تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

عرفات "يتجدد" في رئيس الوزراء

يجد الرئيس عرفات متنفسا في تعيين رئيس للوزراء يخفف عنه الضغوط

(Keystone)

بموافقته المبدئية على استحداث منصب رئيس للوزراء في السلطة الوطنية، يكون الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات قد لبى مطلبا أمريكيا ودوليا وإسرائيليا ما انفكت الإدارات الأجنبية المختلفة تدعوه إليه.

لكن الأمر لا ينتهي بإشارة أن الزعيم الصلب أذعن أو انهار، بل أن الصورة تحمل في ثناياها مساحات أخرى من المناورة.

لعل أحد المسؤولين الكبار في القيادة الفلسطينية أصاب عندما ذهب في توصيف قرار عرفات الأخير حول قضية رئيس الوزراء بالقول، إن "الرئيس يدرك تماما أن هذا هو شهر الموت، وهو إنما يستخدم القضية أداة تكتيكية لعبور المرحلة"، في إشارة إلى تبعات احتمال شن حرب على العراق.

وعلى مدار العام الماضي، ظلت مسألة تعيين رئيس وزراء ذي صلاحيات واسعة في السلطة الفلسطينية تشكل أحد أهم الشروط التي نادت بها الإدارة الأمريكية وإسرائيل قبل الموافقة على استئناف العملية السياسية التي جمدتها السنوات الأخيرة منذ اندلاع الانتفاضة.

وتكثفت الضغوط التي قادتها أوروبا وروسيا وممثل الأمم المتحدة تيري لارسن عن قرب، وإدارة الرئيس جورج بوش عن بعد، خلال الأشهر الأخيرة لإقناع عرفات بقبول الاقتراح وإفساح المجال أمام إعادة الحياة للعملية السلمية وإغلاق الباب أمام احتمالات قيام رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون باتخاذ خطوات "مميتة" في حال اندلاع حرب في الخليج.

وأكّـد المقربون من عرفات أن الرئيس الفلسطيني ظل يناور حتى اللحظات الأخيرة وهو يراقب احتدام المعركة السياسية بين أوروبا والولايات المتحدة حول ضرورات شن حرب على العراق، قبل أن يعطي موافقته المشروطة ضمنا على تعيين رئيس وزراء.

نعم مشروطة

عندما استجاب عرفات أخيرا إلى المطلب الدولي والإسرائيلي بتعيين رئيس وزراء، لم يستخدم مصطلح شروط، لكنه لم يغفل عن التذكير أن المسألة تتطلب سلسلة من الإجراءات قبل ترجمة الأقوال والمبادئ إلى أفعال.

ربما كانت الترجمة الحقيقية لاستحداث المنصب تتطلب أكثر مما تتوقعه إدارة بوش واللجنة الرباعية والدبلوماسي السويدي العريق تيري لارسن، بيد أن شخصا واحدا على الأقل هو عرفات، يدرك الأمر جيدا، وسيظل هناك في مكتبه المحاصر والمدمر يتلقى أدق التفاصيل عن حيرة الجميع المتوقعة في إخراج المسالة من الجلسات الرسمية والتصريحات الصحفية إلى الحقيقة الملموسة.

هناك أولا ضرورة انعقاد المجلسين التشريعي في قطاع غزة والضفة الغربية والمجلس المركزي الذي يتوزع أعضاؤه في أرض الشتات. غير أن انعقاد المجلسين، وإن بدا أمرا سهلا، هناك من العوامل والظروف ما يمكن أن يعرقله، لاسيما احتمال رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون إعطاء إذن بانعقادهما في رام الله حيث الرئيس المحاصر.

ردَّ أرييل شارون على إعلان عرفات بالموافقة على تعيين رئيس وزراء بالتشكك والريبة، وهو انطباع أولي يوحي أن ثمة عراقيل ستؤخر، إن لم تعطل، الاجتماع المنتظر للمجلسين، إضافة إلى أن التدابير القاسية التي تتخذها إسرائيل "خشية اندلاع حرب محتملة في المنطقة"، ستساهم أيضا في تعطيل العملية. علاوة على أن الاغتيالات التي تقوم بها القوات الإسرائيلية ضد العديد من النشطين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، من شأنها أن تثير ردود فعل حادة من طرف المقاومة بمختلف فصائلها، وهو ما سيفسح المجال أمام إسرائيل لتشديد سياسة القمع والتدمير.

إلى جانب ذلك، فإن تعيين رئيس وزراء يتطلب الانتهاء من سلسلة الخطوات الطويلة والضرورية ابتداء من إقرار دستور جديد تقول معلومات "إن عددا من الدول العربية تريد إضافة تعديلات على مشروعه"، وقانون انتخابات جديد وإجراء انتخابات عامة في الضفة الغربية وغزة بما في ذلك القدس.

وهذه مهمة لا يسهل حتى وصفها، والتذكير بالشروط الواجب توفرها حتى الوصول إلى إنجازها، لاسيما الاتفاق على استئناف العملية السياسية، وهي رهن بالخلاف الفلسطيني الإسرائيلي على جوهر خطة خارطة الطريق، وكذلك كيفية تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، الذي يتطلب التوصل إليه اتفاقا، قبل كل شيء مع حركة حماس الإسلامية، وهو أمر تراجعت فرص تحقيقه في الآونة الأخيرة.

مقابل ذلك، تزداد فرص احتمال اللجوء مرة أخرى إلى "مرحلة انتقالية" يجري بموجبها تعيين قائم بأعمال رئيس وزراء وتشكيل مجلس تنفيذي انتقالي، لم تتوفر أي من تفاصيل ملامحه. وحتى يتم ذلك، يتوجب انعقاد المجلسين المركزي والتشريعي تحت سيطرة عرفات التي لا ترفضها إسرائيل والإدارة الأمريكية.

رئيس وزراء المستقبل

وسواء كان المولود المنتظر قائما بأعمال أو رئيس وزراء رسمي ذا صلاحيات واسعة، فإن نظرة سريعة إلى مشروع الدستور الفلسطيني تقول، إن صلاحياته ستنحصر في شؤون الإدارة أكثر من كونها راعية للسياسة العامة والخارجية.

ويحدد مشروع الدستور مهام رئيس الوزراء في توقيع المراسيم التنفيذية والتنظيمية، والسهر على حسن سير إدارات الدولة وتنسيق العمل الحكومي، وتقديم اقتراحات بمشروعات القوانين، والمصادقة على التعيينات في الوظائف في كل الوزارات في المستوى الأدنى ومن الفئات العليا، بناء على تنصيب من الوزير المختص وفقا للقواعد القانونية المنظمة للتعيين في الوزارات وإطار الدولة، وأية اختصاصات أخرى تُـسنَـد إليه قانونيا.

أما الصلاحيات المهمة والحساسة، فإنها ستظل بين يدي رئيس الدولة الذي سينتخب مباشرة من الشعب، على عكس رئيس الوزراء المعين. وحددت صلاحيات الرئيس بموجب المواد التالية، بأنه رئيس الجمهورية يحمي الدستور ووحدة الشعب، ويضمن استمرار بقاء الدولة والاستقلال الوطني، ويضمن السير المنتظم للسلطات العامة، ويمارس اختصاصاته، وتحدد مسؤولياته وفقا لأحكام الدستور، وهو القائد الأعلى لقوات الأمن الوطني، يمثل الدولة في العلاقات الخارجية مباشرة أو بتفويض الوزير المختص بالشؤون الخارجية، أو من يرى في بعض اختصاصاته ويُقر السياسة الخارجية ويوجهها.

ويعين رئيس الدولة سفراء وممثلي دولة فلسطين لدى الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، وينهي مهامهم بتنصيب من الوزير المختص بالشؤون الخارجية، ويعتمد ممثلي الدول والمنظمات الدولية والإقليمية والأجنبية لدى دولة فلسطين.

لكن ذلك لم يمنع من تداول أكثر من إسم يمكن أن يشغل المنصب المنتظر، أبرزهم محمود عباس (أبو مازن)، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والرجل الثاني في القيادة الفلسطينية.

ويحظى أبو مازن بإجماع داخل اللجنة المركزية لحركة فتح التي سيكون لها الدور الأساسي في اختيار رئيس الوزراء، وعرف أبو مازن بأنه مهندس اتفاق أوسلو، وهو على خلاف مع عرفات حول إدارة السلطة الفلسطينية ومن الداعين إلى توقف الانتفاضة.

ويبرز كذلك اسم نبيل شعث وزير التخطيط والتعاون الدولي والمعروف بعلاقته الوطيدة مع المسؤولين المصريين، ويشغل كذلك منصب عضو اللجنة المركزية لحركة فتح.

ومن بين الأسماء المطروحة، سلام فياض وهو وزير المالية في السلطة الفلسطينية الذي يقود برنامج الإصلاح الإداري والمالي في السلطة، وهو من بين القلائل في السلطة الفلسطينية وأركان القيادة الذي ترغب الإدارة الأمريكية في رؤيته يتبوأ منصب رئيس الوزراء، لكن حظوظه تقل لكونه من خارج حركة فتح.

وتشمل القائمة الأسماء المحتملة، مثل منيب المصري الثري الفلسطيني المقرب من عرفات، والذي ساهم بشكل كبير في إرساء البنية التحتية الاقتصادية للمناطق الفلسطينية وتتوزع استثمارات شركاته في مختلف القطاعات الاقتصادية.

واللافت أن اسم أحمد قريع (أبو علاء)، رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني الذي قاد مفاوضات أوسلو السرية، غاب عن قائمة التوقعات.

ثمة أسماء أخرى متداولة خلف الكواليس وفي غرف مغلقة دون التأكد من صحتها مثل، هاني الحسن وزير الداخلية الحالي، والطيب عبد الرحيم أمين عام الرئاسة والذي يشغل أيضا منصب عضو الجنة المركزية وعضوية المجلس التشريعي وشغل طوال سنوات الحكم الذاتي الأولى حتى اندلاع الانتفاضة منسق الأجهزة الأمنية.

ويضيف المسؤول الذي وصف قرار عرفات بقبول تعيين رئيس للوزراء بأنه قرار تكتيكي، أن "الزعيم الفلسطيني وجد في الإعلان عن تعيين رئيس وزراء متنفسا جديدا يعطيه هامش مناورة واسعا وكبيرا في الوقت الذي يعتقد الجميع أنه ضعف وخارت قواه".

هشام عبد الله - رام الله


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×