فيروس كورونا يُعيد طرح مسألة الديمقراطية الرقمية

الأعضاء المنتخبون في البرلمان السويسري مُلزمون حاليا - حتى في حالة تفشي وباء - بالتواجد حضوريا في قاعة المناقشات كي يتمكنوا من الإدلاء بأصواتهم، كما كان عليه الحال (في هذه الصورة التي التقطت يوم 16 يونيو 2020) خلال الدورة الصيفية للبرلمان الفدرالي التي انعقدت استثنائيا في قصر المعارض في العاصمة برن. Keystone / Peter Klaunzer

في ظل الجائحة التي نجمت عن انتشار فيروس كورونا المستجد، تشقّ فكرة مشاركة النواب في الجلسات البرلمانية عن بُعد طريقها في سويسرا. فهل سيُفيد ذلك التصويت الإلكتروني أيضا؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 17 يوليو 2020 - 11:00 يوليو,
جيروم فافر

تأجيلُ اقتراع وطني لمدة أربعة أشهر، وتعليقُ جمع التوقيعات لفائدة المبادرات الشعبية، وإلغاء جلسات برلمانية.. لقد شكّل فيروس كورونا أيضًا اختبارًا للديمقراطية السويسرية. وفي محاولة لتجنّب الاضطرار إلى إلغاء جلسات البرلمان الفدرالي مرة أخرى، كما حصل في شهر مارس المنصرم، ستنكب لجنة المؤسسات السياسية التابعة لمجلس النواب (الغرفة السفلى) على دراسة إمكانية وجدوى اعتماد عدد من الإجراءات من بينها نظامٌ للتصويت الإلكتروني عن بعدُ للمُنتخَبين.

في 26 يونيو 2020، قدمت اللجنة المماثلة التابعة لمجلس الشيوخ (الغرفة العليا) دعمها لعملية التفكير التي اقترحها النائب الليبرالي الراديكالي (يمين) داميان كوتّييه، الذي لفت إلى أن هذا الإجراء سيكون مقتصرا على فترات الأزمات فقط، وقال موضحا: "لو تعرّض نوابٌ مُنتخبون للإصابة، أو اضطُر عدد من البرلمانيين للمكوث في الحجر الصحي دون أن يكونوا مرضى، أو تعذّر على أشخاص مُهددين صحيا أو على ممثلين لجهات بأكملها من الحضور شخصيا (في مقر البرلمان)، لحصلت لدينا مشكلة تتعلق بالتمثيل لأنه لم يكن بإمكان هؤلاء المُنتخَبين المشاركة في التصويت". وينطبق ذلك أيضًا على حالة وقوع كارثة طبيعية تمنع، على سبيل المثال، نواب بعض الكانتونات من التحول إلى برن.

هذا السؤال طُرح أيضًا في البرلمان المحلي لكانتون فريبورغ، الذي تخلى في البداية عن تنظيم دورته العادية في شهر مارس، لكنه عقد جلساته في شهر مايو مع السماح لأربعة مُنتخبين "في وضعية صحية خطرة" بالتغيّب جسديا ولكن بالحضور فعليًا في الأشغال. فقد استخدم المجلس التشريعي تطبيق اتصال تشاركي من أجل تمكينهم من المشاركة في التصويت، "بل هناك نائب تدخّل في الجلسة العامة انطلاقا من منزله"، كما تقول كيرتانا فيكراماسينغام، رئيسة برلمان فريبورغ التي أضافت أن "الحالة الوحيدة التي لم نتمكن من إتاحة التصويت بشأنها عن بُعد تعلقت بحالة الجلسة السرية لأنه ليس بالإمكان التأكد من أن الشخص يتواجد بمفرده خلف شاشته". في المقابل، سمح اعتماد نظام مُزدوج للتثبت من الهوية وإفراد هؤلاء المُنتخبين الأربعة بمُدققة تتابع عملية مشاركتهم في التصويت بضمان السير الجيّد للدورة البرلمانية.

نفَسٌ جديد للتصويت الإلكتروني؟

في نفس الفترة، قامت مجالس نيابية أخرى حول العالم باختبار أدوات مماثلة، وقد لا يقتصر الأمر على تجربة فريدة لا تتكرر. وفي هذا الصدد، يشير باسكال شاريني، الخبير في مجال العلوم السياسية إلى أن "الأزمة ستساعد على تطوير الرقمنة، لأننا ندرك أننا لسنا مُحصّنين ضد موجة ثانية (من الوباء) أو تُجاه أزمة أخرى مُماثلة. وقد يمنح هذا - ربما - دفعا جديدا للتصويت الإلكتروني لأنه يُوجد جانب عملي" هذه المرة.

"الأزمة ستساعد على تطوير الرقمنة"

باسكال شاريني، خبير سياسي

End of insertion

أيّا كان الأمر، فإن المؤيّدين له على استعداد لطرح هذه الحجة، على غرار أريان روستشيلّي، مديرة منظمة السويسريين في الخارج التي تقول: "لو كان لدينا التصويت الإلكتروني، لما تعيّن علينا إلغاء الاقتراع (الذي كان مقررا ليوم 17 مايو 2020 – التحرير). وإذا كانت هناك موجة جديدة (من الوباء)، فسوف نجد أنفسنا في نفس الوضعية في سبتمبر. الديمقراطية السويسرية تتطلب المشاركة (في التصويت) أربع مرات في السنة، لذلك يجب تأمين إمكانية الوصول إليه".

هل سيؤدي الوباء الناجم عن فيروس كورونا إلى تسريع الأمور في هذا المجال؟ أوساط منظمة السويسريين في الخارج تُسجّل وجود "مزيد من الإنصات" بالرغم من أن المسألة لا تحظى بالأولوية في هذه المرحلة، أما داميان كوتييه فلا يستبعد حدوث تطور على مستوى العقليات. ولكن إذا كانت مسألة الأمن نقطة محورية عندما تعلق الأمر بتمكين النواب الأربعة في برلمان فريبورغ من المشاركة في التصويت، فهي أيضًا كذلك بالنسبة للبرلمان الفدرالي حيث يُطالب مكتب مجلس النواب بتوفر القدرة على ضمان "هوية أعضاء الغرفتين" وعلى استبعاد "أي خطر تزوير"، وهي من باب أولى وأحرى عندما يتعلق الأمر باقتراع شعبي.

في السياق، يُذكّـر غيرهارد أندري، النائب عن حزب الخضر (يسار مُدافع عن البيئة) أن "مشكلة أمنية في التصويت الإلكتروني يُمكن أن يترتب عنها تغيير في الدستور". مع ذلك، أعرب النائب عن كانتون فريبورغ عن رغبته في المضي قُدُمًا في هذا الملف، بالتوازي مع إقرار التجميع الإلكتروني للتوقيعات لفائدة المبادرات الشعبية والاستفتاءات، وهو حق آخر تم تعليقه مؤقتًا بسبب الأزمة الصحية.

في المقابل، لا تحظى هذه المسألة بالأولوية لدى الحكومة الفدرالية، أما كريستوف شفاب، النائب الإشتراكي السابق فيريد أن يُفسّر له المعنيّون "ما الفائدة المرجوّة من ذلك"، وأضاف الرجل الذي كان أيضا عضوا في لجنة المبادرة الداعية إلى تعليق اعتماد التصويت الإلكتروني "إن دعوة الشعب إلى التصويت ليست بالأمر الهيّن، وهو ما لا يُمكن القيام به من خلال ثلاث نقرات".

لا يُمكن القيام بكل شيء بشكل افتراضي

"الديمقراطية السويسرية تتطلب المشاركة (في التصويت) أربع مرات في السنة، لذلك يجب تأمين إمكانية الوصول إليه"

أريان روتشيلّي، مديرة منظمة السويسريين في الخارج

End of insertion

منذ قرار التخلي عن منظومات التصويت الإلكتروني المعتمدة من طرف كانتون جنيف ومؤسسة البريد السويسري، تقوم الحكومة الفدرالية بإجراء حوار مع عدد من الخبراء، أضفت الأزمة الصحية عليه مزيدا من التعقيد. ومن المتوقع أن تقترح المستشارية الفدرالية إعادة هيكلة لمرحلة الاختبار قبل موفّى السنة الجارية. ومن جانبها، تأمل مؤسسة البريد السويسري في اقتراح نظام تصويت إلكتروني جديد على الكانتونات في العام المقبل.

الجميع في الانتظار وكانتون فريبورغ على وجه الخصوص، حيث تعتقد دانييل غانيو، مستشارة الكانتون بالفائدة المترتبة عنه، بل تعتزم إقامة الدليل على جدية العمل المنجز من طرف الفاعلين المعنيين، من أجل طمأنة رأي عام متوجّس قد لا يكون تطور بشكل إيجابي في ظل الأزمة، كما يظهر ذلك النقاش الدائر حول تطبيق "سويس كوفيد" (Swisscovid)، وتقول: "الآن وقد تم تجاوز مرحلة الذروة، نستمع إلى الكثير من الانتقادات ذات العلاقة بالخصوصية والأمن. فالأسئلة والمخاوف المشروعة تظل قائمة، ويتعيّن علينا تقديم إجابات عليها".

لكن التحدي ليس تقنيًا فقط من وجهة نظر جان كريستوف شفاب. ذلك أن الحملة الانتخابية وعملية تشكيل الرأي العام اللتان لا يُمكن ترحيلهما إلى العالم الافتراضي تتسمان بنفس القدر من الأهمية بالنسبة له، ويشرح قائلا: "يجب أن تكون قادرًا على مناقشة الأمر مع معارفك وزملائك في الأسواق وفي الحانات. ما هو محميّ هو أن يتمكّن الناس فعلا من تكوين رأي (حول المسألة المعروضة على التصويت) في ظروف جيدة". وبالمناسبة، فقد كانت هذه - إلى جانب الجوانب اللوجستية - الحجة الرئيسية التي برّرت بها الحكومة الفدرالية قرارها تأجيل الاقتراع الذي كان مقررا ليوم 17 مايو 2020.

"دعوة الشعب إلى التصويت ليست بالأمر الهيّن، وهو ما لا يُمكن القيام به من خلال ثلاث نقرات"

كريستوف شفاب، نائب اشتراكي سابق

End of insertion

رغم الصعوبات التي واجهتها الممارسة الديمقراطية في الأسابيع الأخيرة، لا يبدو أن عملية رقمنتها قد اكتسبت زخما. في هذا الصدد، يقول جان كريستوف شواب: "هناك دائمًا فجوة رقمية، وأشخاص يعسر عليهم الوصول إلى هذه الأدوات". بدورها، ترى كيرتانا ويكراماسينغام بالتأكيد في الوسائل الرقمية فرصة لضمان حد أدنى من الخدمات، لكنها تشدد على القيمة المضافة للاجتماع المباشر مع الأشخاص.

بدوره، يُقرّ غيرهارد أندري، المدافع عن البيئة - الذي لا يُخفي ابتهاجه بالمشاركة في ندوات نقاش هذا الخريف استعدادًا للتصويت المقرر إجراؤه في شهر سبتمبر المقبل - بأن "هذا مفيد كأداة تكميلية". ويختتم البروفيسور باسكال شاريني من جامعة جنيف النقاش بالقول: "المناقشات المتلفزة والمحاضرات العامة والاجتماعات السياسية.. كل هذا يظل أمرا لا مجال لتجاوزه. إن ديمقراطية لامادية، بلا أوراق، ورقمية مائة بالمائة تبدو صعبة رغم كل شيء".

مشاركة