Navigation

هدوء نسبيّ في مصر.. لكنه قد يسبق العاصفة

مواطن مصري يُطالع جريدة في أحد مقاهي القاهرة Keystone

تعيش مصر هذه الأيام أجواء شديدة السّخونة، ربّما تكون مقدّمة لمعركة فاصلة بين القِـوى السياسية، وثمّة مَن يرى أن أيامَ ما قبل الذِّكرى الثانية لثورة 25 يناير، هي مجرد "الهدوء الذي يسبق العاصفة".

هذا المحتوى تم نشره يوم 21 يناير 2013 - 12:45 يوليو,
د. حسن أبوطالب - القاهرة, swissinfo.ch

فالقضايا محل الصراع السياسي بين حُـكم الإخوان المسلمين وباقي القِوى السياسية ووراءها قطاعات عدة من المصريين كثيرة للغاية. ومما يزيد الأمر سوءا، ذلك التردّي المتتالي للوضع الإقتصادي وتدهوُر مستوى المعيشة للمصريين، والتراجع شِبه اليومي لقيمة العُملة الوطنية، مقابل العُملات الأجنبية وتوقّف الإستثمارات الأجنبية عن المَجيء وخروج بعض كبار رجال الأعمال خارج البلاد، انتظارا لاتضاح الرُّؤية الإقتصادية للحكّام الجُدد أو هروبا من المجهول.

عناوين الغضب اليومي

في سياق متصل، فإن العناوين التي تخرج على المصريين يوميا، كفيلة في حدّ ذاتها أن تدفع الجدل العام والمُعاناة الجماعية واللايقين إلى عنان السّماء. فهناك قرار محكمة النّقض بإعادة محاكمة الرئيس السابق مبارك ووزير داخليته، وبما أثار الجدل حول إمكانية خروجه من محبسه، وانتظار الحكم يوم 26 يناير الجاري في قضية مقتل 76 شهيدا من الشباب، مشجِّعي النادي الأهلي في مباراة كرة قدم جرت قبل عام في مدينة بورسعيد، ومساعي رجال أعمال محسوبين على جماعة الإخوان للمصالحة مع رموز النظام السابق، نظير دفع مبالغ مالية، واستعدادات وتحالفات الأحزاب لانتخابات البرلمان المقبل واقتراب الذكرى الثانية لثورة 25 يناير والتجاذب حول ما الذي سيجري فيها وضغوط الأزمة الاقتصادية على بسطاء المصريين وأغنيائهم في الآن نفسه، وتغييرات في القيادة العُليا للبنك المركزي المصري، وتحركات معلنة للإخوان للتَّغلغُل في المواقع القيادية العُليا والوُسطى في البيروقراطية المصرية، وحوادث قطارات في صعيد مصر أو بالقرب من القاهرة، تحصد قتلى وجرحى كُثر من شباب حديث التّجنيد وتُثير الحزن العام.

محصِّلة الغضب الشعبي

والمحصلة، حالة من الغضب العام وانتظار الفرج لعلّه يأتي مع مظاهرات واعتصامات مُحتملة في ميدان التحرير وميادين أخرى في العديد من المدن الكُبرى في الذكرى الثانية للثورة. هذا الفرج المُنتظر بالنسبة لبعض المصريين، يتمثل في إنهاء حُكم الرئيس الإخواني المُنتخَب محمد مرسي، تماما كما حدث مع الرئيس السابق مبارك، وبالتالي، محاصرة عملية "أخونة الدولة" واستعادة الأمل في الإبقاء على مدنِيَـتها المعهودة.

أما بالنسبة لجماعة الإخوان وتيار الإسلام السياسي عموما، فإن الفرج المُنتظر يتمثَّل في عبور هذه الذكرى بأقل الخسائر المُمكنة والإبتعاد عن المواجهة المفتوحة مع الأحزاب والقِوى السياسية المُختلفة، وبالتالي، الإستمرار في الحكم  والتركيز بعدها على انتخابات البرلمان المُقبل، للحصول على أغلبية المقاعد، وهو البرلمان الذي يُعَـد - حسب كثيرين - الأخطر في تاريخ مصر المعاصر في ظل دستورها الجديد، فإما أن تتركز السلطة في أيدي تيار الإسلام السياسي وتدخل مصر مرحلة أخرى من الإستبداد السياسي بمرجعية دينية، وإما أن تتوزّع السلطات على القِوى السياسية المُختلفة، ويحدُث قدر من التوازُن السياسي والمجتمعي في آن واحد.

