علاوي انتصر ... علاوي لم ينتصر؟

تعرضت المدينة القديمة في النجف إلى قصف أمريكي عنيف في 19 أغسطس 2004 Keystone

إنجازان وصفهما البعض بالبارزان ومفاجئان، حققتهما حكومة إياد علاوي خلال أسبوعين: الأول أمني، وتمثّل في قرب إنهاء انتفاضة (وإن لم يكن إنهاء ظاهرة) رجل الدين الشاب مقتدى الصدر.

هذا المحتوى تم نشره يوم 20 أغسطس 2004 - 11:59 يوليو,

والثاني، سياسي وتجّسد في تخطي العقبات لعقد المؤتمر الوطني الذي تمخض عن ولادة مثيرة للجدل للبرلمان الاستشاري المؤقت.

الإنجاز الأول، المتمثل في المؤشرات الدالة على احتمال وضع حد لانتفاضة الصدر، بدأت ملامحه تتضح منذ اللحظة التي قرر فيها المرجع الشيعي الأعلى أية الله على السيستاني السفر الى لندن، في النصف الأول من الشهر الماضي. التبرير الذي أعطي آنذاك لهذه الخطوة المفاجئة، هي تعرض أية الله إلى "متاعب في القلب".

لكن توقيت السفر لم يقنع أحدا، فالنجف كانت تحترق، ومقام الإمام علي بن أبي طالب محاصر بالنيران، ومئات القتلى والجرحى (على ما يقال) سقطوا في المجابهات التي اندلعت في طول وعرض القوس الشيعي الممتد من البصرة جنوبا الى بغداد في الوسط.

وبالتالي، بدا سفر السيستاني (أو على الأقل أدى عمليا) الى رفع الغطاء الشرعي الشيعي نهائيا عن مقتدى الصدر، كما عنى أيضا إعادة فرز لوحة الصراع العراقي على أسس جديدة، يقف بموجبها السيستاني إلى جانب إياد علاوي ومعه الأمريكيون، في مواجهة الصدر ومعه الإيرانيين.

هذه الحصيلة تأكدت في مقاطعة حزب الله اللبناني، المقرّب من طهران، للسيستاني في مطار بيروت وهو في طريقه الى لندن وهذا ما أعطى صدقية ما للتكهنات القائلة بأن عملية إعادة الفرز هذه تجري الان بالفعل على قدم وساق، وأن الصراع الايراني – الاميركي في العراق، خرج عن نطاق السيطرة وأصبح علنيا ومكشوفا وسافرا.

فواشنطن وحلفاؤها في بغداد باتوا يعلنون أناء الليل واطراف النهار أن طهران "هي العدو الاول ". وإيران وحلفاؤها الكثر في بغداد (من السنة حسب زعم البعض كما الشيعة) باتوا يستخدمون لغة أسامة بن لادن لوصف الممارسات الاميركية في بلاد العباسيين.

وتبدو أسباب هذا التطور الاخير والخطير عديدة: انطلاقا من فشل واشنطن وطهران في العثور على قواسم مشتركة بينهما في العراق (كما حدث من قبل في أفغانستان)، مرورا بالرغبة الإيرانية المشبوبة في إبعاد الاميركيين عن حدودهم، ووصولا إلى خوف الملالي من أن يؤدي إستقرار الاميركيين في بغداد الى "لا إستقرار" نظامهم في طهران.

بيد أن السبب الأهم يكمن في مكان آخر: اللعبة الكبرى التي يمارسها الايرانيون لمحاولة إسقاط جورج بوش في الانتخابات الرئاسية المقبلة مستخدمين ورقة الصدر. وهي لعبة سبق لهم ان مارسوها بنجاح باهر في أوائل الثمانينات، حين عمدوا الى إسقاط جيمي كارتر الديموقراطي بورقة الرهائن الامريكيين، ثم قبضوا الثمن عدا ونقدا من رونالد ريغان الجمهوري.

بيد ان إنتهاء تمرد مقتدى الصدر، قد يضع بعضا من القيود على هذه اللعبة الكبرى الايرانية.

"الإنجاز" السياسي

أما ما وصفه البعض بالإنجاز السياسي لحكومة علاوي، فهو تحقق مع إختيار 81 شخصا من بين اكثر من 1000 ممثل للتيارات الدينية والسياسية والاقلاوية ليشكلوا (مع الأعضاء الـ19 في مجلس الحكم السابق) البرلمان المؤقت الذي سيشرف على مراقبة أداء حكومة علاوي، ويعد للانتخابات العامة اواخر هذا العام.

هذه الخطوة كانت حقنة قوية في العضل لصالح علاوي، ليس فقط لانها أضفت نوعا من "الشرعية التمثيلية" على حكومته التي عينها الاحتلال الأميركي، بل أولا وأساسا لانها تمت خلال سير العمليات العسكرية الرامية للقضاء على إنتفاضة الصدر في النجف.

فقد ساعد هذا التوقيت على تحويل المؤتمر الوطني العراقي الى طرف مباشر في هذا النزاع، ودفعه الى محاولة التوسط مع مقتدى الصدر، وحين رفض الصدر استقبال وفد المؤتمر، أعطى هذا الأخير ضوءا أخضرا لحكومة علاوي وداعميها الاميركيين لشن هجوم أخير على "جيش المهدي" في النجف. وهذه كانت نعمة حقيقية من السماء لعلاوي.

إلى أين تسير موازين القوى؟

هل يعني هذان الإنجازان (الأمني والسياسي) أن موازين القوى في العراق إنقلبت رأسا على عقب لصالح علاوي والأميركيين؟.

ليس بعد... والأسباب تبدو عديدة:

- انتصار رئيس الوزراء الشيعي علاوي على الشيعي الآخر الصدر، سيتركه وجها لوجه مع الشيعي الثالث الأهم علي السيستاني. وهذا الأخير، وبرغم سياساته المعتدلة التي تميل الى تصديق الوعود الأميركية حول الديمقراطية وحقوق الأغلبية الشيعية، لا يجد نفسه في وضع مريح تحت العباءة الأميركية.

فهو يريد إستقلالا عراقيا ناجزا وسيادة عراقية حقيقية. وهو يبدو مستعدا لاعلان الثورة والتمرد، إذا ما إكتشف في العام المقبل أن الاحتلال الاميركي لن يكون في وارد تحقيق طموحاته.

- وبعد النجف، سيكون على علاوي وحلفائه تحقيق إنتصارات امنية أخرى على عدوين لدودين آخرين: الاصوليين السنة، والقوميين البعثيين في المثلث السني. وهذه لن تكون نزهة سهلة البتة.

ثم ان هناك المشكلة الاكبر المتمثلة في إستيلاد الوطنية العراقية، والتي تقف في وجهها عقبات كأداء.

فهناك أولا، عقبة الإستقطابات الحادة الجديدة التي برزت بعد سقوط صدام حسين، بين الليبراليين والدينيين، والملكيين والقاسميين (أنصار الجنرال عبد الكريم قاسم)، والعروبيين والاسلاميين، والطائفيين والقبليين والعلمانيين.. الخ.

ففي العراق الآن 14 رابطة إتحادية قبلية، وعشرات المؤسسات المستندة إلى الطائفة (أهمها مؤسستا على السيستاني ومقتدى الصدر)، و140 منظمة من كل ألوان الطيف السياسي، و170 صحيفة تتوزع في ما بينها توجهات الرأي العام العراقي.

وهناك ثانيا، الخطر الامني المتصاعد، الذي يدفع كل عراقي الى إلتماس الامان في القبيلة او العشيرة اوالطائفة أو العائلة، خاصة في غياب الاحزاب السياسية القوية.

وهناك ثالثا، الأموال الطائلة التي بدأت تتدفق من دول الجوار وغير الجوار، لتعزيز مواقع فئة طائفية أو مذهبية على حساب فئة طائفية ومذهبية اخرى.

ثم هناك بالطبع الغياب التام لأي مظهر من مظاهر الدولة العراقية الجديدة ، برغم مرور سنة كاملة على سقوط الدولة القديمة. فكيف يمكن والحال هكذا تبلور الوطنية التوحيدية العراقية ؟

أنصار العلاوي يردون على كل هذه التحفظات بالقول أن الانتصارات الامنية، ستقود بعد قليل الى إنتصارات سياسية تعيد الاعتبار للوطنية العراقية في إطار الدولة الجديدة.

الهجوم القادم

حسنا، قد يكون هذا المنطق قويا. لكنه في حاجة الى إثبات، خاصة وان ثمة دلائل على ان إنجازات الحكومة ضد الصدر لن تترجم نفسها بالضرورة الى إنجازات مماثلة ضد البعثيين والأصوليين.

لا .. بل أكثر: يتخوّف الاميركيون الآن من أن يشن البعثيون هجوما شاملا على بغداد، على نمط "هجوم التيت" (أي رأس السنة) الذي شنه الفيتناميون على سايغون العام 1968، للتأثير على نتائج إنتخابات الرئاسة الأمريكية.

على أي حال، ستكون الشهور الثلاثة المقبلة حبلى بالتطورات في العراق، فكل أطراف الصراع المحليين والاقليميين ستكون على سلاحها، وكل أنواع الأسلحة ستستخدم في هذه المعركة.

وهذا يعني، بكلمات أخرى، أن "إنجازي" علاوي الامني السياسي، سيؤديان على الارجح الى تسعير النار العراقية، لا إلى إخمادها.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة