تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

عودة مدرسية في ظروف غير عادية!

عودة مدرسية في ظروف قاسية لملايين الأطفال العراقيين

توجّـه هذا الأسبوع في العراق أكثر من أربعة ملايين ونصف المليون طالب وطالبة إلى مدارسهم وجامعاتهم مع بداية العام الدراسي 2003 – 2004

وما بين عام دراسي مضى وآخر يوشك على الابتداء، ثمة العديد من المتغيرات طالت كافة نواحي الحياة الدراسية والعامة.

ما بين التغيير الكبير الحاصل في مفردات المناهج الدراسية، والتغيير الحاصل في توقيت وساعات الدوام المدرسي، والوضع الأمني المُـعقّـد، يقف تلاميذ العراق على عتبات أول عام دراسي بعد الحرب في ظل تواجد الدبابات والمدرعات الأمريكية المنتشرة في بغداد وبقية المدن العراقية.

ومع أن الشعب العراقي، ومن بينه طلاب المدارس تعوّدوا في السنوات السابقة، وخاصة ما بين مطلعي عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي مناظر الحروب وأصوات الانفجارات، إلا أن لهذا العام الدراسي طعما آخرا مختلفا تماما.

فالعراق يواجه صعوبات كبيرة على المستويين المادي والتقني في استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلبة الذين يحتاجون إلى المباني المدرسية والمقاعد والكتب الدراسية والكادر التدريسي المتخصص.

وبعد أن كان العراقيون يُـحمِّـلون الحصار المفروض عليهم منذ عام 1990 المسؤولية في عدم توفير هذه المستلزمات، وبعضها يتعلق بتوريد مستلزمات دراسية أساسية كأقلام الرصاص وأجهزة مختبرية وأجهزة كومبيوتر لمدارسه ومعاهده وجامعاته التي ما تزال تعمل بالطرق التدريسية السابقة والوسائل التعليمية القديمة، فإنهم الآن يلقون بالمسؤولية على الحصار وعلى الحرب التي أحرقت من بين ما أحرقت مدارس وكتب، وغيّـرت العديد من المفاهيم السائدة.

نهاية التدريس العقائدي؟

فقد اختفت من الكتب وقاعات التدريس صور الرئيس العراقي السابق صدام حسين، كما اختفت أقواله وتعاليمه التي كان كثير من الطلاب في أنحاء العراق يرددها مُـكرها عن ظهر قلب، كما اختفى عدد غير قليل من المدرسين من الذين كانوا أعضاء في حزب البعث، الأمر الذي سيُـؤدّي إلى نقص مُـتوقّـع في الكوادر التربوية والتعليمية.

ومن بين التغييرات الجديدة التي سيُـواجهها طلبة المدارس العراقية هذا العام، اختفاء بعض المواد الدراسية بالكامل وإلغاء بعض مفردات المناهج الأخرى. فقد ألغيت مادة التربية الوطنية، وألغيت فقرات من مادة التاريخ لكل المراحل الدراسية، كما جرى حذف العديد من المواد ذات الصلة بالتوجهات القومية التي كان النظام العراقي السابق يعتمدها، وألغيت، على ما يبدو، مراسيم رفع العلم الوطني والسلام الجمهوري التي كانت تجرى صباح كل خميس في ساحات المدارس العراقية.

ومن غير المتوقع أن يتم استبدال كافة المناهج الدراسية خلال هذا العام، إذ أن ذلك يستلزم طبع أكثر من 60 مليون كتاب مدرسي لكافة المراحل ولكافة أنحاء العراق، وهو أمر يستحيل إنجازه في هذا الظرف الذي يمر به العراق.

ويرى تربويون متخصصون أن المناهج العراقية السابقة كانت تعاني تخلفا عن ركب التطور الحاصل في مفردات المنهج الدراسي، حيث يشيرون إلى أن المناهج العلمية التي كانوا يعتمدونها في مرحلة ما بعد التسعينات لم تشهد تغييرا يُـذكر عن تلك التي كانت سائدة في الثمانينات، حيث لم يلمس المتخصصون بالعملية التربوية أية تغييرات جدية في مستوى ومفردات المناهج الدراسية، لكنهم مع إبداء اهتمامهم العالي بضرورة تطوير المناهج الدراسية العراقية لا يخفون قلقهم من تسرب بعض المفاهيم التي لا تخدم الطالب العراقي، ولا تتناسب مع واقع المجتمع العراقي وتقاليده التي تستند بالأساس إلى جملة أعراف وقيم وتعاليم مستمَـدة من الواقع الثقافي العراقي.

ويُـشار في هذا الصدد، أن لجنة عليا تم تأليفها في وزارة التربية العراقية لإعادة النظر في المناهج الدراسية لكافة المراحل، لكن الغريب في الأمر واللافت للنظر أن يترأس هذه اللجنة خبراء أمريكيون يردفهم متخصصون عراقيون، قضى معظمهم السنوات الطويلة من عمره بعيدا عن العراق.

ويرى بعض الخبراء أن هذا التغيير السريع والمفاجئ في المناهج الدراسية قد يُـلحِـق اضطرابا في شخصية الطالب العراقي وانفصاما في رؤيته للأشياء، وهو أمر قد يكتسي خطورة ثقافية واجتماعية إذا لم يتم التعامل معه بقدر عال من الموضوعية والواقعية.

ويُـبدي عبد الله، وهو طالب في الصف السادس ابتدائي، تفاؤله بأن يشهد العام الدراسي الجديد تحسنا في مستوى التدريس وطريقة تقديم المواد العلمية، لكنه يرفض بشكل قاطع التجاوب مع أي منهج دراسي يمجّد قوات الاحتلال الأمريكية، حسب تعبيره. فيما تعرب شقيقته حوراء ذات السنوات الثلاثة عشرة عن فزعها من منظر الآليات الأمريكية التي تجوب الشوارع وتقف بالقرب من مدرستها، وتقول "إن المدرسة لا تحتاج إلى دبابة أمريكية من طراز ابرامز"، مضيفة أن هذه الدبابة تمثل "رعبا حقيقيا" بالنسبة لها ولا يمكن أن تشعرها بالطمأنينة في حال من الأحوال.

ويبدي عدد من أولياء الأمر مخاوفهم جراء تدهور الوضع الأمني في البلاد، ويتوقع أن تشهد مدارس البنات الإعدادية على نحو خاص تراجعا في مستويات الإقبال على الدوام خلال هذا العام، إذ يخشى عدد من الآباء على بناتهم من حالات الخطف والاعتداء التي راجت في الأشهر الأخيرة.

وقد تنبهت بعض إدارات المدارس إلى ذلك، فلجأت إلى تعيين حراس مسلحين بأسلحة خفيفة ينظمون دخول وخروج الطلاب على نحو يسمح بتوفير قدر أكبر من الأمان لهم. فيما يتوقع أن يتم إجراء تنسيق بين إدارات المدارس ودوريات الشرطة التي عادت للظهور في الشارع العراقي أخيرا من أجل توفير حماية على نطاق أوسع للبنات بشكل خاص.

عبء الظروف الاجتماعية الصعبة

ويشار إلى أنه رغم تزايد ظاهرة التسرب من الدراسة، خصوصاً لدى طلبة المدارس الإعدادية والابتدائية الذين يضطرون إلى ترك مقاعد الدراسة والانخراط في العمل بعمر مبكر لتأمين لقمة العيش لعائلاتهم في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها العراق، فإن ثمة حرصاً متزايداً لدى كثير من العائلات العراقية لكي يواصل أبناؤها تحصيلهم العلمي إلى مراحل متقدمة قدر الإمكان.

وتشير الإحصاءات العراقية المتوفرة إلى ارتفاع نسب التسرب الدراسي، خاصة لدى طلبة المرحلتين المتوسطة والثانوية التي يُـضطر الكثير من طلبتها إلى مغادرة مقاعدهم الدراسية إلى ميادين العمل والإنتاج المختلفة، وخاصة في المجالات الصناعية والحرفية وقطاعات الخدمات المختلفة.

وكان النظام العراقي السابق باشر منذ العام الدراسي 2000 - 2001 بافتتاح مدارس مهنية مسائية في جميع أنحاء العراق لتمكين قطاعات عريضة من الطلبة المتسربين، تحت ضغط الحالة الاقتصادية القاهرة التي كانوا يعيشونها بسبب العقوبات التي كانت مفروضة حينها على بلادهم، من العودة إلى صفوف المدرسة وقاعات التعليم، وهي التجربة التي شهدت إقبالا جيدا في عاميها الأول والثاني، غير أنه لا يعرف فيما إذا كان العام الجديد سيشهد استمرارا في هذه التجربة.

وشهدت العديد من المدارس العراقية في الشهر الأخير حملات صيانة وترميم لإخفاء الملامح البشعة التي خلّـفتها سنوات طويلة من الحروب والإهمال، حيث تتهيأ تلك المدارس لاستقبال طلابها بحلة جديدة، لكن عمليات الإصلاح والترميم هذه ما تزال قاصرة عن استيعاب كل احتياجات المدارس العراقية التي تحتاج الكثير، وخاصة في مدن وقرى الجنوب، حيث ما تزال معظم تلك المدارس لا تفي بالحدود الدنيا من المتطلبات الضرورية للعملية التربوية.

ويرى مسؤولون في وزارة التربية العراقية أن العملية التربوية في العراق ستشهد تطورا كبيرا، وتحقق قفزات هائلة على صعيد توفير المستلزمات التعليمية والمناهج المتطورة، وعلى صعيد توفير سبل العناية بالأساتذة والمدرسين، وتقديم كل التسهيلات الكفيلة بتوفير مستوى حياتي لائق لهم، وخاصة في إطار رفع مستوى الأجور وزجهم في دورات تطويرية مكثفة لاستيعاب المفردات الجديدة في المناهج التدريسية، وبما ينعكس إيجابا على العملية التربوية بالدرجة الأساس.

لكنهم يشيرون إلى تدني المخصصات المالية اللازمة لذلك، الأمر الذي سيدفع بوزير التربية العراقي، الدكتور علاء عبد الصاحب العلوان إلى مناشدة المجتمع الدولي من على منبر اجتماعات اليونسكو في باريس إلى تقديم كل أشكال الدعم والإسناد للمدارس العراقية لتنهض بواجبها بشكل صحيح يتناسب والتطور الحاصل عالميا في هذا الميدان.

مصطفى كامل - بغداد


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×