مساران متوازيان

الغالب على عمل الأحزاب والقوى السياسية في لحظة ما قبل الذكرى الثانية للثورة، هو التحرك في مسارين متوازيين. الأول، مسار الإستعداد والحشد الجماهيري لذكرى 25 يناير. والثاني، مسار البحث في التحالفات الحزبية المحتملة. وبينما يتّسم المسار الأول بقدْر من الثَّبات النِّـسبي، حيث تجتمع القِوى المدنية على ضرورة النّزول إلى الميادين، يتّسم المسار الثاني بقدر كبير من التغيّر والسيولة والتحوّل الدائم، وهو ما يُجسِّد عدم استقرار الخريطة الحِزبية، سواء لدى تيار الإسلام السياسي أو التيار المدني، قبل أسابيع معدودة من موعد الإنتخابات البرلمانية المقبلة.

وفي اللحظة التي تستعد فيها الأحزاب المدنية، ممثلة في جبهة الإنقاذ (التي تضم أحزاب الوفد والمؤتمر والدستور والتيار الشعبي والتجمع والأحرار المصريين والديمقراطي الاجتماعي وغيرهم) وائتلافات الشباب وحركة 6 أبريل، للخروج في مظاهرات حاشدة وتوجيه رسالة للرئيس مرسي وجماعة الإخوان، بأن مصر لن تتنازل عن هويتها المدنية ولن تقبل بحُكم تُـسيطر عليه أحزاب الإسلام السياسي، تصبح خيارات الأحزاب الإسلامية محصورة في الإحتفال بذكرى الثورة وعدم التصعيد مع الأحزاب المدنية، أو الدخول في مواجهة شعبية معها، ولِـيكُن ما يكون، أو التحرّك في أضيق نطاق ممكن والإلتفاف على المشاهد المستقبلية التي يُروِّج لها البعض، وقِوامها "الإعتصام المفتوح وانتظار التدخّل العسكري، لحسم الموقف لصالح الثورة على حُكم الإخوان"، حسب تصورهم.

رسالتان خطيرتان

في الأثناء، هناك رسالتان وجّههما المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، تكشفان بعض أوجه التغير في أداء الجماعة. الأولى، وجهها قبل شهر وجاءت فيها دعوة لأعضاء الجماعة بالإستعداد للجِهاد والدِّفاع عن المُكتسبات التي حققتها الجماعة ضدّ كل من يعارضها ويعارض الرئيس مرسي. والثانية، وردت في الأسبوع الأول من يناير الجاري، وأعلن فيها الإعتذار عن الأخطاء التي وقعت فيها الجماعة تجاه القِوى السياسية الأخرى، مطالبا إياها بالعودة إلى الحوار والتنسيق بشأن الأحداث الجارية.

وللوهلة الأولى، يتّضح التغيّر في الرؤية بنسبة 360 درجة، وربما لعبت الإنتقادات الحادة التي وُجّهت لمضمون الرسالة الأولى (باعتبارها رسالة تدعو للحرب الأهلية صراحة ودون مواربة) الدور الأكبر في التحول نحو الإعتذار وطلب الحوار مع القوى السياسية المختلفة، وهو الأمر الذي أكد عليه مرة أخرى د. سعد الكتاتني، رئيس حزب الحرية والعدالة من أجل "المصالحة الوطنية العامة".

كِـلا الأمرين لم يُغيِّـرا من موقف المعارضين للجماعة وحُكمها، بل ربّما ساعد هذا التحول في مواقف الجماعة إلى مزيد من اقتناع القوى المدنية بأن المطلوب هو ممارسة مزيد من الضغط الشعبي على الرئيس وعلى الجماعة وعلى مُجمل تيار الإسلام السياسي، وأنه بدون هذا الضغط، فلن يتغيّر شيء.

تضارب في الأهداف

في واقع الأمر، لا بد من القول بأن هناك تضارُبا مشهودا حول الهدف الذي ستنزل من أجله الأحزاب والقوى المدنية إلى الميادين في 25 يناير المقبل. هل هو مجرّد توجيه رسالة للرئيس مرسي وللجماعة باستحالة السيطرة الكاملة على مصر، كما تؤكد رموز كبيرة مثل عمرو موسى، رئيس حزب المؤتمر والسيد البدوي، رئيس حزب الوفد وحمدين صباحي، زعيم التيار الشعبي)، وهم جميعا يؤكِّدون عَلَـنا بعدم وجود نِية لإسقاط رئيس مُنتخب، بل تذكيره بواجبه كرئيس لكل مصر والضغط عليه لكي يُوقِف سياسة تمكين الإخوان من مفاصل الدولة المصرية ومؤسساتها، وأن يراعي مطالب المعارضة في التعديلات الدستورية المُنتظرة، وفي الإنتخابات البرلمانية النزيهة وفي إصدار قانون انتخابات، بلا ثغرات تسمح بالتزوير.

في مقابل ذلك، تركز القوى والتنظيمات السياسية، مثل حركة 6 أبريل والإئتلافات الشبابية والإشتراكيين الثوريين ويساريين وبعض الناصريين، على أن الهدف من النزول إلى الشارع هو بدء مرحلة ثانية للثورة، وصولا إلى إسقاط الرئيس مرسي نفسه، ومن ثم تنصيب قيادة تنتمي للثورة، سواء كانت قيادة جماعية أو قيادة فردٍ يقبله الآخرون عن طيـب خاطر. وفى إطار هؤلاء، يراهن جزء يسير على أن المشهد المتوقَّـع، قد يتضمن مُواجهة شعبية مفتوحة مع القِوى الإسلامية في الشارع، تُسال فيها الدِّماء وينزِل بعدَها الجيش ليحسم الأمر لصالح قِوى الثورة في مواجهة الإخوان.

هذا الرهان لا تؤيِّده الرسائل التي تخرج بين الحين والآخر من القوّات المسلحة على ألسِنة كِبار قادتها، والتي تؤكِّـد على أن المهمّة الكبرى للجيش المصري، هي حماية الشعب والإنحياز له والدِّفاع عن المصالح العُليا للوطن ومواجهة أعداء الخارج وانتفاء النية في العودة مرّة أخرى إلى مُستنقع السياسة والساسة، ويكفي ما جرى في المرحلة الإنتقالية التي استمرت عاما ونصف، وأدار فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة شؤون البلاد ونالته جبال من الإنتقادات والسباب والتشكيك في الوطنية، بل والدعوة إلى إسقاط الجيش كله ومحاكمة قياداته.

30 مليون فرنك سويسري لمصر سنويا في إطار برنامج تعاون

أعلنت كتابة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية يوم 21 يناير 2013 في العاصمة الفدرالية برن أن سويسرا وجمهورية مصر العربية وقعتا يوم 20 يناير الجاري في القاهرة اتفاقا إطاريا يتعلق بالتعاون التقني والمالي والمساعدات الإنسانية.

ويحدّد هذا الاتفاق إطارا قانونيا جديدا لتعزيز التعاون بين الدولتين على إثر الأحداث الناجمة عن الربيع العربي. وخصصت الكنفدرالية لبرنامج التعاون مع مصر ميزانية تقارب 30 مليون فرنك سنويا إلى غاية عام 2016.

  

وأوضحت كتابة الدولة أن هذا الاتفاق سيسمح بمرافقة مصر في مسار إصلاحاتها وتعزيز الشروط الإطارية للتبادلات الاقتصادية بين البلدين، كما يعكس إرادة سويسرا في "المساهمة في التحول الديمقراطي للقاهرة المبني على دولة القانون واحترام حقوق الإنسان".

وأضاف المصدر ذاته أن التعاون المستقبلي بين الجانبين يهدف بالخصوص إلى دعم الإصلاحات السياسية والاجتماعية في مصر، وإلى "إدارة حركات الهجرة وحماية الأشخاص الأكثر ضعفا"، والإسهام في التنمية الاقتصادية للبلاد، "لاسيما من أجل تسهيل توظيف الشباب".

ونوهت كتابة الدولة للشؤون الاقتصادية إلى أن التعاون ينبغي أن يتيح كذلك تعزيز "إدارة الأموال العمومية والقطاع المالي".

وسيشرف هذا الاتفاق الإطاري على مشاريع لكتابة الدولة للشؤون الاقتصادية، والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، والدائرة السياسية في وزارة الخارجية، وإدارة القانون الدولي العام، والمكتب الفدرالي للهجرة.

تم توقيع الاتفاق في القاهرة من طرف سفير سويسرا لدى مصر دومينيك فورغلر، ووزير التخطيط والتعاون الدولي المصري أشرف السيد العربي. يذكر أن الحكومة السويسرية أعلنت منذ 11 مارس 2011 عن قرارها تعزيز التعاون مع بلدان شمال إفريقيا في أعقاب ثورات الربيع العربي.

End of insertion

النقاء الثوري يضرب "جبهة الإنقاذ"

تَعدُّد الأهداف من وراء المظاهرات المُنتظرة في ذكرى 25 يناير، يُصاحبه أيضا نوع من الإختلاف حول الطريقة التي ستدير بها جبهة الإنقاذ الإنتخابات البرلمانية المقبلة، بداية من توزيع الأدوار على الأحزاب ومرورا بوضع وثيقة انتخابية مُشتركة وتحديد مسؤوليات الإنفاق على الحملات الإنتخابية، ونهاية بترتيب القوائم الإنتخابية والحجم النسبي الذي سيتقرّر لكل حزب. وهذه النقطة الأخيرة تحديدا، بدأت تُـثير الكثير من الجدل والإنقسام.

وهناك طرحان في هذا الصدد. الأول، وضع قائمة موحّدة لجبهة الإنقاذ، تشمل كل الدوائر الإنتخابية، وهو ما تعترض عليه بعض الأحزاب صراحة أو ضمنا، مثل حزب الدستور بقيادة د. محمد البرادعي ومنظمات الشباب كحركة 6 أبريل والإشتراكيين الثوريين، انطلاقا من أن هناك أحزابا ورموزا محسوبة على النظام القديم، موجودة في قيادة الجبهة ولا يجب أن تُوضع في قائمة موحَّـدة، يُـفترَض أنها تعكِس أهداف الثورة.

أما الطرح الثاني، فهو وضع قائمتين انتخابيتين، الأولى، للأحزاب التي ترى نفسها ممثّلة للنّقاء الثوري، كالتيار الشعبي والدستور. والثانية، للأحزاب التي تتضمن رموزا من النظام القديم. والقصد هنا، هو حزب المؤتمر برئاسة عمرو موسى وحزب الوفد برئاسة السيد البدوي وأية أحزاب تقبل بعُضوية بعض مَن كانوا في الحزب الوطني المنحل، ولا يُطبّق عليهم قانون "العزل السياسي".

تبعات الإنقسام

لا مفر من الإقرالار بأن لكل من الطرحيْن وجاهته. فالذين يروْن أن الظرف السياسي يتطلب تجميع جُهد وطاقة كل القِوى المدنية في قائمة واحدة، ينطلِقون من أن التفرّق بينهم سوف يصبُّ في مصلحة تيار الإسلام السياسي، وأن المطلوب الآن، هو العمل على الحصول على أكبر نِسبة مُمكنة من مقاعِد البرلمان المُقبل لكل مَن ينتمي للفكرة المدنية والليبرالية، ويمكنه وقف تحوّل البلاد إلى "صيغة أخرى من النظام الإيراني". بَـيْد أن الحالمين بالنقاء الثوري لا يرون الأمور هكذا ويؤمنون بأن الشارع لهم وأن أهداف الثورة لا تتجزّأ ولا يمكن التّنازل عنها، وفي مقدِّمتها إقصاء كلّ مَن عمل في ظل النظام السابق، حتى ولو لم يكُن مرتبطا بفسادٍ أو غيره.

ومن الناحية العملية، فإن انقسام القِوى المدنية في مصر، يعني أنها غيْر قادِرة على تقديم رُؤية مُتقاربة بشأن الخطوات المستقبلية، وهو ما يضيف بطريق غيْـر مباشر لتيار الإسلام السياسي الذي يرى أن جبهة الإنقاذ بكل أحزابها، ليست سوى فقّاعة وفرقَعة إعلامية، وأن ظروفَ تشكُّلها للحشْد ضدّ الإستفتاء على الدستور، لم تعد قائمة، وأنها في أحسن الأحوال قوة موازية، وليست قوة حزبية بديلة قادرة على هزيمة أحزاب الإسلام السياسي، وفي مقدِّمتها حزبيْ الحرية والعدالة وحزب النور السلفي في الإستحقاق الإنتخابي القادم.

في مقابل ذلك، لا تقتصر ظاهرة عدم التجانُس الداخلي والإختلافات الفكرية والشخصية على القوى المدنية وأحزابها. فأحزاب الإسلام السياسي تتعرّض أيضا لنوْعٍ من الإنقِسام على أسُس شخصية، وفي هذا الصدد، تُعدّ حالة حزب النور السلفي الذي خرج منه رئيسه د. عماد عبد الغفور ومعه 150 من القيادات وشكّلوا حزبا جديدا باسم "الوطن"، نموذجا مِثاليا للإنقِسامات الحزبية الشخصية.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.