تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

في السودان.. "انتخابات نزيهة" أم "مسرحية هزلية"؟

مواطن سوداني يقف إلى جوار مُلصقات وإعلانات انتخابية في الخرطوم يوم 7 أبريل 2010

(AFP)

أوضح خبراء مصريون متخصِّـصون في الشأن السوداني، أن إجراء انتخابات حرّة ونزيهة في السودان، "حُـلم يُـراوِد السودان بمُـختلف طوائفه، رغبة في حدوث تحوّل ديمقراطي وتغيير حقيقي في البلاد، وأن أي شيء غير هذا لن يمنَـع وقُـوع انفجارات"، معْـتبرين أن "هذه الانتخابات مشكُـوك في نزاهتها قبل إجرائها وأن السودان سيظلّ برأي عدد منهم في وضعِـيةِ (حافة الخطر).

وقال الخبراء في تصريحات خاصة لـ swissinfo.ch في القاهرة "إن الذي يُـخوِّف البشير وأي نظام ديكتاتوري، أن يفقِـد السلطة التي تُـمثل (في البلدان العربية) "مَـصدرا أساسيا لأشياء كثيرة"،

وتطرح الأوضاع في السودان، عشية الانتخابات الرئاسية والنيابية والمحلية السودانية، التي يتوقع أن تجرى أيام 11 و12 و13 أبريل، عِـدّة تساؤُلات حوْل: حصيلة الوضع في السودان وتقييم الحملة الانتخابية والظروف التي دارت فيها والمناقشات الحزبية التي جرت خلالها، وأداء الأحزاب السياسية في الشمال والجنوب، وتقْـييم أداء الرئيس البشير واحتمالات الموْقِـف بَـعد الانتخابات، وما كشفت عنه الأسابيع التي سبقت الانتخابات، وحديث الصحف الغربية حول احتمالات انفِـصال الجنوب ومشكلة دارفور، وأخيرا، إلى أيْـن يتّـجه السودان؟!

وفي محاولة للوُقوف على حقيقة ما يجري في السودان عشية الانتخابات، التقت swissinfo.ch كلاًّ مِـن الدكتورة إجلال رأفت، أستاذة الدراسات الإفريقية بقسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والكاتبة الصحفية أسماء الحسيني، المتخصِّـصة في الشؤون السودانية بجريدة الأهرام المصرية، والكاتب والمحلِّـل السياسي محمد جمال عرفة، المتخصِّـص في الملَـف السوداني.

التزوير.. شِـعار الانتخابات القادمة!

تقول الدكتورة إجلال رأفت: "تابَـعْـت الحمْـلة الانتخابية منذ البداية، وكنت أتمنّـى أن تكون هذه الانتخابات بِـداية حقيقية لمرْحلة جديدة من الديمقراطية في السودان، ولكن اتّـضح لي أن حزب المؤتمر الوطني (الحاكم)، يملِـك كل مَـفاصِـل الدولة على كل المستويات (سياسية واقتصادية وعسكرية و....)، وهو ما ظهر جلِـيا لأحزاب المعارضة، التي قرّرت مؤخرا الانسِـحاب من الانتخابات".

وفي تصريحات خاصة لـ swissinfo.ch، قالت د. إجلال، الخبيرة في الشأن السوداني: "تتحدّث أحزاب المعارضة عن عدّة خُـروقات، ومؤشِّـرات تدلِّـل على أن التّـزوير سيكون شِـعار الانتخابات القادمة، ومنها على سبيل المثال:

1- تسهيل تسجيل أسماء المُـوالين للحكومة في كشوف الناخبين وعرْقلة المعارضة.

2- تغْـيير بعض الدّوائر الانتخابية وإعادة تقسيمها، بِـما يخدِم الحِـزب الحاكم. فعلى سبيل المثال في دارفور، هناك مناطِـق معيّـنة للحكومة، فيها نُـفوذ وقواعد، وهناك مناطِـق ليس لها فيها أيّ نفوذ.

3- الاستِـئثار بطَـبْـع استِـمارات الانتخابات، رغم الاتفاق المُـسبق بطباعتها في الخارج، وعلى وجه التّـحديد في جنوب إفريقيا أو بريطانيا، لكن المعارضة فُـوجئت بأن الحكومة قامت بطِـباعتها في الخرطوم.

4- تسلْـسُـل الأرقام بالنِّـسبة لترتيب المرشّـحين، حيث ميّـزت اللجنة المُـشرفة على الانتخابات مرشّـحي الحزب الحاكم بكتابة أسمائهم في أول الكشف، فيما وَضَـعت مرشّـحي المعارضة أسفله.

5- حظْـر تحرّك المُـراقبين الدوليين خارج ولاية الخرطوم، وِفْـقا للقَـرار الذي أصدره البشير، وهو ما يحدّ من حرية حركة لِـجان الرقابة الدولية ويؤشِّـر لاحتمالية وُقوع التزوير في باقي الولايات.

6- انسِـحاب مُـراقبي الاتحاد الأوروبي، بعدما اتّـضح لهم نِـية الحكومة السودانية المبيتة لتزوير الانتخابات من خلال قرار الحدّ من تحرّكهم في كل الولايات.

صفقة بين البشير و"الشعبية"!

وأشارت د. إجلال إلى أن "ياسِـر عرمان، مرشح الحركة الشعبية للرئاسة، قد انسحب من أمام البشير، كما قرّرت الحركة الانسحاب من 13 ولاية شمالية من بين 16 ولاية، هي إجمالي الولايات الشمالية، والمشاركة فقط في ثلاثة ولايات هي: أبيي (لها وضعية خاصة) وجنوب النيل الأزرق، وجنوب كردفان، وهي ولايات أغلب قواعِـدها تتبع الحركة الشعبية.

وأضافت أن "الحركة الشعبية من أكثر أحزاب المعارضة السودانية استعدادا للانتخابات وأنها قطعت شوْطا كبيرا فيها، غيْـر أن شيئا ما حدَث، (إلى جانب تخَـوّفها من التزوير)، جعلها تتّـخذ هذا القرار المُـفاجئ بالانسحاب من الانتخابات"، متوقعة أن "يكون البشير هدّد الحركة الشعبية بأنه سيُـعرقل الإستِـفتاء الخاص بحقّ تقرير المصير، المُـقرّر في التاسع من شهر يناير عام 2011".

ولم تستبعِـد د. إجلال أن تكون هناك اتِّـفاقية غيْـر مكتوبة (صَـفقة محتملة)، بين البشير والحركة الشعبية تنسحِـب بمُـقتضاها الحركة من الانتخابات، مقابل تسهيل البشير إجراء استفتاء تقرير المصير في موعِـده، خاصة وأن الاستفتاء في نظري أهَـم من الانتخابات بالنسبة للجنوبيين"، وهو رأي وافقها عليه كلّ من جمال عرفة وأسماء الحسيني.

وحول احتمالات انفصال الجنوب بعد الإستفتاء، قالت د. إجلال: "أعتقِـد أن الجنوب سينفصِـل عن الشمال، وذلك بنسبة 99%، خاصة بعد انسِـحاب عرمان من الانتخابات. فقد اتّـضح الآن لكلّ ذي عينيْـن أن استفتاء حقّ تقرير المصير لدى الحركة الشعبية، أهَـمّ من الانتخابات، فهُـم يريدون أن ينفصِـلوا في هدوء تامٍّ بِـدون حرب".

وأضافت: "قناعتي الشخصية، أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقسميْـها (البشير والترابي)، لا تريد الجنوب، انطلاقًا من رؤية دينية، حيث يوجد لديْـهم مشروع حَـضاري إسلامي يريدون تطبيقه، والأسهل لها أن تُـطبِّـقه في الشمال، حيث يمثِّـل الجنوب - بأكثريته المسيحية – مُـشكلة كبيرة، غيْـر أن هناك أحزابا سياسية (في السودان) مُـدركة لخطورة الانفِـصال، لأنها أحزاب سياسية ليست لها رُؤية دينية، إضافة إلى تخَـوّف البشير الأساسي على البترول الموجود في منطقة أبيي، والتي أتوقّـع أن تظهر مشكلتها مجدّدا عِـند ترسيم الحدود".

السودان.. في مهبِّ الريح!

وتوقّـعت الخبيرة السياسية د. إجلال رأفت، أنْ "يتّـجه السودان إلى مرحلة غامِـضة، تحمِـل احتمالات كثيرة ومتعدِّدة، منها الانفجارات، سواء في دارفور أو في الشمال أو في الجنوب، لأن المشاكل ما زالت مُـعلّـقة" على حد تأكيدها، معتَـبرة أن "كل الاتفاقيات التي تمّ توقيعها، ما زالت حِـبرا على وَرق لم تُـنفَّـذ، عَـدا اتفاقية السلام مع الجنوب الموقّـعة عام 2005، لأن لها ضمانات دولية".

وقالت: "قناعتي، أن الجنوب سينفصِـل، ومؤشِّـرات ذلك واضحة مند زمَـن، لكنها تعزّزت بعد وفاة جون قرنق"، مشيرة إلى أن "مُـشكلة دارفور أخطر من مُـشكلة الجنوب. فالحرب في دارفور لم تبدأ مُـنذ بِـضعة أعوام، كما يتخيَّـل البعض، وإنما منذ عام 1955 وقبل استقلال السودان، ورغم أنه قد وُضِـعت لها خارطة طريق، إلا أن دارفور ما زالت مُـشكلة مُـزمنة، لأن الموقِـف هناك خطير وضَـبابي، والسودان عموما، مرشّـح لحدوث انفِـجارات كبيرة.. وهو أمر يُـخيفنا جدّا في مصر!".

وأضافت: "كُـنت أتمنى أن تكون هذه الانتخابات المنصوص عليها ضِـمن اتفاقية السلام الشاملة، فُـرصة للخروج من النّـفق المُـظلم، بأن تكون نزيهة وعلى درجة عالية من الشفافية"، مُـعتبرة أنه "كان بإمكان السودان أن يُفلِـت من سيْـطرة المشروع الدِّيني إلى المرحلة الرابعة من الديمقراطية".

وردّا على سؤال حول: ما الذي يُـخوِّف البشير من إجراء انتخابات نزيهة وعلى درجة عالية من الشفافية، قالت د. إجلال: "الذي يُـخوِّف البشير وأي نظام ديكتاتوري بشكل عام، أن يفقِـد السلطة، لأن السلطة في بلادنا، مصْـدر لأشياء كثيرة. ففي نظري أن أي نظام يلعَـب في الانتخابات، هو نظام يريد أن يستمِـر ويستأثر بالسّـلطة"، معتبرة أن "الشيء الوحيد الذي كان من المُـمكن أن ينقِـذ السودان من مأزقه، هو إجراء انتخابات ديمقراطية شفّـافة ونزيهة وأن أي شيء غيْـر هذا، لن يمنَـع وقوع انفِـجارات في السودان".

انتخابات مشكوك فيها.. قبل إجرائها!!

ومن ناحيتها، ترى أسماء الحسيني أن "النظر إلى الانتخابات، يختلف بحسَـب مصالِـح كل فريق. ففيما يتحمّـس لها حزب المؤتمر الوطني (الحاكم) ويراها فُـرصة مُـواتية للخروج من المأزق ومرحلة مهمّـة لابُـد من خَـوْضها، يعتبِـرها فريق المعارضة السودانية مجرّد (مسرحية هزلية)"، مشيرة إلى أن "هناك عُـقلاء في حزب المؤتمر الوطني يُـطالبون بوضْـعٍ توافُـقي، يُـنجّـي السودان من الضغوط الدولية التي تُـمارَس ضدّه والتي لا قبل له بها".

وفي تصريحات خاصة لـ swissinfo.ch، قالت الحسيني، المتخصصة في الشؤون السودانية بجريدة الأهرام القاهرية: "المعارضة حاوَلت الاستِـفادة من الحمْـلة الانتخابية في تعرِية نظام البشير وإظهاره في صُـورة الحاكم المُـستبِـد والديكتاتوري المُـصِـر على تزيِـيف الانتخابات، كما أن الانتخابات قد شابَـها عُـنف لَـفظي كبير. فبينما رفعت الحركة الشعبية شِـعار التغيير، حاول حزب المؤتمر الوطني (الحاكم) أن ينال منها".

وأضافت: "في تقديري، أن السودان بحاجة إلى توافُـق أكبر من الانتخابات. والمشكلة، أن هذه الانتخابات مهمّـة للغاية لأنها ستُـسهِـم في رسْـم ملامِـح مُـستقبل السودان، الذي سيتحدّد عبْـر استِـفتاء تقرير المصير، المُـقرّر (إجراؤه) بعد ثمانية أشهر من الآن"، مُـتعجِّـبة من أن "هناك مناطِـق من دارفور، لن تُـجرى فيها انتخابات بدعوى (أسباب أمنية)".

