فورة الساسة وصمت الجيش!

الشرطة الجزائرية تواجه نواب البرلمان المتظاهرين يوم الأحد 4 يناير خارج مبنى البرلمان Keystone

قبل أقل من ثلاثة أشهر عن موعد الانتخابات الرئاسية، تعيش الجزائر استقطابا سياسيا حادا بين طرفي نقيض، يدعم أحدهم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، ويعارضه الآخر بكل ضراوة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 07 يناير 2004 - 17:24 يوليو,

أما الجيش فقد رفض الحديث أو التعليق عما يجري، كأنه يريد التأكيد على أن الاستغناء عنه في بلد كالجزائر، مسألة سابقة لأوانها.

أضحت جبهة التحرير الوطني أكبر أحزاب البرلمان الجزائري وبقرار قضائي، حزبا مجمّـدا ممنوعا من العمل، وتحول رئيسه علي بن فليس إلى مواطن جزائري لا حقّ له في مزاولة العمل السياسي تحت تسمية أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني.

أما نواب الأغلبية البرلمانية، فقد انهال عليهم رجال الشرطة ضربا أمام مبنى البرلمان، فكسرت يدا عبد المجيد عطار، وزير الموارد المائية السابق، أما محمد شلبي، النائب عن ولاية قسنطينة فلا زال في المستشفى في حالة غيبوبة تامة.

وعندما رأى نواب جبهة التحرير معاملة كهذه، رجموا وزير الداخلية بوابل من الشتائم التي قلّ أن تُـسمع داخل البرلمان الجزائري، ثم حاول بعض النواب الاقتراب منه لضربه، فأخرجه حراسه الشخصيين من الأبواب الخلفية لمبنى البرلمان.

لم يقل وزير الداخلية شيئا، فيما رفض الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة التعليق على ما حدث، واكتفى بإظهار التأييد الشعبي الذي يحظى به من خلال القناة التلفزيونية الوحيدة التي تحولت إلى جهاز دعائي لا يتوقّـف عن بث صور المؤيدين للرئيس دون غيرهم.

هذا الإصرار الرئاسي على تجاهُـل المعارضة، التي أضحت تضم في صفوفها على نحو غريب "حزب الأغلبية"، حـوّّل الساحة السياسية الجزائرية إلى حلبة صراع بين جهتين، رغم تعدد أفكار التيارات الحزبية. فالمؤيدون لبوتفليقة مُـعجبون بنظرته الأحادية وقوته في إعطاء الأوامر واختصار إبداع المساعدين، أمّـا المعارضون له، فيخشون بعد تعرض حزب جبهة التحرير الوطني للتجميد، وهو حزب الرئيس، من أن يشملهم المثل العربي: "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض".

تجنّـب المُـواجهة

وخوفا من الوقوع في هذا الإشكال، تكتّـلت خلف جبهة التحرير الوطني غالبية الأحزاب الوطنية والعلمانية والإسلامية، كما أعلنت قيادات بارزة دعمها لعلي بن فليس، مثل أحمد طالب الإبراهيمي، زعيم حركة الوفاء المحظورة، والشيخ عبد الله جاب الله، زعيم حركة الإصلاح، والرئيس السابق ليامين زروال.

أما تيارات المجتمع المدني، فقد أعلنت في مُـجملها دعما غير مشروط لعلي بن فليس، وهي الآن تقود حملة لجمع توقيعات مليون ونصف مليون جزائري تُـطالب بوتفليقة بالرحيل قبل إجراء الانتخابات الرئاسية.

بطبيعة الحال، لا يُـمكن لأمرٍ كهذا أن يحدُث، غير أن مجرد وقوعه قد يُـزعج الرئيس الجزائري الذي لم يجد لحدّ الآن أيّ حل لإشكالية رغبته في حكم البلاد على طريقة الرئيس الراحل هواري بومدين في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي عندما كان الرجل الفرد هو الآمر والناهي، وبين الفترة الحالية التي تعرف فيها الجزائر تيارات سياسية وصحافة لا تقولان فقط لا للرئيس، بل تطالبه بالرحيل.

وتؤكّـد المعطيات العملية أن مستشار بوتفليقة الأول، وهو شقيقه سعيد، نصحه بعدم مواجهة التيارات السياسية بشكل مباشر والعمل بدلا من ذلك على إيجاد مؤيدين له من داخل صفوف التيارات السياسية نفسها.

لذلك، كثر في الآونة الأخيرة ما يسمّـى بالحركات التصحيحية داخل الأحزاب والمنظمات الأهلية، مثل جبهة التحرير الوطني، وحزب التجديد، والاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية. كما ازداد عدد الصحف الجزائرية بشكل لافت، وبرزت عناوين جديدة كالفطريات تشترك جميعها في تأييد الرئيس الجزائري.

من جهة أخرى، انقسمت الصحافة الجزائرية إلى مؤيد لبوتفليقة ومعارض له، لدرجة أن يومية "الخبر"، نشرت رسالة بعث بها مدير أسبوعية "الأسبوع المغاربي" إلى وزير الخارجية عبد العزيز بلخادم، وهو زعيم الحركة التصحيحية المؤيدة لبوتفليقة، قال فيها: "نريد منكم منحنا المزيد من الصفحات الإشهارية، ونحن نضمن لكم دعم حركتكم عبر كتاباتنا"!!

جهوية وعرقية ومخاوف

الأغرب من هذا كله هو إعلان القاضي عبد الحق بوبطرة عن استقالته من منصبه، رغم أنه القاضي الوحيد الذي تجرأ وأوقف جبهة التحرير الوطني عن العمل. وقال في بيان له بأنه سئِـم من مضايقات الصحفيين، ووصفهم له بالعميل للنظام، وأكّـد بوبطرة أنه لا يمكنه مواصلة العمل وسط هذه الظروف.

أما العارفون بخبايا الأمور، فيؤكدون أن استقالة قاضي محكمة الجزائر تهدف إلى تضييع المزيد من الوقت، ومنح الحركة التصحيحية المؤيدة لبوتفليقة فرصة أطول كي تتحرك سياسيا باسم جبهة التحرير الوطني، رغم أن تحركا كهذا غير مقبول قانونيا لأن الجبهة مجمّـدة ولا يمكن لأعضائها القيام بأي عمل سياسي.

ووسط هذا الأخذ والرد، خرجت للعلن نعرة الجهوية والقبلية، وانقسم المؤيدون لبوتفليقة والمعارضون له بين سكان شرق وغرب البلاد، لأن بن فليس من الشرق، وبوتفليقة من الغرب، أما القبائل فبعضهم يؤيد هذا، والبعض الآخر يؤيّـد ذاك.

ويخشى المراقبون من أن تتحوّل هذه الجهوية إلى مواجهات عرقية لم تُـحرّك أمامها وزارة الداخلية ساكنا، بل اعتبرتها شيئا طبيعيا، رغم أنها قد تعصف باستقرار البلاد من الأساس نتيجة بالشعور المتبادل بالحرمان من الجانب الآخر.

وهناك من المراقبين من يرى أن ما يحدث شيء إيجابي، لأنه لم يخرج بعد عن نطاق السيطرة. فالنزاع السياسي الحالي لم يتحول إلى أعمال عنف، وقد تستفيد منه الجزائر باعتباره درسا من دروس مسيرة التقدم نحو الديمقراطية وحرية الرأي.. الطويلة.

دليل ذلك أن الجيش لم يتدخل في النزاع القائم وفضّـل الالتزام بالحياد المطلق، بما أن أمن البلاد لم يتعرض للخطر أو لأن وزارةالداخلية لم تعجِـز بعدُ عن التعامل مع الفوضى والمواجهات القائمة بين الأحزاب السياسية.

في نفس الوقت، يُـعتبر صمت الجيش أفضل وسيلة لتغيير الأساليب القديمة في تعيين رؤساء الجزائر، وربما يكون بوتفليقة أول ضحايا هذا الأسلوب الجديد وقد يكون وقعه عليه ثقيلا، لأنه من خرّيجي المدرسة القديمة التي لا تؤمن بغير الولاء المطلق من قبل الجيش والمجتمع المدني.

وفيما لا زالت تفصلنا ثلاثة أشهر عن موعد الانتخابات الرئاسية، إلا أن الحديث بدأ منذ الآن عن التحالفات المحتملة في الدور الثاني، نظرا لأن استطلاعات الرأي التي أُجريت في الآونة الأخيرة أظهرت أنه ليس بإمكان أي مترشح الفوز بالأغلبية في الدور الأول.

لذلك، لا يستبعد كثيرون أن تصبح الجزائر أول بلد عربي لا يُـعرف فيه إسم رئيس الدولة قبل موعد إجراء الانتخابات بأشهر عديدة.

هيثم رباني - الجزائر

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة