Navigation

عندما يصبح رئيس أقوى دولة .. ضعيفا

يواجه الرئيس الأمريكي جورج بوش موجة شديدة من الإنتقادات الداخلية تحد من قدرته على التحرك خارجيا Keystone

مع توالي الفضائح والإخفاق على المستوى المحلي في التعامل مع الكوارث الطبيعية، وعدم الوفاء بمعظم الوعود الانتخابية، تدهورت شعبية الرئيس بوش إلى أدنى مستوى لها منذ انتخابه.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 نوفمبر 2005 - 06:01 يوليو,

وكان من الملفت للنظر في أحدث استطلاع للرأي العام الأمريكي أن نسبة 58% من الأمريكيين اصبحوا لا يثقون في صدق وأمانة الرئيس بوش.

مع أن الرئيس بوش يحاول الإيهام بأنه لا يزال القائد الذي يوجه دفة الأحداث في العالم، ويواصل رفع لواء الحرب الكونية على الإرهاب، فإن الإخفاق في العراق وفي مواجهة الكوارث الطبيعية وسلسلة الفضائح التي تطارد مساعديه وأقرب مستشاري نائبه تشيني، قوضت ما تبقى له من شعبية في الداخل الأمريكي، فيما واصلت المشاعر المعادية للولايات المتحدة مسارها التصاعدي في الخارج.

ومثلما اتسمت فترة رئاسة نيكسون الثانية بعد عام ونصف منها بفضيحة ووتر غيت، وعانت فترة الرئيس ريغن الثانية من فضيحة إيران غيت، وانشغل البيت الأبيض في فترة الرئيس كلنتن الثانية بفضيحة مونيكا ليفينسكي، يتحدث الأمريكيون هذه الأيام عن فضيحة فترة بوش الثانية، والتي يسمونها فضيحة "بليم غيت" إشارة إلى تورط لويس ليبي، كبير مساعدي ديك تشيني، نائب بوش في تسريب إسم فاليري بليم، العميلة السرية في المخابرات الأمريكية إلى الصحافة الأمريكية - وهو ما يعاقب عليه القانون كجريمة فدرالية - للانتقام من انتقادات زوجها السفير جوزيف ويلسن للمبالغات التي لجأت إليها إدارة الرئيس بوش لتبرير شن الحرب على العراق، وتكذيبه لمقولة أن الرئيس صدام حسين وقّـع صفقة مع النيجر لشراء اليورانيوم لاستخدامه في إنتاج أسلحة نووية، واتهامه إدارة بوش بالتلاعب بمعلومات المخابرات لتبرير شن الحرب على العراق.

حرج البيت الأبيض

ومما زاد من حرج البيت الأبيض، أن الصحافة الأمريكية وجّـهت الاتهام في تلك الفضيحة إلى نائب الرئيس تشيني نفسه، وكبير مساعديه الذي اضطر للاستقالة بعد توجيه الاتهام رسميا إليه بالتورط في خمس تهم، منها عرقلة العدالة والإدلاء بشهادات زائفة، والحنث باليمين.

كما يواصل باتريك فيتزجيرالد، المحقق الفدرالي في القضية، التحقيق مع كارل روف، كبير المستشارين السياسيين للرئيس بوش لاحتمال ضلوعه في قضية التسريب، وكذلك تضليل العدالة.

وتعرضت مصداقية البيت الأبيض لضربة أخرى، تمثلت في أن سكوت ماكليلان، المتحدث باسم الرئاسة الأمريكية كان قد نفى تورط أحد من مستشاري الرئيس أو نائبه في قضية التسريب، بل إن الرئيس بوش نفسه كان قد نفى عِـلمه بتورط أي مسؤول في إدارته بتسريب أي معلومات سرية، كإسم عميلة المخابرات فاليري بليم، وتعهد باتخاذ رد الفعل الملائم إزاء أي مسؤول تثبت إدانته، ولكنه عاد فأشاد بإخلاص ليبي وتفانيه في خدمة الوطن، حتى بعد أن وجِّـه إليه الاتهام رسميا، كما يرفض الرئيس بوش، حتى الآن، التعليق على دور مستشاره كارل روف في القضية، رغم مطالبة عدد كبير من أعضاء الكونغرس من الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، بإقالته لكي يتمكن الرئيس من تجاوز سلسلة الفضائح.

تدني شعبية الرئيس بوش

ومع توالي الفضائح والإخفاق على المستوى المحلي في التعامل مع الكوارث الطبيعية، مثل إعصار كاترينا، وعدم الوفاء بمعظم الوعود الانتخابية، خاصة فيما يتعلق بنظام الضمان الاجتماعي ومشاكل الاقتصاد الأمريكي، ثم مسلسل الفشل في العراق، وعدم وضوح الرؤية وتغليب الفكر العقائدي للمحافظين الجدد بأي ثمن ومهما كانت النتائج، والكشف عن سجون سرية تديرها المخابرات الأمريكية في أوروبا الشرقية لتعذيب المشتبه في علاقتهم بالإرهاب، تدهورت شعبية الرئيس بوش إلى أدنى مستوى لها منذ انتخابه، حيث لا يزيد عدد الموافقين على الطريقة التي يؤدي بها عمله كرئيس عن 39% من الأمريكيين، بينما وصلت نسبة المستائين منه إلى 60%.

وكان من الملفت للنظر في أحدث استطلاع للرأي العام الأمريكي أن نسبة 58% من الأمريكيين لا يثقون في صدق وأمانة الرئيس بوش، وأعربت نسبة 59% من الأمريكيين عن اعتقادهم بضرورة استقالة كارل روف، كبير المستشارين السياسيين للرئيس بوش حيث يعتقد 49% من الأمريكيين أنه ارتكب مخالفة ما في قضية تسريب اسم عميلة المخابرات انتقاما من زوجها السفير جوزيف ويلسن.

وقد ألقت هذه القضية بظلال أكبر على قضية أهم تشغل الرأي العام الأمريكي، وهي المأزق الأمريكي في العراق، فطالبت بعض وسائل الإعلام الأمريكية بأن يمتد التحقيق الفدرالي إلى كشف الحقيقة عما إذا كانت إدارة الرئيس بوش قد تلاعبت بالفعل في معلومات المخابرات لتمرير وتبرير قرار شن حرب على العراق، دون أن تكون هناك معلومات تؤكد تهديدا للأمن الأمريكي من أسلحة دمار عراقية مزعومة أو تقديم دليل على تورط النظام العراقي بشكل أو بآخر في هجمات سبتمبر الإرهابية.

وأعربت نسبة زادت على 51% من الأمريكيين عن موافقتهم على الشروع في إجراءات عزل الرئيس بوش من منصبه إذا ثبت أنه ضلل الشعب والكونغرس ليشن الحرب على العراق، وأعرب 55% من الأمريكيين عن إيمانهم بأن الرئيس ضلل الشعب الأمريكي ليبرر شن الحرب، بينما قال 73% ممن استطلعت آراؤهم، إن مستوى الخسائر الأمريكية في العراق لم يعد مقبولا، وأعربت نسبة 52% منهم عن اعتقادهم بأن تلك الحرب لم تسهم في جعل الولايات المتحدة أكثر أمنا في المدى البعيد، بل إن السناتور الجمهوري جورج فينوفيتشي من ولاية أوهايو طالب الرئيس بوش بأن يخبر الشعب بحقيقة الوضع في العراق، وقرأ فقرات من خطاب تلقّـاه من والد أحد الجنود الذين قتل في العراق، واصفا تلك الحرب بأنها حرب غير نبيلة، وداعيا الكونغرس إلى وقف دعمه المالي لمهمة تسئ بشكل بالغ إلى سمعة الولايات المتحدة في الخارج، وتزيد من المشاعر المعادية لها في العالم.

تأثيرات الضعف على السياسة الأمريكية

ولتحليل آثار الوضع الحرج للرئيس بوش على قدرة إدارته فيما تبقى من فترة رئاسته على التعامل مع ثلاثة ملفات رئيسية تهم العالم العربي، وهي قضايا العراق، وعملية السلام وما رفعه كلواء لفترته الثانية من جهود لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير، التقت سويس أنفو بالدكتور عمرو حمزاوي، كبير الخبراء بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي الذي قال: "إن الأثر الرئيسي الأول سينعكس في التحول من الاهتمام بقضايا السياسة الخارجية إلى إعادة التركيز على السياسات المحلية وملفاتها المتعددة".

أما الأثر الثاني - حسب رأي الدكتور حمزاوي، فسيكون "محاولة الاختيار بين نمطين تقليديين للإدارات الأمريكية عندما تتعرض لحالات من الضعف في الفترة الرئاسية الثانية بسبب أزمات داخلية، إما التسرع بمغامرة متهورة في السياسة الخارجية لتغيير الموضوع وتحويل الأنظار، مثلما لجأ الرئيس كلينتن لضرب العراق والسودان للتغطية على فضيحة مونيكا ليفينسكي، أو الانطواء والانعزال والتركيز على تحسين الوضع الداخلي، وهو ما سيضطر الرئيس بوش إلى عمله".

وعلق الدكتور عمرو حمزاوي على تأثير استطلاعات الرأي العام على مكانة الرئيس بوش وقدرته، فقال: "إنه يحاول اكتساب المزيد من المصداقية بطرق شتى، منها اختيار مرشح جديد للمحكمة الدستورية العليا، له خبرات معترف بها، ومسارعته لتكليف كل العاملين في البيت الأبيض بحضور دورات في كيفية الالتزام بأخلاقيات العمل لتلافي نوع الفضائح التي وقع فيها بعض المستشارين، بالإضافة إلى إعادة تأكيد الرئيس على التزامه بمواصلة الحرب بلا هوادة ضد الإرهاب الدولي"، وقال "إن ذاكرة الشعب الأمريكي ضعيفة وتتغير بسرعة مع وضوح الإنجازات. فإذا تمكن الرئيس من تغيير الصورة السلبية الضعيفة حاليا، فستتغير نظرة الأمريكيين له".

أما آثار الضعف الذي تعاني منه رئاسة بوش في فترته الثانية بالنسبة لقضايا السياسة الخارجية التي تهم الشرق الأوسط، فيلخصه الدكتور عمرو حمزاوي فيما يلي:

بالنسبة للملف العراقي: فإن الوضع المتدهور لا يحتمل السكوت عليه، خاصة وأنه يمس الوضع الداخلي، سواء من حيث الخسائر في الأرواح أو عبء الإنفاق العسكري أو إستراتيجية الخروج من العراق، لذلك، فإن بوش، رغم وضعه الحرج حاليا، سيظل مهتما بالملف العراقي حتى يمكن أن يصل إلى وضع يتمكن فيه من إقناع الشعب الأمريكي بأنه أنجز شيئا هناك.

بالنسبة للملف الخاص بعملية السلام: فستتراجع كأولوية على أجندة الرئيس بوش فيما تبقى من فترته الرئاسية، وسينتقل الملف إلى وزارة الخارجية كما يتّـضح من الزيارة التي قامت بها وزيرة الخارجية للمنطقة مؤخرا، و لم يخف الرئيس بوش تخليه عن الالتزام بإقامة دولة فلسطينية خلال فترة رئاسته، فقد أبلغ الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأنه سيعمل على تحريك عملية السلام، ولكن رؤيته للسلام بإقامة دولة فلسطينية تعيش جنبا إلى جنب في سلام مع إسرائيل قد لا تتحقق أثناء فترته الثانية، وأنه واثق أن الرئيس الذي سيخلفه سيلتزم بالعمل على تحقيق تلك الرؤية! وبطبيعة الحال، لم تعد خارطة الطريق قائمة وحلت محلها رؤية شارون للمماطلة، وغزة أولا، وقد تصبح كذلك لسنوات قادمة.

بالنسبة لملف نشر الحرية والديمقراطية: لم تكن الجهود الأمريكية حتى قبل الوضع الحالي للرئيس بوش متماشية مع التصريحات البراقة بتبني نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير، ولم تمارس واشنطن الضغوط المرتقبة لتحريك عملية الإصلاح السياسي في العالم العربي، ولكن يجب ألا يُـخطئ الحكام العرب الحسابات، ويظنون أن تخلي الإدارة الأمريكية عن وعودها بنشر الديمقراطية ستعفيهم من مواجهة الحراك الشعبي الداخلي غير المسبوق في أنحاء عديدة من العالم العربي للمطالبة بالتحول الحقيقي نحو الديمقراطية.

ولعل الخسارة الرئيسية التي سيخرج بها الرئيس بوش من فترتيه الرئاسيتين أنه لم يف، لا بوعوده الداخلية، ولا بشعارته الرنانة التي حاول ترديدها بأنه الرئيس الأمريكي الذي عمل على إقامة الدولة الفلسطينية، أو الرئيس الذي تعهد بالتخلي عن سياسة مقايضة الاستقرار في الشرق الأوسط، بغض النظر عن تخلف المنطقة عن رَكب الحرية والتحول الديمقراطي، والأخذ بسياسة نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير لضمان الأمن الأمريكي.

محمد ماضي - واشنطن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.