وأوضحت الحسيني، أن هناك مَـن يرى أن هذه الانتخابات، بصورتها المتوقّـعة، لن تُـخرِج البشير من أزمَـته، لأن أمرا مثل قرار المحكمة الجنائية الدولية باعتقاله ومشكلة دارفور، لا يمكن حلّـها بهذه الطريقة، وأن الفترة التي سبقت الانتخابات، كشفت لنا أن داخل كلّ حزب سوداني توجَـد تيارات مُـتباينة. فداخل الحركة الشعبية تياران: أحدهما يؤيِّـد الانسحاب، حِـفاظا على استفتاء تقرير المصير، والتيار الآخر، يرى أن المشاركة القوية في الانتخابات، هي التي ستضع الحركة في وضْـع جيِّـد عند التّـفاوُض على الانفِـصال.

وأكّـدت أن "السودان سيظلّ في وضعية (حافة الخطر). فمشكلة المحكمة الجنائية الدولية لم تُـحَـلّ، ومشكلة دارفور لم تُـحلّ، بل ستتفاقَـم، فضلا عن أن مشكلة انفِـصال الجنوب ما زالت تُـؤرق الشمال، ...، وهناك تيار انفِـصالي في الشمال يُـنادي بفصل الجنوب، كما أن المشروع الإسلامي في السودان، لن يقوم على طريقة الترابي ولا على طريقة البشير، لأن هناك إسلاميين آخرين من حِـزبَـيْ الأمّـة والاتحادي، لهم رُؤىً مُـختلفة تُـجاه تطبيق المشروع الإسلامي"، حسب رأيها.

وكشفت الحسيني عن أن "هذه الانتخابات، هي بند من بنود اتِّـفاقية السلام الشاملة، التي عُـقدت في نيفاشا عام 2005 كما أن الأمور مُـتشابكة في السودان والإنتخابات النزيهة، كانت أمل الشعب السوداني بمُـختلف طوائفه، في حدوث تحَـوّل ديمقراطي وتغيير حقيقي في البلاد".

الانتخابات.. تصويت على الهُـوية!

من جانبه، يفرِّق جمال عرفة بين موقِـف أحزاب المعارضة الشمالية وموقف الحركة الشعبية الجنوبية. فالحركة الشعبية دأبَـت - حسب اعتقاده - على "خِـداع المعارضة الشمالية واتِّـخاذ مواقف مُـغايرة عنها، بعد أن تستخدِمها في تسْـخين الموقف ضدّ حزب المؤتمر الوطني (الحاكم)"، معتبرا أن انسحاب ياسر عرمان، مرشح الحركة الشعبية الجنوبية – شريك البشير في الحُـكم - "يأتي في سِـياق مُـختلف عن انسِـحاب بقية أحزاب المعارضة".

وفي تصريحات خاصة لـ swissinfo.ch، اعتبَـر عرفة، الكاتب والمحلِّـل السياسي المتخصِّـص في الملف السوداني، أن "مقاطعة أحزاب المعارضة السودانية للانتخابات، لا تخدم سِـوى مخطّـط التّـفتيت الأمريكي" للبلاد، وذهب إلى أن "مشكلة أحزاب المعارضة أنها لا تفهم أن هناك مُـؤامرة تُـدبَّـر ضدّ السودان وأن هذه الاستحقاقات السودانية، ليست مجرّد انتخابات عادِية، وإنما هي بمَـثابة تصويت على هُـوية السودان الإسلامية"، على حد قوله.

وإذا كانت د. إجلال لم تستبعِـد أن يكون انسحاب عرمان تمّ بعد اتفاق "غيْـر مكتوب" مع البشير، فإن عرفة والحسيني يؤكِّـدان هذا التحليل ويروْنه التّـفسير المقبول لِـما حدث، "لتجنُّـب استِـفزاز البشير، الذي هدّد برفْـض إجراء استفتاء تقرير المصير، في حال عرْقلة الحركة للإنتخابات"، فضلا عن كونه يأتي في سياق ردّ الجميل على"بادِرة المؤتمر الوطني برفْـض ترشيح مُـنافس لسلفاكير، رئيس الحركة الجنوبية في انتخابات رئاسة الجنوب".

ويرى عرفة أن هذه المُـقاطعة ستُـفيد البشير وتُـقوِّي فُـرَصه في الفوز بانتخابات الرئاسة منذ المرحلة الأولي، وبنسبة كبيرة، بعد فشَـل مخطّـط المعارضة بترشيح أكثر من مرشّـح، بهدف إضْـعاف فُـرص فوْز البشير من المرحلة الأولى، فلم يعُـد أمامه أي مرشّـح قوي، خاصة بعد انسحاب ياسر عرمان والصادق المهدي. كما أنها تُـمهِّـد الطريق لحُـكم حزبَـيْ المؤتمر الوطني والحركة الشعبية معا واستمرار شراكتهما، دون منافَـسة، وهو ما يعني استمرار تنفيذ اتِّـفاق السلام، وخاصة أبرَز خُـطُـواته المتعلِّـقة باستفتاء تقرير المصير.

ويستدرِك عرفة قائلا: "غيْـر أن أبرَز سلبِـيات مقاطعة المعارضة للانتخابات، تتركّـز في فتح الباب للتّـشكيك في نتائج الانتخابات، ومن ثَـمّ، استِـمرار التشكيك في شرعِـية حُـكم البشير، الذي كان يُـؤمل على هذه الانتخابات في استعادة كرامته الدولية، بعد صدور حُـكم المحكمة الجنائية الدولية، المُـطالب بمحاكمة البشير أمامها، فضلا عن استِـمرار حِـصار السودان ومُـمارسة الضغوط ضدّه، والسّـعي لتفتيته.

القاهرة - همام سرحان - swissinfo.ch

الانتخابات السودانية ستبدأ على الرّغم من مزاعِـم التزوير والمقاطعة

الخرطوم (رويترز) - تسير الأمور نحو إجراء انتخابات تعدُّدِية، هي الأولى في السودان منذ ما يقرُب من رُبع قرن، في موعدها المقرّر يوم الأحد 11 أبريل، على الرغم من المُـقاطعات ومزاعِـم بوقوع عمليات تزوير شابَـت الإعداد للانتخابات.

ويأمل الرئيس السوداني عمر حسن البشير أن يؤدّي فوزه في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وانتخابات الولايات المعقّـدة إلى إكساب حكومته الشرعية في تحدِّيها مذكِّـرة اعتقاله، التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية، بسبب جرائم حرب في دارفور.

وفوز البشير شِـبه مؤكّـد بعد انسحاب منافسيْـه الرئيسييْـن، بعد أن زعما وجود تزوير واسع، لكن فوزا كهذا، سيكون مشوبا بالشكوك في شرعية الانتخابات. وقال النشط السوداني عمر القارِئ، مؤسِّـس جماعة الديمقراطية أولا "حتى إذا شاركت كل هذه الأحزاب، فإنني لا أعتقد أنها ستكون انتخابات نزيهة أو تتّـسم بالمِـصداقية".

وهذه الانتخابات تُـمثل خُـطوة أساسية من الخطوات المقرّرة في اتِّـفاق السلام الشامل، الموقَّـع بين الشمال والجنوب عام 2005، والذي أنهى حرْبا أهلية استمرّت في السودان 22 عاما، وهي تسبق الاستفتاء الذي سيُـجرى في عام 2011 على تقرير مصير الجنوب. ومن المتوقّـع بشكل كبير، أن ينفصل الجنوب الذي يتمتّـع حاليا بِـما يُـشبه الاستقلال. لكن المجتمع الدولي، وبالتحديد الولايات المتحدة، أوضح أنه مَـهْـما كانت الانتخابات سيِّـئة، فإن الأولوية هي إجراء استفتاء سِـلمي.

وقالت سوزان رايس، سفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة، إن واشنطن قد تقبل تأجيل بدْء الانتخابات فترة قصيرة. وقالت للصحفيين "أعتقد أن وِجهة نظرنا هي أنه، إذا تقرّر أنه من الضروري التأجيل لفترة وجيزة ورأينا أن التأجيل القصير سيُـمكِّـن العملية أن تكون أكثر مِـصداقية، فسوف نكون مستعدِّين للتفكير في الأمر". وأضافت "هذا يعود بشكل واضح إلى السلطات نفسها، لكن الصورة الأكبر، هي وجود الكثير من الإخفاقات في هذه العملية، وهذا مبْـعث قلقٍ حقيقي".

ورفض عبد المحمود عبد الحليم، سفير السودان لدى الأمم المتحدة الحديث عن تأجيل الانتخابات، وقال لرويترز "الحكومة نفسها لا تستطيع ذلك، والانتخابات لن تؤجَّـل على الإطلاق". وأضاف "علاوة على ذلك، فإن أي مهامٍّ من هذا النوع، هي مسؤولية المُـفوضية القومية للانتخابات، وليست الحكومة".

ويرجح اعتماد النتائج، التي تُـسفر عنها الانتخابات، أيا كانت، حتى ولو تسبّـبت في جدل يُـساوي ما أثارته الانتخابات الرئاسية الأفغانية العام الماضي والتي وُصِـمت بالتّـزوير.

وقال مصدر دولي مُـتابع للانتخابات "هذه الانتخابات قد تكون بسُـوء الانتخابات الأفغانية، لكن مع وجود هذا الجدْوَل الزّمني الضيِّـق قبل الاستفتاء، أشك في أن يُـصِـر أحدٌ على إعادة الانتخابات".

وتتفق كافة أحزاب المعارضة على أن حزب المؤتمر الوطني السوداني، الذي يتزعّـمه البشير والذي يحكُـم السودان منذ 21 عاما، حاول تزوير الانتخابات، لكنها لم تتمكّـن من الوصول إلى اتخاذ ردّ فِـعل جماعي. وبينما قرّر اثنان من أكبر الأحزاب السياسية في السودان مقاطعة الانتخابات في مُـعظم أنحاء شمال السودان، فما زالت مجموعات أخرى تشارك في الانتخابات. وستواصل بعثات مراقبة الانتخابات من الاتحاد الأوروبي ومن مركز كارتر مهامّـها.

غيْـر أن الصراع المُـستمر منذ سبع سنوات يُـعوِّق الحركة في إقليم دارفور. وقال الاتحاد الاوروبي إنه لا يستطيع مُـراقبة الانتخابات في دارفور بشكل فعّـال وقام بسحب مراقبِـيه من الإقليم، الواقع في غرب السودان.

وقالت المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، إن التلاعب جرى بشدّة في دارفور مع وجود كثيرين من الملايين من مواطنيه النازحين غير مسجّـلين في الكشوف الانتخابية بما يكفي لكي يؤثِّـر على نتيجة التصويت عامة ويضمن فوز البشير.

وقالت المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات "الفوز بقدر كبير من الأصوات في دارفور أساسي في خطّـ‘ة حزب المؤتمر الوطني للحصول على ما يكفي من الأصوات في الشمال لضمان السيْـطرة على السودان بالكامل". وقال جيمي كارتر، الرئيس الامريكي السابق إنه يشعر بخَـيبة أمل بسبب المقاطعة. وقال للصحفيين بعد أن وصل إلى الخرطوم لمراقبة الانتخابات "أشعر بالأسف لأن بعض الأحزاب قرّرت عدم المشاركة". وأضاف "نأمل ونُـصلِّـي من أجل أن تكون انتخابات عادلة وأمينة، على الأقل بالنسبة للمشاركين فيها. يجب أن تتذكّـروا أن هناك ما يقرب من 16 ألف مرشح ما زالوا مشاركين في الانتخابات".

ويقول ناشطون سودانيون إن المخالفات بدأت بإحصاء معيب في 2008 وبترسيم الدوائر الانتخابية والتسجيل المخالف للناخبين. وقالت مجموعة من منظمات المجتمع المدني تُـدعى (تمام)، إن أكثر من 1900 عُـضو في قوات الأمن سجّـلوا للتصويت في مركز صغير للشرطة في جزيرة صغيرة في النيل في الخرطوم، على الرغم من أن مركز الشرطة لا يعمل به سِـوى خمسة أفراد. وقال الباقر العفيف، عضو (تمام) إن العديد من المخالفات وقعت ولا يمكن إصلاحها.

وشهدت الحملة الانتخابية بعضا من الحريات السياسية التي غابت عن السودان طويلا. فقد رفعت الرقابة المباشرة عن الصحف ومنح السياسيون المعارضون بعضا من الوقت على شاشات التلفزيون الحكومي وتظاهر ما يقرب من 30 شابا سودانيا خارج المفوضية القومية للانتخابات، حاملين نعْـشا قالوا إنه يرمز إلى موْت نزاهة المفوضية. لكن نفس الناشطين من مجموعة تحمل اسم (قرفنا)، قالوا إنهم تعرّضوا للاعتقال والمُـضايقات.

وقال ناجي موسى، مؤسس مجموعة (قرفنا) إن العديد من أعضاء المجموعة تعرّض للتّـهديد. وقال إن الناشطين الذين وزّعوا منشورات تحُـث السودانيين على تغيير الحكومة بشكل سِـلمي من خلال صندوق الانتخاب، يخشون أن ترجع عليهم السلطات السودانية بحملة قاسية بعد الانتخابات.

ويقول فؤاد حِـكمت، المستشار الخاص بالشأن السوداني في المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، إن المجتمع الدولي يجب أن يعرف أن الفائز، أيا كان، سيفتقِـر إلى الشرعية.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 9 أبريل 2010)

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×