Navigation

فى أصول "الممانعة" العربية المستجدة

واجهت وزيرة الخارجية الأمريكية معارضة واضحة بشأن مسألة الدعم لحكومة حماس من طرف زعماء الدول العربية في جولتها الخيرة (الصورة: ندوة صحفية مشتركة مع نظيرها السعودي في الرياض يوم 22 فبراير 2006) Keystone

اندهش كثيرون حين عرفوا أن القادة العرب الذين التقوا وزيرة الخارجية الأمريكية فى زيارتها الأخيرة لعدة دول عربية، لم يستجيبوا لطلباتها، سواء ما يخص حركة حماس أو الموقف من إيران.

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 مارس 2006 - 14:39 يوليو,

بل إن إعلان الخلاف بدا متعمدا من قبل المصادر العربية، وكأن الأمر يحمل نبرة تحد من نوع ما. فما هو السر يا ترى؟

بيد أن التمعن فى الأمر يكشف عن مجالات وقضايا يصعب على أى قائد عربى أن يتجاوز فيها خطوطا معينة، كما أن تباين المصالح وتقدير مخاطر السياسة الأمريكية على أمن المنطقة كان سببا آخر.

لم تأت رايس إلى المنطقة إلا لتحصل من قياداتها على تعهدات تناسب المواقف الأمريكية بشأن عزل حركة حماس والالتزام بعقاب الشعب الفلسطينى، وأيضا عزل إيران والتماهى مع رغبة البيت الأبيض فى التحضير لمغامرة عسكرية ضد برنامجها النووى الذى لم يثبت حتى الآن انه بصدد إنتاج أسلحة نووية غير مشروعة.

هكذا كان هدف جولتها التى شملت مصر والسعودية والإمارات ولبنان. لكنها خرجت كما يُقال بخفى حنين فى المحطات الثلاث الاولى، أما المحطة الرابعة فبان فيها الانقسام اللبنانى حول مصير رئاسة لحود، ومن استقبلوا رايس أو من قامت هى بزيارتهم فقد كانوا فى الأصل وما زالوا على الخط الأمريكى، أى ضد سوريا والرئيس لحود وحزب الله معا. ومن ثم فلم تحمل زيارتها دلالة معينة سوى أنها زيارة "نافخ الكير".

حساب البيدر وحساب الحقل

فى المحطات الثلاثة الأخرى قاسم مشترك يتجلى فى صداقة وعلاقات قوية مع القوة الاولى فى العالم المعاصر، ومع ذلك فإن حسابات البيدر لم تكن كحسابات الحقل. والمتوقع طبعا أن تأتى رايس ومعها أجندة أمريكية خالصة، وإن جاءت بغير ذلك لظهر الأمر على غير حقيقته. والأجندة الأمريكية معلنة ومعروفة، وتتكون من خمسة ملفات كبرى.

أولها ملف حماس، التى هى فى العرف الأمريكى منظمة إرهابية تستحق العقاب والعزل والمقاطعة، ومعها كل من أيدها من الفلسطينيين الذين صوتوا لقائمتها فى الانتخابات الفلسطينية التشريعية الأخيرة. وبالتالى فلابد من عزلها ومنعها من تولى الحكومة الفلسطينية، وأن تقبل ـ أى حماس ـ صاغرة الشروط الإسرائيلية فى الاعتراف ونبذ المقاومة قبل أن يتعطف عليها قادة إسرائيل بأى شئ، وأن على العرب أن يقطعوا كل اتصال ممكن معها ويمنعوا عن أى حكومة تشكلها كل دعم اقتصادى وسياسى ومعنوى.

ملفات الاختلاف

أما الملف الثانى فتعلق بإيران، ويتلخص فى سعى واشنطن لحرمان طهران من أن تحصل على أى تقنية نووية سلمية أو غيرها، تحت زعم أنها بلد يرعى الإرهاب وأن برنامجها ـ رغم خضوعه للتفتيش الدولى الصارم ـ سيقود حتما إلى إنتاج أسلحة نووية. ومن ثم فلابد من معاقبة طهران وعزلها وقبول مبدأ ضربها عسكريا حين ترى الولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل إمكانية ذلك.

أما الملف الثالث فتعلق بجهود الإصلاح السياسى، ورغبة واشنطن فى دفعها وفقا للمعايير الأمريكية باعتبار أن ذلك يدخل فى صميم المصالح الأمريكية الكبرى بعيدة المدى من جهة، وفى قلب مشروعها لإعادة بناء الشرق الأوسط عبر نظرية الفوضى الخلاقة من جهة أخرى.

ورابعا ملف العراق، وأهداف واشنطن فى تشكيل ضغط عربى يصب لصالح العملية السياسية التى ترعاها بنفسها من جهة، والحصول على التزامات عربية بارسال قوات عربية لتحل محل القوات الأمريكية التى قد تترك المدن والقرى العراقية إلى قواعد شبه دائمة أو ربما تعود إلى الوطن من جهة ثانية. وأخيرا ملف الضغط على سوريا ودعم مطالب قوى ما يعرف بـ 14 مارس لتطبيق القرار الدولى 1559، وفق الرؤيتين الأمريكية والفرنسية.

هذه الأجندة الأمريكية ليست بخافية على أحد، والإشارات الصادرة من المنطقة قبل الزيارة بوقت طويل كانت تقول أن المنطقة ليست على استعداد لان تكون جزءا عضويا فى آليات تنفيذ هذه الأجندة، لأنها ببساطة تضر المنطقة وتقلبها رأسا على عقب، ولا تحمل أى شئ ايجابى لها، وأن ثمنها كبير جدا على أهل المنطقة إن قبلوا بها، وأن جزءا من هذا الثمن يكمن فى هز شرعية النظم التى قد تقبل بها، فى وقت تزداد فيه الضغوط الداخلية من أجل الإصلاح السياسى الشامل وفق رؤية وطنية محلية وليست مستوردة من هنا أو هناك. وهكذا كان الأكثر احتمالا أن تعود رايس بلا مقابل تقريبا، اللهم الاستماع عن قرب لتقديرات أهل المنطقة، الذين هم أدرى بشعابها.

تفسيرات ممكنة وعقلانية أيضا

وهناك من التفسيرات ما يمكن قولها فى هذا السياق، فإلى جانب التقييم السائد فى المنطقة بأن الولايات المتحدة لا تضع فى حسبانها سوى المصالح الإسرائيلية وحسب، ولديها بشأن القضايا العربية والإسلامية معايير مزدوجة وثلاثية وما هو اكثر من ذلك أيضا، وأن مصداقيتها لدى الشعوب العربية تقترب من الصفر تقريبا أو ربما أدنى فى بعض الحالات، هناك أيضا حسابات عقلانية بحتة منها: طبيعة القضية الفلسطينية لدى الشعوب العربية عامة، وبعض البلدان خاصة، ومنها مصر والسعودية، فالأولى تعتبر أن القضية الفلسطينية جزء عضوى فى أمنها القومى، والثانية تؤمن بأنها قضية ذات بعد إسلامى يشتبك بقوة ويتداخل مع أسس شرعية الحكم السعودى ذاته.

ولا يُتصور فى حال كهذا أن يستجيب أحد لطلبات رايس المشار إليها. فحماس اختارها الشعب الفلسطينى بكل حرية وهى فى العرف والقناعة العربية حركة تحرر وطنى من حقها أن تقاتل المحتل وأن تحارب من أجل حرية وطنها والدفاع عن مقدساته. ولو تصورنا أن هناك من العرب من تماهى مع الموقف الأمريكى المُطالب بعزل ومقاطعة حماس، لجاءت النتيجة المباشرة متمثلة فى تآكل الشرعية والأمن الوطنى على السواء. ناهيك عن أن بلدا كمصر بما لها من علاقات مع كل أطراف القضية الفلسطينية، بما يفيد دورها الإقليمى ككل ويفتح أبواب لهذه الأطراف الفلسطينية نفسها للتفاوض والهدنة ونقل الأفكار وهكذا، فهل يعقل أن يتخلى أحد طواعية عن مصدر قوته دون مقابل سوى التراجع والنقمة؟.

لم يكن رفض البلدان الثلاث لمطالب رايس نهاية المطاف، فقد سمعت أيضا نصائح ومطالب مضادة بأن تغير واشنطن سياستها تجاه حماس خاصة والفلسطينيين عامة، وأن تعيد النظر فى مسألة قطع الدعم الاقتصادى والانسانى عن الفلسطينيين، وان تمنح الجميع فرصة من الزمن ليتأملوا وضعهم الجديد بما فى ذلك قادة تل أبيب أنفسهم، ويتعاملوا مع الواقع بكل أبعاده.

مطالب عربية مضادة

المطالب المضادة انتقلت أيضا إلى الملف الإيرانى، الذى شهد بدوره تأكيدات عربية تمثلت فى أن المطلوب هو متابعة وحلول سياسية للبرنامج النووى الإيرانى، وان التفكير فى عمل عسكرى هو ضرب من الجنون والحماقة معا. فإن ضربت إيران فسيفتح باب الجحيم فى المنطقة ككل، لاسيما وان الشيعة منتشرون فى بلدان الخليج. ومن ثم فإن المطلوب حسب المعايير السائدة فى الإقليم هو النظر بجدية فى مشروع لإخلاء المنطقة ككل من أسلحة الدمار الشامل، وعدم استثناء إسرائيل بأى شكل كان.

وبالمثل، وفى الملف العراقى تضمنت المطالب العربية أهمية أن يكون الدور الأمريكى فى المرحلة المقبلة مانعا بحق لحرب أهلية أو فوضى شاملة فى العراق، وأن تحول دون تهميش طرف لحساب آخر، وان تستمع إلى كل الأصوات الموجودة فى البلاد. أما إرسال قوات عربية إلى العراق فيبدو مبكرا جدا التفكير فيه الآن.

والمرجح أن رايس قد سمعت أن هناك مبادرة عربية، مصرية سعودية بالأساس، مطروحة منذ فترة، بهدف رأب الصدع المتفاقم بين سوريا ولبنان، شريطة أن يتفق اللبنانيون أولا فيما بينهم حول ماذا يريدون بالضبط، وهل يقبلون اليد العربية الممدودة لهم من أجل أمنهم واستقرارهم أم لا؟، ولكنها عادة أمريكا حين حاولت رايس أن توحى فى محطتها البيروتية أن تلك المبادرة تستهدف الضغط على سوريا ومؤيديها من أجل الإذعان للشروط الأمريكية. وهو إيحاء أقرب إلى الكذب الصراخ.

وبعض الذين رأوا تعبيرات رايس عند خروجها من مقابلة الرئيس مبارك، وعند التصريحات الصحفية لوزير الخارجية السعودى سعود الفيصل الذى أعلن فيها تمسك بلاده بدعم الحكومة الفلسطينية أيا كان من يقودها، أدركوا أن الوزيرة جاءت لتحرث فى بحر هائج، فعادت خائبة الآمال، فيما بدا أن الممانعة العربية فى كثير من القضايا ليست حلما أو وهما كما يروج البعض، لاسيما إذا كانت هناك إرادة تستند إلى مصالح حقيقية لا يجوز ولا يمكن التفريط فيها.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.