عندما نأت سويسرا بنفسها عن الدول الأوروبية الأخرى

جنود أمريكيون سُعداء بمغادرة محطة القطار في مدينة لوتسيرن للذهاب إلى مكان قضاء عطلتهم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945. آنذاك، سُمح للجنود الأمريكيين بقضاء إجازات جماعية في سويسرا على نفقة حكومة بلادهم كمكافأة على ممارسة مهامهم ضمن القوات المسلحة الأمريكية. Keystone / Str

قبل خمسة وسبعين عاما، عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، كانت العديد من دول العالم في حالة خراب. أما سويسرا، فيمكن القول أنها خرجت من هذه الحرب بأقل الأضرار وبأداء جيد نسبيا. في هذا الحوار الخاص، يُراجع المؤرخ ياكوب تانّر فترة ما بعد الحرب ويُسلط الضوء على عواقبها طويلة المدى على العلاقات بين سويسرا وأوروبا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 يونيو 2020 - 11:00 يوليو,
ياكوب شونهاغن Jakob Schönhagen

swissinfo.ch: أكثر من خمسين مليون قتيل ومدن دمرتها القنابل ومواقع طبيعية مدمرة واقتصادات منهارة وهروب وعمليات طرد على مستوى العالم.. في عام 1945، كانت بلدان بأكملها في حالة خراب. كيف عاشت سويسرا نهاية الحرب؟

​​​​​​​ياكوب تانّر، عضو سابق في لجنة بيرجييه للتحقيق في الأصول المالية لضحايا النازية في البنوك السويسرية، وهو أستاذ فخري في مركز البحوث في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي بجامعة زيورخ. وهو يُعتبر - في سن التاسعة والستين - أحد أهمّ المؤرخين المعاصرين في سويسرا. Keystone / Steffen Schmidt

ياكوب تانّر: ساد شعور بالراحة، وفي كل مكان كانت أجراس الكنائس تدق، كان الزمن شبه معلق، ولم يكن أحد يعرف ما الذي سيحدث. من وجهة نظر اقتصادية، تميزت سويسرا بمبانيها السليمة وصناعتها الفعّالة. في الوقت نفسه، كان الاستقطاب يهيمن على الأجواء، فقد ازدادت النزاعات العمالية منذ منتصف الحرب وبدأ النضال من أجل المستقبل. بشكل عام، تميّزت فترة ما بعد الحرب بانفتاح كبير.

swissinfo.ch: ما هو الدور الذي لعبته سويسرا خلال الحرب العالمية الثانية؟

ياكوب تانّر: لم يكن بمُستطاع سويسرا الإفلات من القوى النشطة في أوروبا. فقد استُخدمت كمنصة للمُبادلات التجارية، وكمركز محوري للذهب، وكنقطة تحشيد لأجهزة الاستخبارات، وكملاذ آمن لرؤوس الأموال الهاربة، وكمأوى للمضطَهدين. ومع ذلك، قررت الحكومة في عام 1942 أن "القارب كان ملآنا" (أي أن البلد لم يعد يتحمّل استقبال المزيد من الأشخاص - التحرير) وأغلقت الحدود بوجه اللاجئين.

swissinfo.ch: العلاقات مع ألمانيا، على وجه الخصوص، كانت مثار جدل وخلافات.

ياكوب تانّر: كانت العلاقات الاقتصادية مع قوى المحور مهمة لسويسرا، فقد كانت تسمح بتخفيف الوطء عن سوق العمل وبمواصلة تشييد قلعة جبال الألب (تحصينات شهيرة للتصدي لأي غزو خارجي للبلاد – التحرير) بفضل المواد المستوردة. لذلك، لم يكن لدى سويسرا مصلحة كبيرة في أن تستمر الحرب. إثر ذلك، تمكّن العديد من النازيين - رغم كل شيء - من الحصول على خطابات إبراء ذمة في سويسرا، ولا سيما فيما يتعلق بمحاكمة نورنبرغ للنازيين.

swissinfo.ch: لم يكن بالإمكان أن يتوقف مثل هذا الصراع الحاد بين عشية وضحاها، ولهذا السبب يدور الحديث عن فترة طويلة ما بعد الحرب. ما هي العواقب التي ترتبت عن هذه السنوات العديدة على سويسرا؟

ياكوب تانّر: لقد تم اتخاذ توجّهات مهمة حتى عام 1948. في نهاية الحرب، توقعت النساء أن يُكافئ التزامهن الكبير (خلال فترة الحرب) بالحصول على حق التصويت. لكن البرلمان حافظ على موقفه المتمثل في أن الديمقراطية مسألة تخص الرجال. في نهاية المطاف، وجدت سويسرا نفسها مع نصف ديمقراطية مُبالغة في تقدير الخدمة العسكرية الإلزامية للرجال ومنعت النساء من التصويت (على المستوى الفدرالي – التحرير) حتى عام 1971.

swissinfo.ch: كما تم أيضا إنشاء هيكل دولي جديد.

ياكوب تانّر: لقد تابعت سويسرا عن كثب إنشاء منظمة الأمم المتحدة. في عام 1920، انضمت إلى عُصبة الأمم وفي عام 1945، كانت تعرف جيدًا أنها تعتمد - كدولة صغيرة محايدة - على منظومة أمنية جديدة على المستوى الدولي. لذلك طُرحت مسألة انضمامها إلى الأمم المتحدة بسرعة. مع ذلك، وعلى الرغم من انخراطها في العديد من المنظمات ذات الصلة (بالأمم المتحدة)، فضلت سويسرا البقاء بعيداً عنها سياسيًا.

swissinfo.ch: وفي أوروبا أيضًا؟

ياكوب تانّر: خلال فترة ما بعد الحرب، أصبحت سويسرا نقطة تلاقٍ للحركات الأوروبية. ولكن على مستوى سياستها الوطنية، اختارت أن تسير لوحدها. فقد كانت الفكرة الشائعة حينها ولا زالت حتى يوم الناس أنه يتعيّن على أوروبا "أن تتسوسر" (أي تصبح منظومة فدرالية مثل سويسرا) قبل أن تتمكن سويسرا من أن "تتأورب" (أي تنضم إلى الاتحاد الأوروبي).

swissinfo.ch: في هذا السياق، لطالما قدمت سويسرا نفسها على أنها "حالة خاصة". لقد اتبعت منذ عام 1945 بالفعل مسارها الخاص بها..

ياكوب تانّر: إن هذه الرغبة في اعتبار الذات استثنائية موجودة لدى جميع الأمم. تبعا لذلك، يمكن اعتبار كل واحدة منها "حالة خاصة". لقد اخترعت سويسرا هذه الخاصية لأنها كانت تتعرض لضغط كبير في عام 1945 وكان يتعيّن عليها تبرير قراراتها. فمن خلال التصريح بأنها "حالة خاصة"، كانت تهدف إلى استعادة حيادها وقد تم استقبال هذه الحجج بشكل جيّد للغاية، خاصة على مستوى السياسة الداخلية.

swissinfo.ch: مع ذلك، كانت هناك العديد من أوجه الشبه مع بلدان أخرى..

ياكوب تانّر: على سبيل المثال هناك المعجزة الاقتصادية، التي لها اسم مماثل في كل البلدان الأوروبية. لقد تطورت مفاهيم دولة الرفاه، وحقوق الإنسان، وحركية التنقل، وسلوكيات الشراء والزواج بطريقة متشابهة على مسار مجتمع الاستهلاك والترفيه الحديث. ولم تكن سويسرا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا اقتصاديًا فقط ببقية أوروبا، فقد أدى تدفق مئات الآلاف من العمال الأجانب إليها إلى جعل النمو الاقتصادي السريع مُمكنًا. وعلى الرغم من حيادها، فقد كانت سويسرا تعتبر نفسها جزءًا طبيعيا من الغرب الحر.

swissinfo.ch: لحظات القطيعة كانت متشابهة أيضًا. وقد حدثت أهمها في عقد السبعينيات..

ياكوب تانّر: أدى انهيار نظام بريتون وودز الاقتصادي في أعوام 1971/1973 والانتقال إلى أسعار صرف حرة إلى وضع الأسس لليورو. في الوقت نفسه، انتهت مرحلة التوسّع (الاقتصادي) التي استمرت لعقود وبرز شكل عالمي جديد للرأسمالية النقدية. كل هذا كان له تأثير على سويسرا وأدى إلى حدوث تغيير جذري في هيكلة السلطة. فقد تآكل النموذج القديم المُراكم للأدوار مع مكاتب موازية في مجالات الثقافة والاقتصاد والجيش والسياسة فيما تم تدويل الإدارة الاقتصادية وملكية الأسهم (في الشركات) بشكل قوي للغاية.

swissinfo.ch: حدث آخر مشترك هو نهاية الحرب الباردة..

ياكوب تانّر: فقط على السطح. فمع تدويل الاقتصاد، كبحت سويسرا جماح مُثلها الوطنية. في عام 1992، تقدمت الحكومة الفدرالية بطلب للانضمام إلى المجموعة الأوروبية، ولكن في نهاية ذلك العام، تمكن اليمين القومي، بقيادة كريستوف بلوخر، من منع سويسرا من الانضمام إلى المجال الاقتصادي الأوروبي بفضل حملة انتخابية اتسمت بالفعالية. تبعا لذلك، تطورت صورة لسويسرا صغيرة إنسانية ومحايدة ومزدهرة مع الاحتفاظ بمسافة ذهنية معينة من الاتحاد الأوروبي، (وهو ما ترتبت عنه) عواقب لا تزال ملموسة حتى اليوم.

swissinfo.ch: وهو ما يقودنا إلى عام 2020 حيث يشعر كثيرون أن القيم والمؤسسات التي ظهرت بعد عام 1945 تتعرض اليوم للهجوم..

ياكوب تانّر: يعتمد ذلك على كيفية تشخيصك للحاضر ولأزمة فيروس كورونا. في وسائل الإعلام، هناك إشارة مستمرة إلى حالة الطوارئ وعدم اليقين الذي ساد خلال الحرب العالمية الثانية. مع ذلك، لا أعتقد أن المقارنات ذات الطابع الحربي مُناسبة. فهذه الاستعارة تؤدي إلى (تقديم) وصفات خاطئة. وبدلاً من ذلك، ينبغي ملاحظة أنه بعد عام 1945 تم تطوير خطة مؤسساتية أساسية وأنها كانت مستقرة بشكل مثير للدهشة. إذ لا تزال الأمم المتحدة، وخاصة منظمة الصحة العالمية، التي تأسست في عام 1948، تلعبان دورًا مهمًا، كما أن فكرة الحوكمة العالمية أضحت أكثر أهمية (وحضوراً) من أي وقت مضى.

مشاركة