Navigation

في شمال لبنان.. هدنة حذرة بعد معارك دامية

مدرعات ناقلة للجنود تقوم بدورية في أحد شوارع طرابلس شمال لبنان يوم 23 يونيو 2008 في أعقاب مواجهات مسلحة بين مجموعات سنية وعلوية Keystone

في الوقت الذي بدا فيه أن الوضع قد عاد إلى الهدوء في لبنان منذ انتخاب رئيس للجمهورية في 25 مايو الماضي، اندلع قتال عنيف في الأيام القليلة الماضية بين فصيليْن متنازعين في مدينة طرابلس.

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 يونيو 2008 - 19:00 يوليو,

وتوقفت المواجهات بعد تدخّل الجيش الذي حذّر في بيان صدر الثلاثاء من أنه سيلجأ لإستعمال القوة إذا لزم الأمر لإستعادة الهدوء.

اعتاد فرانسوا بار، السفير السويسري ببيروت منذ سنتيْن القول بأن "لبنان بلد رائع، لكن حذاري من التساهل في التعامل مع قضاياه (أو عدم أخذ مشكلاته على محمل الجد)". وما جرى أخيرا في طرابلس يؤكد قول السفير السويسري، فبعد فراغ دستوري دام عدة أشهر، أدى انتخاب رئيس للبلاد إلى تخفيف التوتر.




لكن الهدوء لم يدم طويلا، واندلعت يوميْ الأحد والإثنين 22 و23 يونيو، معارك عنيفة بين مجموعات سنية شبه عسكرية من حي باب التبّانة، وميليشيات علوية من منطقة جبل محسن المجاورة. واستطاع الجيش اللبناني الانتشار مساء يوم الاثنين في بعض النقاط مما سمح بترتيب هدنة بعد قتال دام يوميْن، وتسببت المعارك في مقتل تسعة أشخاص، طبقا لمصادر أمنية عليمة.

ويرجع سبب هذه الصدامات إلى "وجود نزاع قديم بين الطائفتيْن"، ويأمل فرانسوا بار "أن لا تنتقل تلك المعارك إلى مناطق أخرى"، وكانت هذه الأحداث "قد أثبتت، أن الجراح في جسد لبنان لم تندمل، وأن الوضع الأمني في البلاد لا يزال وضعا هشا".

صدامات دافعها الانتقام

"نزاع قديم"، أمر أكده أيضا أبو بلال، مقاتل سنيّ عنيد، كان متمترسا في أحد ممرات بناية سكنية تتعرض إلى إطلاق نار متقطع من مدفع رشاش، ويشدد هذا المقاتل بأنه: "ليس هناك أي دافع سياسي لهذه المعارك، الطرفين بصدد تصفية حسابات تعود إلى عشر سنوات مضت. والعلويون هم الذين بادروا بإطلاق شرارة هذه المعارك".

ويذكر أبو بلال، أنه في سنة 1987، وفي الوقت الذي كانت فيه الحرب الأهلية في أوجها، قام العلويون "الذين تسلحهم وتسيطر عليهم سوريا"، بارتكاب مجزرة في الحي الذي أقطنه، وقتلوا النساء والأطفال، و"لن نتوقف عن قتالهم، إلا بعد أن ننتقم لقتلانا، أو يستسلمون ويلقون السلاح".

الوقت تجاوز الواحدة ظهرا من يوم الاثنين بقليل، والمعارك تزداد حدة، مع مرور الوقت، وتكتظ ممرات الطوابق الأرضية من البنايات السكنية، بالنساء والأطفال، الذين يخيّم عليهم صمت مطبق.

وبين أصوات إطلاق النار، ودوي الإنفجارات، يسود الأنفس والأجسام جو من الانزعاج والقلق. وهذا طفل يبكي، وهو بين أحضان أمه، ذات الوجه الشاحب، والمغلوبة على أمرها. والكل في حالة انتظار وترقب، يدعو من أجل انفراج الأوضاع.

حالة من التوتر شديد

يقود أبو بلال مجموعة صغيرة من المقاتلين لا يتجاوز عددهم العشرة، ويحملون بنادق من نوع كلاشنيكوف، وراجمات أر بي جي، وقنابل يدوية. ومن بين صفوف هؤلاء، مقاتلين حديثي العهد، تعلو وجوهم مسحة من الحماسة مشوبة بالخوف. وبرفقتهم، أيضا مقاتلون آخرون ذوي تجربة، يحملون السلاح منذ 30 سنة.

الساعة تشير الآن إلى الثانية بعد الظهر، انتهت طلقات المدافع الرشاشة، وتركت مكانها لرشق الأسلحة الخفيفة. آمر المجموعة تلقى اتصال راديوي، يأمره بالتقدم، وعبور شارع، يقع في مرمى القناصة.

حاول أبو نصر، البالغ 25 سنة من العمر، والذي يرتدي لباسا عسكريا أسود، إظهار ابتسامة، لكن دون جدوى، كان جبينه مقطبا، وعضلات وجهه مشدودة. جاء الأمر، فجرى مسرعا، يكاد يخفي رأسه بين كتفيه، وقد حنا ظهره كأنه يحتمي، وعندما أصبح خارج مرمى القناصة، أدار رأسه نحونا، والابتسامة تعلو وجهه.

دعم وإمداد يكفي لجيش بأسره

وهذه متاهة أخرى، ممرات مظلمة، لتجنب الشوارع المعرضة لقصف القناصة. وعند عتبات أحد المنازل، رهط آخر من المقاتلين، هذه المرة أكثر عددا، لكنهم أقل اندفاعا، في شوارع لا تبعد إلا قليلا عن ساحة المعركة.

بعض المقاتلين يسندون ظهورهم للحيطان المجاورة، للاحتماء. فالبنايات هنا شاهقة، والشوارع ضيقة، واحتمالات سقوط إحدى قذائف الأر بي جي قليلة جدا. وهؤلاء الرجال القادمين، المحملين بالمواد الغذائية، وبالماء، والذخيرة، ويوزعون على رفاقهم قذائف
الإر بي جي، والقنابل اليدوية.

فالمعدات المتوفرة لهؤلاء المقاتلين تكفي لتسليح جيش بأسره. فلا أحد هنا يعلم ما تخبّؤه الأيام. لقد تواصل تدريب المليشيات، على الرغم من انتهاء الحرب في لبنان.

تدخّل الجيش

استؤنف القصف بالأسلحة الثقيلة، وازداد عدد الإنفجارات. فجأة تعالت الأصوات في الشارع المحاذي. رجل يحمل مسدسا في حزامه، ويبدو أنه قائد المنطقة، يصيح بصوت عالٍ ويلوّح بيديه طالبا من الجميع التراجع داخل المباني القريبة.

ويقول أبو بلال: "لقد شوهد مقاتلون علويّون قريبا من المنطقة، يحملون قاذفات أر بي جي، وقد يهاجمون مواقعنا".

لم يمر وقت طويل حتى حدث ما كان في الحسبان، سقطت قذيفة أر بي جي على طرفي الشارع. اخترق "دوي الانفجار" قلوب سكان تلك المنطقة، وغمر الشارع دخان أبيض، ذو رائحة غريبة.

من جديد، صدر الأمر بالانتشار ضمن مجموعات صغيرة في دروب ضيقة، وانتشر المقاتلون، وأجسادهم ترزح تحت ترسانة من الأسلحة.

الساعة، الرابعة بعد الظهر وعشرون دقيقة، والمكان، ضواحي باب التبّانة، أخيرا، وصل رتل من المركبات المدرعة للجيش. وبعد ذلك بدقائق بدا انتشاره في المنطقة، وتوقفت المعارك، وبإمكان الأم التي قابلتها بمدارج إحدى البنايات السكنية أن تبشر ابنها بنهاية المعارك، لكن لن يكون بإمكانها أن تعده بعدم انفجار الوضع في المستقبل.

سويس انفو - بيار فودون - طرابلس، شمال لبنان.

(ترجمه من الفرنسية وعالجه عبد الحفيظ العبدلي)

الطائفة العلوية

تنتمي الطائفة العلوية إلى المذهب الشيعي.

ونشأت هذه الطائفة في العراق في القرن التاسع ميلادي،(الثالث الهجري). وانتشرت في القرن العاشر في مدينة حلب ببلاد الشام.

ينتسب النظام السياسي الحاكم في سوريا إلى المذهب العلوي، وفي لبنان يعد اتباع الطائفة 20.000 نسمة يستقر أغلبهم بشمال البلاد.

النفوذ السوري القوي في لبنان خلال الحرب الاهلية، والوجود العسكري الذي استمر 15 سنة عزّزا من نفوذ هذه الطائفة في بلاد الأرز. ويمثل العلويين في البرلمان البناني نائبان.

وتحدث باستمرار صدامات بين أتباع المذهب السني وأنصار المذهب العلويفي مدينة طرابلس المحاذية للبحر بشمال لبنان. ويعود آخر تلك صدام بين الطائفتين إلى شهر مايو الماضي.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.