في انتـظـار السلطـة الرابعة!

أصدر العاهل المغربي الملك محمد السادس عفوا عن صحفيين حُـكم عليهما في قضايا وملفات تتعلّـق بالنشر.

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 يناير 2004 - 17:54 يوليو,

وإذا كان العفو الملكي قد شمِـل أيضا معتقلين تتّـسم ملفاتهم بالسياسي، الأصولي تحديدا، فإن العفو عن الصحفيين اعتبر الأهم والأكثر إثارة، بعد أن هدّدت منظمات حقوقية وصحافية بتصعيد أشكال احتجاجها على استمرار اعتقالهم.

الصحفيان المعنيان بالعفو إثنان. الأول، علي المرابط، مدير أسبوعيتي "دومان" بالعربية والفرنسية، الذي كان يمضي عقوبة سجنية بعد إدانته عام 2002 بتُـهمة الإساءة لشخص ملك البلاد بنشره خبرا عن بيع القصر الملكي بالصخيرات.

والثاني هو محمد الهرد، مدير أسبوعية "الشرق" التي تصدر بمدينة وجدة (شرق البلاد) بعد تقديمه للمحاكمة وفق قانون مكافحة الإرهاب الذي أقـرّ في شهر مايو 2003 لنشره حوارا صحافيا اعتبر تحريضا على الإرهاب.

وإذا كان العفو الملكي خطوة هامة على طريق خلق انفراج لاجواء التوتر التي يعيشها المغرب منذ منتصف العام الماضي، فإن الأوساط الصحفية المغربية ظلت تُـعرب منذ عدة شهور عن تخوّفاتها على مصير مكاسب كانت تعتقد أنها أضحت جزءا من الثقافة السياسية المغربية، لكنها وعلى مدى عامي 2002 و2003، كانت تراها تتبدد لأسباب، بعضها مرتبط بتفاعل سياسي مغربي، وبعضها الآخر بتطورات إقليمية ودولية.

فمنذ تولّـي حكومة التناوب برئاسة الزعيم الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي مسؤولياتها في ربيع عام 1998، عرف المغرب تطورات إيجابية في مسار الانفتاح، وحقوق الإنسان، والحريات العامة، بما فيها حرية الصحافة، وشهدت السنوات الأولى من عمر هذه الحكومة انتعاشا في الإصدارات بات يُـطلق عليها "الصحف المستقلة"، وشيئا من التحرر في مجال حرية تناول الملفات التي كانت، في زمن سابق أو ما كان يُـطلق عليه مغربيا بـ "زمن الرصاص"، تُـعتبر من المحرمات.

الخوف من السلطة الرابعة

اتسع هامش الانفتاح مع تولي الملك محمد السادس العرش عام 1999 وما تبع ذلك من إبعاد وزير الداخلية القوي إدريس البصري، وإعلان العاهل المغربي الشاب عن المفهوم الجديد للسلطة، أي المزيد من الانفتاح والحريات.

وظهرت ملامح المعركة بين السلطة والصحف نهاية عام 2000، حين نشرت صحف رسالة متبادلة بين فاعلين سياسيين، من بينهم رئيس الوزراء السابق عبدالرحمن اليوسفي نفسه حول محاولة انقلاب عرفها المغرب في منتصف عام 1972، ودور هذه الشخصيات في هذه المحاولة.

كان رد فعل السلطات حينها إغلاق المطبوعات التي نشرت المذكرة، وبذلك، اندلعت أول معركة علنية مع الصحافة في زمن الانفتاح ليتلوها إعداد قانون الصحافة الجديد الذي خاضت الهيئات الصحفية المغربية حربا حقيقية في مواجهته.

ويقول يونس مجاهد، الكاتب العام للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، إن مواجهة القانون بدأت قبل أن يُـقدّم للبرلمان لمناقشته، وأن النقابة التقت مع ممثلي كل الأحزاب في البرلمان، بالإضافة إلى الوزراء المعنيين، وبيّـنت لهم مخاطر ما تضمّـنه المشروع الجديد على حرية الصحافة وحرية التعبير في البلاد، لكن الحكومة أصرت على موقفها، ولم يستطع البرلمان إدخال تعديلات جوهرية على المشروع.

وبالنسبة ليونس مجاهد، فإن محور المواجهة كان فيما تضمّـنه المشروع من إقراره لعقوبة سلب الحريات في قضايا النشر، رغم أن جل دول العالم باتت تتحاشى هذه العقوبة. لكن القانون أقر في مجلس النواب، ولم ينفع الصحفيين احتجاجاتهم ولا نداءات المساندة التي كانت تأتيهم من هذه النقابة الدولية أو تلك أو من هذه العاصمة أو تلك.

كان بإمكان الصحفيين والصحف التعايش مع القانون الجديد للصحافة، لكن هجمات 11 سبتمبر في نيويورك وتداعياتها العالمية كانت فرصة للسلطات المغربية لسدّ الثغرات "الامنية" في القانون. وبعد ذلك، جاءت الهجمات الانتحارية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء في 16 مايو 2003 والتي راح ضحيتها 45 قتيلا وعشرات الجرحى لتوجّـه ضربة موجعة لكل طموحات الصحافة والصحفيين.

فقد وجدت السلطات في هجمات مايو فرصة لإقرار قانون مكافحة الإرهاب الذي ناهضته جـل القوى السياسية والفاعلين الحقوقيين، حيث أصبح تدبير الوضع الأمني المهدد يعلو على ما عداه من الاعتبارات.

وكانت الصحافة وحريتها من الميادين التي دفعت ثمنا باهظا لتطبيق هذا القانون. فاعتُـقل أكثر من صحفي بتهمة التحريض على الإرهاب أو نشر ما يهدد الأمن، وحُـكم على بعضهم بالسجن، ومن بينهم محمد الهرد ورفيقه علي المرابط في سجن سـلا المدني.

ويقول يونس مجاهد إن تعاطي الأجهزة الأمنية مع قضايا الصحافة كشف عن مقاربة غير ديمقراطية للصحافة ودورها، وأبان بما لا يدع مجالا للشك أن الأجهزة الأمنية "تخشى فعلا من أن تكون الصحافة سلطة المراقبة والمتابعة" على حد تعبيره.

حريات.. هــشّـــــة!

وطيلة العامين الماضيين، كان الصحفيون المغاربة يخوضون معركتهم منفردين.

داخليا، كانت الأحزاب الفاعلة تشارك في الحكومة وتساهم في سن القوانين التي يرفضها الصحفيون، وكانت المعارضة غير فاعلة، والإسلاميون المعتدلون لم يكونوا على استعداد لخوض معركة الصحافة في الوقت الذي كانوا منشغلين فيه بحماية رؤوسهم مما يهددهم.

وخارجيا، كان العالم الذي ينادي بالحريات والديمقراطية ويسعى لنشرها، مبرمجا على المقاربة الأمنية لكل القضايا، ويغضّ النظر عن أية سلطة تخرق حقوق الإنسان وتنتهك الحريات وتكمم الصحافة، إذا ما كان ذلك يخدم ما اصطلح عليه بمحاربة "الإرهاب".

لقد كان تدخل العاهل المغربي لإطلاق سراح الصحفيين المعتقلين ضرورة مغربية في هذه المرحلة. فبعد أن وثقت السلطات بأن لا شيء يهددها، وأن مكانة ووضعية الصحافة المغربية لازالت دون وضعية السلطة الرابعة، وأن للبلاد قضايا مصيرية تحتاج إلى وحدة الجهود، مثل قضية الصحراء الغربية، فإن استمرار اعتقال صحفي أو صحفيان قد يؤدي إلى إفقاد البلاد تعاطف جهات يمثل تأييدها مكسبا سياسيا.

ولعل أخطر ما كشفت عنه الشهور السابقة، أن ما عرفه المغرب خلال السنوات الماضية من حريات وانفتاح لم يصل بعدُ إلى مرحلة الرسوخ ولازال بالإمكان التراجع عنه، لأنه لم يتوفر بعدُ على حماية صلبة من مؤسسات مجتمعية تتمتّـع بقوة لا تُـمس ولا تُنتقص.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة