبرى اشتمت رائحة الدّم في هذه التخبّطات، وستكون من الآن فصاعداً أكثر استعداداً لتحدّي الزعامة الأمريكية للعالم.

وما ينطبق على الدول الكبرى، يسحب نفسه أيضاً على القوى الإقليمية التي ستبدأ هي الأخرى إعادة النظر في حساباتها وفي تحالفاتها الدولية، وستكون أكثر استعداداً للقيام بمغامرات في محيطها الإقليمي المباشر بهدف جسّ نبض التموضعات الجديدة في النظام الدولي.

مرحلة جديدة؟

هذا على الصعيد الدولي. أما في الداخل السوري، فستكون الصورة أكثر تعقيدا، إذ في حال نجح النظام في تجنّب الضربة الأمريكية، سيبذل بعدها قصارى جهده لإجهاض التحرّك الدولي لنزع سلاحه الكيميائي، حتى ولو صدر قرار في هذا الشأن من مجلس الأمن الدولي، وهو هنا سيستعين، كما يقول خبير عربي بالشؤون الشرق أوسطية، بالخِبرة الإيرانية المديدة في مجال التسويف والمماطلة النوويين.

هذا لا يعني أن احتمال موافقة النظام السوري المبدئية على نزع سلاحه الكيميائي، لن تكون لها مضاعفات داخلية، حتى ولو أدرِجَت في خانة المناورة الملموسة والمحسوسة، إذ أن هذه الخطوة في حدّ ذاتها تعتبر تنازُلاً استراتيجياً كبيراً من قِبَل النظام وتمسّ مباشرة مفهوم السيادة والإستقلال، الأمر الذي قد يخلق شقوقاً في جدار نظام كان متماسكاً حتى الآن.

هذا علاوة على أن أوباما "المتقلّب"، لا يستبعد أن ينقلِب مجدّدا على موقِفه الأخيرة حيال الإقتراح الكيميائي الروسي، خاصة إذا ما أدرك (ولو متأخراً) أنه وقع في فخّ جديد. هذا بالطبع، إلا إذا ما كانت الدبلوماسية السرية الألمانية، التي تنشط الآن للوساطة بين روسيا وإيران وبين الولايات المتحدة، قد قطعت شوطاً من النجاح على الطريق نحو تسوية تتضمّن، إما تنازل بشار الأسد عن السلطة قبل انتهاء ولايته عام 2014 أو تبرئته من تهمة استخدام الأسلحة الكيميائية وتحميل شقيقه ماهر هذه المسؤولية.

على أي حال، يبدو واضحاً أن الأزمة السورية لم تدخل مرحلة جديدة مختلفة كلياً عن تلك التي كانت قبل مجزرة الغوطة الكيميائية وحسب، بل هي أدخلت العالم كلّه أيضاً في مرحلة جديدة. مرحلة قد يُعاد النظر فيها في طبيعة الزعامة الأمريكية، وحتى في معنى النظام الدولي نفسه.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة