تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

فتش عن النفط بعد تحرير "هجليج" .. توتر كـامـن ومفاوضات معلقة بين الخرطوم وجوبا

بقلم


عمال سودانيون يتفقدون يوم 24 أبريل 2012 أنابيب نقل النفط المحروقة في مدينة هجليج بعد أن تمكم الجيش السوداني من استعادتها من مقاتلي جيش جنوب السودان بعد معارك ضارية

عمال سودانيون يتفقدون يوم 24 أبريل 2012 أنابيب نقل النفط المحروقة في مدينة هجليج بعد أن تمكم الجيش السوداني من استعادتها من مقاتلي جيش جنوب السودان بعد معارك ضارية

(Keystone)

بعد عشرة أيام من احتلال قوات جنوب السودان لمنطقة هجليج النفطية التابعة للشمال، بدأت فى العاشر من أبريل الجاري، عادت الأمور إلى وضعها السابق.

فقد حرر الجيش السودانى المنطقة المحتلة، وقام بقصف جوى لمناطق فى "ولاية الوحدة" التابعة للجنوب، وأعلن الطوارىء على المناطق الحدودية، وتعهد برد أى عدوان محتمل، فى الوقت ذاته بدأت مجموعات فنية فى إصلاح الخراب الذى لحق بالمنشآت النفطية بغية إعادتها إلى العمل بصورة طبيعية.

ووراء ذلك شعور عام فى الشمال بالإنتصار، بل الأكثر من ذلك توعد على لسان الرئيس البشير بأن يتم "تطهير الجنوب من حكم الحركة الشعبية" التى يرأسها سلفا كير، والتى وصفها البشير بأنها "لا تعدو أن تكون حشرة يجب تصفيتها".

مُغامرة غير محسوبة

سلطات جنوب السودان بدت مرتبكة بعض الشي، فمغامرة احتلال منطقة نفطية تابعة للشمال جاءت مفاجئة وبدون مقدمات، وهو ما عكس حالة التوتر الكامنة بين قيادات البلدين والأفق المسدود بشأن تسوية القضايا المعلقة والضاغطة على الجنوب بصور نسبية أكثر منها على الشمال.

بدا الإرتباك أكثر ما يكون فى تفسير عملية الإحتلال العسكرى لمنطقة معروف أنها تابعة للشمال وفقا لحدود الأول من يناير 1956 التي تضمنها اتفاق نيفاشا، وهى ليست محل نزاع قانونى كما هو الحال مثلا بالنسبة لمنطقة أبيى النفطية والتى تعيش فيها قبائل المسيرية العربية وقبائل الدينكا ذات الأصول الإفريقية وكلاهما يزعم انتمائه التاريخى للمنطقة من جهة وتبعيتها لطرف دون الآخر من جهة أخرى.

إذ جاء تفسير سلطة الجنوب لاحتلال هجليج بأسباب متعددة، منها أنها منطقة تابعة أصلا للجنوب، وأن لا انسحاب منها إلا بعد وضعها تحت حماية الأمم المتحدة ونشر قوات دولية لحماية الحدود ومنع الإعتداء الشمالى على أراضى الجنوب، وأنه لا تفاوض مع الشمال إلا بعد استرداد الحقوق النفطية والمالية التى حصل عليها الشمال بدون وجه حق والتى توازي ثمن 1.4 مليون برميل تمت سرقتها، فضلا عن إغلاق الملفات المفتوحة المتعلقة بحقوق الجنوبيين فى الشمال وما يتعلق بها من أمور الجنسية والممتلكات والتعويضات. وورد فى تفسير آخر أن احتلال هجليج ليس سوى مقدمة لاحتلال منطقة أبيى المتنازع عليها.

لكن هذه الأسباب المعلنة وغيرها لم تقنع لا الأمم المتحدة ولا الإتحاد الافريقى، حيث اتفق كلاهما على ضرورة انسحاب قوات الجنوب من هجليج فورا باعتباره "غير قانونى ولا شرعية له"، مع دعوة الطرفين للعودة إلى مائدة المفاوضات لبحث القضايا المعلقة بينهما منذ إعلان استقلال الجنوب فى يوليو 2011، وأن يوقف الطرفان الأساليب العدائية فورا حسب مطالب الإتحاد الإفريقى، والتى رد عليها سلفا كير فى الأيام الثلاثة الاولى من احتلال هجليج بأن لا نية لسحب القوات إلا بعد تسوية القضايا النفطية. غير أن الضغط العسكرى للجيش السودانى الشمالى قلب الموقف تماما لاحقا وبعد أقل من اسبوع، حيث أعلن الجنوب أنه قام بسحب قواته من هجليج.

قضايا مُعلقة ومفاوضات مُجمّدة

القضايا المعقلة هنا عديدة يختلط فيها الإنسانى بالحقوقى وبالإقتصادى وبالنفط وبالتعويضات وترسيم الحدود، وكلها معا تؤدى حال الإتفاق عليها إلى صياغة علاقات طبيعية بين بلدين جارين.

وتشمل هذه القضايا الأموال والممتلكات التي تركها رعايا الطرفين لدى الطرف الآخر، وتحديد الوضع القانونى لما يقرب من سبعمائة ألف جنوبي ما زالوا في الشمال، وتحديد الحصة التى يجب على الجنوب أن يتحملها من جملة الدين الخارجى البالغ 38 مليار دولار (ترفض جوبا المساهمة في تسديدها بدعوى أنها أنفقت على تمويل الحرب على الجنوب)، فضلا عن الخلاف على رسوم تصدير بترول الجنوب عبر أراضي الشمال وموانئه حيث تطالب الخرطوم بـ 37 دولار للبرميل الواحد فى حين يعرض الجنوب أقل من ثلث هذا المبلغ.

وفى المقابل، تصر حكومة الخرطوم على تطبيق اتفاق المناصفة فى عوائد النفط المنتج من الجنوب وفقا لما نصت عليه اتفاقية نيفاشا، باعتبار أن بنية الإنتاج تُوجد في مناطق تابعة للجنوب في حين أن بنية التصدير والتكرير موجودة فى الشمال.

ميراث فقدان الثقة

الأكيد أن ميراث عدم الثقة الناجم عن سنوات الحرب العشرين وسنوات التعثر الستة فى إدارة المرحلة الإنتقالية التى تلت اتفاق نيفاشا 1905 والذى أدى بدوره إلى تطبيق حق تقرير المصير ومن ثم استقلال الجنوب بالنسبة للجنوبيين، وانفصال الجنوب بالنسبة للشماليين، يفسر فشل كل محاولات التفاوض التى تمت فى المرحلة التالية للإنفصال سواء كانت ثنائية أو تحت رعاية الإتحاد الإفريقى. كما يفسر أيضا نزعة الحرب لدى الطرفين التى تظهر بين الفينة والأخرى.  

وإلى جانب غياب الثقة ثمة عوامل أخرى تتعلق بسوء الإدارة وعدم اكتمال مؤسسات الدولة فى الجنوب، والتدخلات الخارجية التى تدفع في اتجاه الصراع والحرب وليس احتواء القضايا الخلافية. والأخطر من ذلك هو ما يتعلق بشعور كل طرف بأنه قادر على الإطاحة بالطرف الآخر عبر التعاون المعلن أو الخفيّ مع المعارضة المسلحة.

ومنذ فترة ظهرت في هذا السياق ملامح التنسيق بين حكومة الجنوب وكل من حركة العدل والإحسان الدارفورية،والجناح العسكري لما يُعرف بـ "الحركة الشعبية - قطاع الشمال" التي تضم بعض أبناء النوبة الذين حاربوا مع الحركة إبان فترة الحرب الأهلية ضد سلطة الخرطوم ويعتبرون أنفسهم المتضرر الأكبر من اتفاق نيفاشا، و"الجبهة الثورية فى الشمال" الهادفة إلى إسقاط نظام الرئيس عمر البشير عبر ثورة شعبية مسلحة.

الفكرة الساذجة

ووفقا لرواية وزير الدفاع السودانى بشأن تحرير هجليج أمام البرلمان فى الخرطوم، فقد أشار إلى أن العدوان تم بتنسيق بين قوات الجيش التابع لدولة الجنوب مع قوات الجبهة الثورية، وأن احتلال هجليج كان مجرد مرحلة أولى من ثلاث مراحل بالإستفادة من أسلوب قتال المرتزقة للسيطرة على مناطق البترول في هجليج ومن ثم تطوير العمليات للسيطرة على مدينة الأبيض، إضافة للسيطرة على إحدى المدن الرئيسية في جنوب كردفان وتأسيس قاعدة انطلاق وتطوير عملياتهم للسيطرة على كامل الولاية ثم تطوير العمليات بعد استكمال المرحلتين الأولى والثانية تجاه العاصمة بهدف تحريك الشارع لتسهيل عملية الإستيلاء على الخرطوم.

وإذا ما صحت هذه الرواية، فإن فكرة تصدير انقلاب عسكرى أو ثورة شعبية للطرف الآخر تبدو أكثر من ساذجة، أو على الأقل قراءة خاطئة للمتغيرات الحاكمة لطبيعة السلطة فى كل بلد على حدة. وفى أحسن الأحوال هى نوع من تكثيف المشكلات للطرف الآخر ولغرض التغطية على المشكلات الذاتية.

هذا النوع من التحليل تؤيده دراسة نشرتها مؤخرا المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات حول "التفكير الإنقلابى الذى يسود بين بعض مسؤولى الجنوب". ووفقا للدراسة فإن قرار حكومة جنوب السودان الذى اتخذته فى يناير 2012 بوقف تصدير النفط عبر أنابيب تمر فى  الشمال كنوع من الضغط على الخرطوم لكى تقبل بمطالب جوبا فى المفاوضات حول القضايا المعلقة وخاصة أموال النفط السابق تصديره، قد أدى إلى نتائج عكسية على الوضع الإقتصادى البائس أصلا فى الجنوب، وساعد على مزيد من الإنكشاف لرئيس الجنوب سيلفا كير وحكومته، خاصة وأن 98% من موارد الدولة مرتبط أساسا بتصدير النفط عبر الشمال، كما أن استيراد السلع الإستهلاكية يأتى أساسا من الشمال.

لذلك ومع استمرار وقف الإنتاج والتصدير، بات الوضع الإقتصادى ضاغطا وبحاجة إلى مخرج سريع، ربما يأتي إما من خلال توتير الأوضاع فى الشمال، أو عبر فتح جبهة عسكرية محسوبة قد تقود مرة أخرى إلى فتح أبواب التفاوض المتعثرة.

عض أصابع متبادل

واستطرادا لهذا النوع من التحليل يمكن ترجيح أن هدف عملية احتلال هجليج كان إيجاد مخرج من أزمة وقف تصدير النفط، عبر إثارة الإتحاد الإفريقى لكى يعيد الإعتبار مرة أخرى إلى جهود التفاوض التى يشرف عليها بين البلدين.

ومع الوضع فى الإعتبار تلك التقارير التى تتحدث عن محاولة انقلابية ضد حكومة سيلفا كير تم افشالها بواسطة استخبارات الحركة الشعبية وعبر انتشار مكثف لقوات الحركة فى العاصمة جوبا، تصبح مسألة ضبط التأثيرات السلبية داخليا لفشل احتلال هجليج وما صاحبها من انتقادات دولية وإفريقية لها الأولوية فى اللحظة الجارية. ولا بأس من ابتداع قصة الإنقلاب الفاشل والتضحية ببعض العناصر التي كانت مسؤولة عن الفشل العسكري فى هجليج. 

   

فى المقابل تبدو مواقف الخرطوم أقرب إلى توظيف هذا الخطإ الإستراتيجي الذي وقعت فيه حكومة الجنوب من أجل إعادة صياغة عملية التفاوض نفسها وبحيث تصبح القضايا الأمنية المتعلقة بضبط الحدود والتخلي عن تأييد الحركات المعارضة فى دارفور غيرها هو الثمن الذي تدفعه حكومة الجنوب بوضوح كامل وبضمانات مؤكدة إفريقية ودولية معا، على أن يتلو ذلك إعادة الإعتبار للإتفاق الخاص بتقاسم عوائد النفط المنتج من الجنوب والمساهمة بجزء من هذه العوائد فى تسديد الديون الدولية التى تتحملها الخرطوم، وربما أيضا الحصول على تعهدات أمريكية وأوروبية برفع العقوبات الإقتصادية.

نحن إذا أمام عملية عض أصابع بين الطرفين لا تخلو من سوء تقدير أحيانا ومبالغة فى الإمكانات الذاتية أحيانا أخرى. تبدو فيها الآلية العسكرية التى بادر بها الجنوب، مجرد بداية، لا يمكن تجاهل احتمال توسعها إلى حرب موسعة نسبيا على حدود البلدين.

في مقابل ذلك، تميل المؤشرات والحقائق على الأرض وظروف الأزمة الإقتصادية - رغم تشدد خطاب الخرطوم - إلى دفع الطرفين نحو إجراء مفاوضات تحت رعاية أفريقية، لأن بديل الحرب كارثي على الطرفين معا.

الصين توفد مبعوثا للسودان وجنوب السودان لتسوية النزاع

بكين (رويترز) - قال مسؤولون في الحكومة الصينية يوم الاربعاء 25 أبريل 2012 ان الصين ستوفد مبعوثها لافريقيا الى السودان وجنوب السودان لحثهما على اجراء محادثات بينما تعمل مع الولايات المتحدة لانهاء قتال حدودي أثار مخاوف من نشوب حرب شاملة.

واتهم جنوب السودان الخرطوم بتصعيد القصف على منطقته الحدودية المنتجة للنفط بعد أن قال انه سينسحب من حقل نفط هجليج المتنازع عليه الذي كان قد سيطر عليه هذا الشهر.

وقال الرئيس الصيني هو جين تاو لرئيس جنوب السودان سلفا كير يوم الثلاثاء 24 أبريل ان على الجانبين العودة للمحادثات. وللصين مصالح نفطية وتجارية كبيرة في كلا البلدين.

وقال ليو وي مين المتحدث باسم الخارجية الصينية في افادة صحفية معتادة "سيزور مبعوثنا الخاص لافريقيا البلدين لمواصلة الحث على المحادثات".

وقال ليو في اشارة الى تشونغ جيان هوا المبعوث الذي عينته الصين حديثا "لقد توجه الى هناك بالفعل في مستهل هذا العام. هذه هي المرة الثانية التي يتوجه فيها الى السودان وجنوب السودان للتشجيع على المحادثات". وأضاف "الصين تشعر بقلق بالغ" مكررا الدعوة للهدوء وضبط النفس.

وذكر ليو دون الخوض في التفاصيل أنه كان من المقرر أن يتوجه كير الى شنغهاي خلال زيارته الصين لكن تقرر اختصار الزيارة.

وفي افادة صحفية أخرى قال كوي تيان كاي نائب وزير الخارجية الصيني ان بلاده تعمل مع الولايات المتحدة لمحاولة انهاء الازمة. وأضاف "لكل من بلدينا مبعوث وهما على اتصال وثيق للغاية."

ومضى يقول "تعكف الصين والولايات المتحدة على حل القضية عبر قنواتنا. ونتمنى أن يؤتي التعاون الامريكي الصيني في هذه القضية ثماره".

وأثار قتال حدودي مستمر منذ أسابيع بين البلدين مخاوف من تفجر صراع شامل في منطقة تضم واحدة من اكبر احتياطيات النفط في افريقيا.

 وانفصل جنوب السودان عن الشمال العام الماضي دون تسوية مجموعة من النزاعات حول وضع حدودهما والمبلغ الذي سيدفعه جنوب السودان الذي لا يطل على أي سواحل لنقل نفطه عبر السودان.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 25 أفريل 2012)

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×