Navigation

في صوغ "الماغناكارتا" الجديدة.. ماذا يريد الأردنيون؟

يوم 4 مارس 2011، نزل عشرلات الآلاف من الأردنيين إلى شوارع العاصمة عمّان عقب صلاة الجمعة للمطالبة بالإصلاح والتغيير. Keystone

بالرغم أنّ الحِـراك السياسي الشعبي الأردني تزامَـن مع أحداث ثورتَـيْ تونس ومصر وتأثّـر بهما كثيراً، ممّـا رفع سقف المطالِـب من مجرّد المطالبة برحيل حكومة سمير الرفاعي إلى "مَـلكية دستورية" وتعديلات دستورية، إلاّ أنّ ما هو مطروح من قِـبل النُّـخب السياسية الأردنية يختلِـف عن "النموذج الثوري"، إلى البحث عن صيغة جديدة أخرى تُـحافظ على "الملكية"، لكن تطوّرها باتجاه نظام ديمقراطي، على غِـرار الأنظمة الأوروبية المَـلكية الحالية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 مارس 2011 - 08:21 يوليو,
محمد أبو رمان - عمّـان, swissinfo.ch

بدأ ما سُـمي بالحراك السياسي الداخلي بصورة محدودة بتاريخ 7 يناير 2011 في منطقة ذيبان بمحافظة مأدبا، المحاذية للعاصمة عمّـان، من خلال مئات من الشباب الذين يُـطالبون بتحسين الظروف المعيشية والأوضاع الاقتصادية في البلاد.

ومع بروز التطوّرات السياسية في الثورة التونسية، تحمّـست القِـوى الجديدة في الشارع وبعض القوى اليسارية، إلى استِـنساخ نموذج التغيير ودعت إلى مسيرة يوم الجمعة التالية (14 يناير) في مختلف المحافظات، بينما تبدأ المسيرة المركزية من الجامع الحُـسيْـني في العاصمة عمّان.

نجحت تلك المسيرة في تجميع بِـضعة آلاف المواطنين، قبل انضمام جماعة الإخوان المسلمين لها، واستطاع الشباب اليساري والقوْمي المتحمّس من تحقيق تجمّـعٍ بهذا الحجْـم لأول مرّة منذ سنوات، ثم انضمّـت في الجمعة التالية (21 يناير) جماعة الإخوان المسلمين للمسيرات، ما منَـحها حضوراً شعبياً أكبر وصدىً إعلامياً واسعاً..

سقف المطالب.. يرتفع

بدأت المسيرات بمُـطالبات محدودة، ثمّ مع نجاح الثورتيْـن، التونسية والمصرية وامتداد الاحتجاجات إلى دول عربية أخرى، بدأ "سقف التوقّـعات" يرتفع وينعكس على الشِّـعارات والمطالبات والبيانات السياسية.

في بداية مسيرات الجامع الحسيْـني، التي شكّـلت "باروميتراً" للشارع في الأسابيع الماضية، تمثّـلت المطالبات بإسقاط حكومة سمير الرفاعي وبالمُـضي في طريق الإصلاح السياسي، ثم في الجمعة التالية، ارتفع سقْـف المطالب إلى حلّ البرلمان وإسقاط الحكومة.

بعد استقالة حكومة سمير الرفاعي (في بداية فبراير 2011)، لَـم تتوقّـف المسيرات، بل ارتفع السَّـقف إلى المُـطالبة بتعديلات دستورية أو العودة إلى دستور عام 1952، ثمّ في الأسابيع اللاّحقة، وصلت المطالبات لدى بعض المجموعات إلى الحديث عن "مَـلكية دستورية" وعن تغْـييرات هيْـكلية في بِـنية النظام السياسي.

مع ذلك، وبالرّغم من استمرار ارتفاع السقف السياسي للمطالبات، إلا أنّه لم يُـطرح شعار "تغيير النظام"، وكان هنالك حِـرص مِـن القوى والأحزاب السياسية على التَّـأكيد بأنّ المطلوب هو "إصلاح النظام"، بالحفاظ على "الصيغة المَـلَـكية"، لكن بإحداث تغييرات جوهرية، وليس فقط شكلية أو مجرّد تغيير حكومات، كما كان يحصُل سابقا.

بصورة مُـوازية، صعدت ظاهرة البيانات السياسية التي تدعو إلى التغيير والإصلاح، مع الإعلان عن بعض الحركات الجديدة، كحركة دستور عام 1952 وحركة جايين والتيار الوطني التقدمي والتيار القومي التقدّمي، وغيرها من حركات وُلِـدت مؤخّـراً على وقع الثورات العربية والتحرّكات السياسية الشعبية.

السَّـقف الأعلى كان من دُعاة المَـلكية الدستورية (مجموعة من قيادات الإخوان المسلمين مع شخصيات سياسية أخرى) ومن المُـعارض المعروف ليْـث شبيلات، الذي وجّـه رسالة نقدِية شديدة للمَـلك، شملت رحلاته ومصاريفه المُـبالَـغ فيها وشبهات حول تورّطه في الفساد وسوء الإدارة السياسية، وغيرها من لغة غيْـر متداوَلة في النِّـقاشات السياسية العامة في البلاد.

الاستفادة من الدروس العربية

الإستِـجابة الرسمية للمسيرات والبيانات بنيت على محاولة الإحتواء وتجنّب الصِّـدام، كما حدث في دول عربية أخرى، إذ سمحت الحكومة بانطلاق المسيرات، ولم تحدُث احتكاكات معها وتعاملت بصورة ناعِـمة مع البيانات السياسية.

وتمثّلت النتائج الأولية لتلك اللِّـقاءات بالإستجابة لمطالب الشارع بإقالة حكومة سمير الرفاعي الثانية، بعد مُـضي ما يقرُب شهرين على تشكيلها بعد الانتخابات النيابية، وتكليف الدكتور معروف البخيت بتشكيل حكومة جديدة، والتي لم تحْـظَ بقبول واضح من المعارضة، بل واجهها البعض بالتشكيك، بالرغم من أنّها ضمَّـت شخصيات قومية ويسارية ومُـعارضة، وبالرغم كذلك من أنّ الرئيس حاول ضمّ قيادات من الإخوان المسلمين والمعارضة للحكومة، لكنهم اعتذروا عن عدم المشاركة حتى تتَّـضح ملامح الإصلاح السياسي المطلوب.

كِـتاب التكليف المَـلكي للحكومة، طالبها بالقيام بحوار وطني لتقديم قانون انتخاب جديد على وجه السرعة، يساهم في نقل الحياة السياسية في البلاد إلى مرحلة متقدمة. الحكومة من جهتها، أكّـدت تكفُّـلها بالسيْـر في خُـطى إصلاح سياسي ملمُـوس وسريع، وقد عهدت إلى طاهر المصري، رئيس مجلس الأعيان، وهو شخصية إصلاحية معروفة بإدارة هذا الحوار والخروج بصيغة توافُـقية لقانون انتخاب تسمَـح بولادة مجلس نواب مختلف، فيه قدْر كبير من التمثيل السياسي الحِـزبي، من خلال نظام القائمة النسبية.

لم يكتفِ رئيس الوزراء المكلّـف بهذه الإجراءات، بل أعلن عزْمه على القيام بخطوات إصلاحية سريعة وجادّة، لتكون بمثابة رسالة واضحة لجديّـه في الإصلاح، كما حدث عندما أرسل تعديلات على قانون الإجتماعات العامة لمجلس النواب، تسمح بتنظيم التجمّـع من دون إذْن مُـسبق، كما كان يشتَـرط القانون، وتتيح قدراً أكبر من الحرية، كما وعد الرئيس بإجراءات أخرى في السياق نفسه.

السيناريو الإصلاحي: عقد اجتماعي جديد

لا يكمُـن التحدّي الحقيقي حالياً، وبدرجة رئيسية في "المُـمانعة الرسمية"، إذ تبدو في أضعف حالاتها، بل بعدم وجود توافُـق بين القوى والأحزاب السياسية والاجتماعية التي تتحرّك في الشارع على أجندة محدّدة للإصلاح السياسي ولأولوياته والبوْصلة التي سيسير عليها.

تعريف الإصلاح السياسي ما يزال ملتبِـساً ومتنازعاً عليه. أما القضية الأكثر أهمية اليوم في السجالات الداخلية التي تغطس الخلافات الأيديولوجية وتتجاوزها، فهي معادلة الثنائية الديموغرافية في البلاد (الأردنيون من أصل أردني والأردنيون من أصل فلسطيني = اللاجئون الفلسطينيون).

إذن، الكرة اليوم في ملعب القوى الإصلاحية، وهي المطالبة بتقديم رؤيتها لمسار الإصلاح ضِـمن المعادلة السكانية الحالية. وهذه الملاحظة، يؤكّدها الدكتور نواف التل، مدير مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية، في تصريح خاص لـ swissinfo.ch، إذ يقول: "نحتاج خلال الأيام المقبلة إلى عقد مجتمعي يُـجيب على الأسئلة الوطنية المتعلّـقة بالتركيبة السكانية، ومِـن ثَـمَّ عقد اجتماعي مع الدولة. إذن، مع استبعاد نظرية الثورة ضِـمن المُـعطيات والشروط الأردنية، فإنّ البحث اليوم هو عن صَـفقة على صيغة "الماغناكارتا" البريطانية بين القصر والشعب، وليس فقط النبلاء (كما ذهب الفقيه القانوني إدوارد كوك، عندما فسّر (الماغناكارتا) بأنّها تسري، ليس فقط على حماية النبلاء، بل على رعايا التاج بالتساوي، تعيد بناء النظام السياسي على أساس (الأمة مصدر السلطات)، ما يعطي السلطات الثلاث صلاحياتها الحقيقية ويخلق حالة من التوازن ويمنح الشعب حقوقه في الإنتخاب والمساءلة، ويطلق الحريات العامة في البلاد".

ثمة قناعة اليوم أنّ هنالك ضرورة لتطوير المَـلكية الأردنية، لكن بصورة متدرجة ومدروسة وبخطى ثابتة، وصولاً إلى نموذج متقدّم قادر على الإشتباك مع المتغيِّـرات الجديدة واستحقاقات المستقبل.

المعارضة الأردنية تقرر الذهاب خطوة أبعد في حركتها الاحتجاجية

قررت المعارضة الأردنية الذهاب خطوة أبعد في حركتها الاحتجاجية، متّـهمة الحكومة بـ "عدم الجدية" في الإصلاحات، بعد أن شهدت العاصمة الأردنية عمّـان يوم الجمعة 25 فبراير تظاهرة هي الأكبر منذ بدء حركة الاحتجاجات في المملكة في شهر يناير الماضي.
 
وحذّر زكي بني ارشيد، عضو اللجنة التنفيذية في حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية للإخوان المسلمين وأبرز أحزاب المعارضة في البلاد، من أن "الحكومة ستكون قد ارتكبت خطأ كبيرا جدا في (حال) عدم تقدير أو سوء تقدير الظرف السياسي الذي تمرّ به المنطقة".
 
وقال بني ارشيد في تصريحات لوكالة فرانس بريس إن على "النظام السياسي الأردني أن يفهم أن الإصلاح السياسي الحقيقي، هو الممر الوحيد للبقاء"، مشيرا إلى أنه "كلما تأخّـرت الاستجابة، ربما تزداد سقوف المطالبات".
 
ومطالب حزب جبهة العمل الإسلامي، مماثلة لتلك التي عبّـرت عنها أحزاب اليسار وتجمعات عشائرية وشبابية ومتقاعدين عسكريين. الجميع يريد "الإصلاحات الدستورية" و"محاكمة الفاسدين"، وهذا ما ينادون به في جميع مظاهراتهم.
 
الإسلاميون يدعون لانتخاب رئيس الوزراء، بدلا من تعيينه من قِـبل الملك، كما هو الحال الآن. اليسار يرغب في العودة إلى دستور عام 1952، الذي اعتمده الملك طلال، جَـدّ العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، وعدّل 29 مرة منذ ذلك الحين، ليُـعطي المزيد من السلطة إلى العرش.
 
وقال بني ارشيد "إننا لا نعوِّل على وعود الحكومة ولا نثق بمصداقيتها، وإننا سنحدِّد طريقة التعامل مع هذه الحكومة وِفقا لهذه المعطيات". وأضاف: "لدينا اليوم اجتماعا مشتركا (حزب جبهة العمل وجماعة الإخوان المسلمين)، لبحث هذا الموضوع"، للنظر في الخطوات المستقبلية.
 
وأوضح أنه "لابد أولا من تحديد مطالب وِفق جدول زمني محدّد. فلا يجوز أن يبقى الأمر بوقت مفتوح مثلما تتحدّث الحكومة عن ثلاثة شهور أو ستة شهور". وتابع "مَـطالِـبنا يجب أن تتحقق خلال شهر من الآن، وخلال ذلك، لابد من القيام بفعاليات ومزيد من الاعتصامات، وربما المظاهرات في كل المملكة، وليس في عمّـان فقط، إضافة إلى ذلك، ربما سنلجأ إلى مسألة الاعتصام المفتوح".
 
وبحسب بني ارشيد، فان "محاولة الضحك على المجتمع والشعب الأردني ومحاولة تنفيس الاحتقان وتقديم تنازلات بسيطة شكلية، لا تفي بالمطلوب"، مشيرا إلى أن "هذا هو شأن كل الحكومات، وهذه الحكومة ليست مختلفة عن غيرها من الحكومات، لكن الظرف هو المختلف والمعطيات هي المختلفة". وأكد أنه "على هذه الحكومة أن تسعى أكثر من غيرها إلى تنفيذ الاستحقاقات في مُـجملها".
 
من جانبه، قال وزير أردني سابق، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لوكالة فرانس بريس إن "بُـطء وتيرة الإصلاح له مصدر قلق حقيقي من اندلاع حرب أهلية إذا ما تم تنفيذ الإصلاحات الدستورية". وأضاف أن "الملك يمثل عُـنصر توحيد في البلاد والذي يسمح للشرق، أردنيين والأردنيين من أصل فلسطيني، الذين يشكِّـلون نصف السكان، أن يعيشون معا في وئام"، مشيرا إلى أن "أي تغيير في شكل الحُـكم يمكن أن يتسبب باندلاع العنف بين الأطراف". هذه النظرية تم رفضها من قبل المعارضة.
 
وقال مسؤول في حزب يساري، فضل عدم الكشف عن اسمه، لوكالة فرانس بريس إن "هذه هي أعذار لاستمرار الوضع الراهن"، مشيرا إلى أن "الإصلاحات السياسية تصبّ في مصلحة جميع الأردنيين بغَـضِّ النظر عن أصولهم".
 
من جانب آخر، قرر حوالي 25 من النشطاء السياسيين من حركة "جايين" الجديدة، المَـبيت في خيمة في ساحة أمام أمانة عمان ليلة الجمعة - السبت، في إطار تحرّك احتجاجي جديد.
 
وقال أحد هؤلاء لوكالة فرانس بريس إن الشرطة مَـنعتهم من استخدام الخِـيم وأنهم ناموا على الأرض رغم البرد القارص، مشيرا إلى أنهم "عازمون على مواصلة حركتهم حتى تنفيذ الإصلاحات المطلوبة".
 
وبدأت التظاهرات في الأردن في يناير الماضي، احتجاجا على ارتفاع كلفة المعيشة، إلا أنها أخذت بُـعدا آخر بعد رحيل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في 14 من الشهر ذاته، عندما بدأ المحتجّـون يطالبون بالإصلاح السياسي وتغيير الحكومة.
 
وأقال الملك عبد الله في الأول من فبراير الماضي رئيس الوزراء سمير الرفاعي وعيّـن معروف البخيت بدلا عنه وتعهّـد بإصلاحات حقيقية في البلاد.
 
(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 26 فبراير 2011)

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.