Navigation

شبه جزيرة سيناء.. مُشكلة أمنية أم مُعضلة تنموية؟

نُعوش ملفوفة بالأعلام الوطنية تحمل جثامين أعوان شرطة مصريين (كانوا في إجازة حين قتلوا من طرف مجهولين قرب مدينة رفح شمال سيناء) لدى وصولها إلى مطار ألماظه العسكري بالقاهرة يوم 19 أغسطس 2013. Keystone

على مدى التاريخ، كانت سيناء صمام الأمان بالنِّسبة للأمن القومي المصري. فطالما ساد الأمن فيها، تحوّلت إلى منطقة عازلة بين وادي النيل والغُزاة القادمين من الشرق، ولكن شِبه الجزيرة تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى منطقة غيْر آمنة وأصبحت قِبلة تجتذِب المتشدِّدين الإسلاميين في الداخل، ثم تدافع إلى جبالها الوعْرة إرهابيون ينتمون إلى جماعات جهادية متطرِّفة، من داخل البلاد وخارجها، خاصة بعد الإنهيار الأمني الذي صاحب ثورة 25 يناير 2011 التي أطاحت بحُكم الرئيس حسني مبارك.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 سبتمبر 2013 - 23:30 يوليو,
محمد ماضي - واشنطن, swissinfo.ch

في الواقع، لا يقتصِر تهديد الأمن في سيناء على التأثير سلْبا على السياحة المصرية في سواحل البحر الأحمر وشرم الشيخ، بل يهدِّد الأمن القومي المصري، باعتبار سيناء مدخلَ أيّ تهديد عسكري من الشرق، كما يمكن أن يُقوّض معاهدة السلام المصرية مع إسرائيل ويشكِّل خطرا على حرية وسلامة المِلاحة في قناة السويس، وبالتالي، يهدد الإستقرار في المنطقة برمتها وخطوط التجارة العالمية.

يؤكِّد الخبراء أن المشكلة الأمنية الحالية في سيناء، تعود إلى سنوات حُكم الرئيس المخلوع مبارك، حيث تحوّلت في عهده إلى مرتع لتهريب المخدِّرات والأسلحة ومأوى للجماعات الجِهادية المتطرِّفة، كما يقول إيهود يعاري، الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط ومؤلف بحث مستفيض عن سيناء بعنوان: "سيناء الجبهة الجديدة"، مشيرا إلى أن التركيبة السكانية لسيناء تغيّرت في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزّة في عام 2005 وأمكن لكثير من الفلسطينيين المُنتمين إلى حركة حماس، الإنتقال بحرية إلى سيناء وتمّت زيجات بينهم وبين قبائل من بدْو شِبه الجزيرة، أدّت إلى حصولهم على الحِماية القبلية وتعاطُف بعض أفراد القبائل مع فِكرة الجهاد المسلّح، وسرعان ما جمعت بين الطرفيْن في بعض أرجاء سيناء علاقات عسكرية وعقائدية، دعمتها منافِع اقتصادية من خلال أنفاق التهريب بين غزّة وسيناء.

ويقول الخبير الذي عمل أيضا محللا لشؤون الشرق الأوسط بالتلفزيون الإسرائيلي منذ عام 1975: "لقد ارتكب الرئيس مبارك خطأً استراتيجيا حينما قرّر في عام 1997 تحويل المخصّصات المالية لتنمية سيناء اقتصاديا، لتمويل مشروع توشكي في جنوب وادي النيل، فخلق مظالم اقتصادية واجتماعية، جعلت القبائل تعمل في مجالات غيْر شرعية لتوفير الدّخل والموارد".

وتتفق الدكتورة سحر عزيز، الأستاذة المساعدة للقانون في جامعة تكساس مع ذلك التحليل، وتقول إن نظام الرئيس المخلوع حرم سيناء من الموارد اللاّزمة حتى لتمويل الخدمات الأساسية، ولم تتوفّر لسكانها فُرص العمل، مما اضطرّ بعض القبائل البدوية للعمل في مجال مُرافقة المهرّبين وحِراستهم عبْر دروب سيناء الوعْرة، مما جعل النظرة العامة للبدْو تبدو وكأنهم مُجرمون ومهرّبون، وبالتالي، فرض عليهم مبارك شكلا من أشكال العِقاب الجماعي والإعتقالات الإعتِباطية والحجْز التعسّفي، بموجب قانون الطوارئ الذي استمرّ العمل به طوال ثلاثين عاما من حُكم مبارك.

اللّواء حسام سويلم، الرئيس السابق لمركز الدراسات الإستراتيجية للقوات المسلحة المصرية، يذهب إلى أبعد من ذلك ويقول: "لقد تحوّلت سيناء (في خلال العام الذي حكَم فيه الإخوان المسلمون مصر) إلى ساحة لتنفيذ مخطّط أمريكي، يهدِف إلى حلّ مشكلة اللاجئين الفلسطينيين عن طريق استِقطاع حوالي سبعمائة وخمسين كيلومترا مربّعا متاخِمة لقطاع غزة وتوطينهم فيها، مقابل أن تمنح إسرائيل مصر مساحة مُساوية من صحراء النّقب، وتمّ الإتفاق مع الرئيس محمد مرسي على ذلك، مقابل تمكين الإخوان المسلمين من حُكم مصر ومُواصلة مساندة واشنطن لهم"، على حد زعمه.

الخبير المصري يضيف أن سيناء "تحوّلت في عام من حُكم الإخوان إلى مرتع لمَن تمّ إطلاق سراحهم من الإرهابيين، مثل رمزي موافي، المنتمي لتنظيم القاعدة..." مشيرا إلى أنه يعتمد - حسبما يتردد - على قوى بشرية من متطرّفين مصريين وسلاح مهرّب من حماس ثم من ليبيا بعد الثورة، بل يذهب بعضهم إلى أن "هؤلاء الأفراد قد يكونوا تزودوا مؤخرا بعربات الدّفع الرّباعي من السودان"، على حد قوله.

سيناء والجماعات الإرهابية

اللّواء سويلم أشار أيضا إلى أن سيناء أصبحت مَعقلا ليسَع مجموعات ومنظّمات إرهابية، تسعى لإقامة إمارة سيناء الإسلامية على رأسها "مجلس شورى المُجاهدين في أكناف بيت المَقدِس"، وله فرع في غزة وتنظيم "التوحيد والجهاد"، الذي يتبنّى فِكر الجهاديين السّلفيين الذي انتشر بين بعض بدْو سيناء في أواخر الثمانينات، وتنظيم "أنصار بيت المَقدِس"، الذي قام بعمليات إرهابية خلال السنوات الأخيرة من حُكم مبارك، هو وتنظيم "أنصار الجهاد"، بالإضافة إلى تنظيمات تكفيرية تتبنّى فِكر تنظيم القاعدة وهجر أعضاؤها وادي النيل، لإقامة مجتمع إسلامي في سيناء، ووصل عدد أفراد هذه الجماعات المسلّحة إلى قُرابة خمسة آلاف من المتطرّفين.

اللواء سويلم يذهب كذلك إلى أن تصاعُد الهجمات في سيناء عقب إطاحة الجيش بالرئيس محمد مرسي ضد مراكز الشرطة وكمائن القوات المسلحة في سيناء "ليس إلا تنفيذا لتوصيات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين"، بتشتيت تركيز الجيش المصري بين توفير الأمن في مدن الداخل والحِفاظ على الأمن في سيناء، عبر إشعال الوضع في شِبه الجزيرة من خلال شنّ هجمات من سيناء على إسرائيل، لاستفزازها وإحراج قيادة الجيش بتدخّل إسرائيل بردٍّ عسكري داخل سيناء.

في المقابل، يرى إيهود يعاري أن إسرائيل حرِصت على عدم التدخّل حتى الآن، واكتفت بتعزيز التعاون الأمني مع القوات المسلحة المصرية لتجنّب أي سيناريو يكون من شأنه تهديد مُعاهدة السلام المبرمة منذ عام 1979 بين البلدين، ويقول: "لقد سمحت إسرائيل بدخول سبْع كتائب مصرية مزوَّدة بالعتاد الحربي الكفيل بقيمها بتأمين سيناء، ولكن لم تكن هناك لدى الرئيس مرسي إرادة في تحقيق ذلك، ولكن بعد عزله، أدخلت قيادة الجيش المصري ما وصل إلى عشر كتائب مزوَّدة بمدرّعات ودبّابات، بل وبطائرات أباتشي هجومية".

هل أطاحت سيناء بمرسي؟

 تعتقِد الدكتورة سحر عزيز، التي تعمل أستاذة مساعدة في كلية المحاماة في جامعة إيه آند إم في تكساس، حيث تدرّس مادّة الأمن القومي وقانون الشرق الأوسط، أن تدهور الوضع الأمني في سيناء، ربما كان الحافز الأساسي وراء الإطاحة بالرئيس محمد مرسي من السلطة، حيث أصرّ الرئيس المعزول على رفْض مقترحات القوات المسلّحة تطبيق إجراءات حاسمة لوقف تدفّق الأسلحة والمُقاتلين إلى سيناء، ورأى الجيش في تساهُل مرسي مع عمليات قتل الجنود المصريين في سيناء وخطفهم، دليلا على ولاءاته المُتناقِضة بين تعاطُفه مع مجموعات إسلامية متطرِّفة وبين التِزاماته كرئيس للبلاد، تفرض عليه الحفاظ على أمْن سيناء وتقول: "إن المقاربة الناعمة التي اعتمدها مرسي في التعامل مع خطْف الجنود المصريين وقتلهم بالدخول في وساطات مع زعماء القبائل، بدلا من الردّ العسكري، جعلته يبدو في نظر القوات المسلحة ساذِجا وغير مناسِب لإدارة شؤون البلاد، وأتاحت سياسات مرسي الفُرصة للجيش لتقديم دعْم واضِح وصريح للمُعارضة المصرية في سعيِها للإطاحة به".

اللواء سويلم يتفق مع تحليل الدكتورة سحر عزيز ويقول: "لقد طلب الفريق أول عبد الفتاح السيسي في نوفمبر 2012 من الرئيس مرسي تدمير أنفاق التهريب التي تتدفّق منها الصواريخ المضادّة للمدرّعات وغيرها وضرب الجُيوب الإرهابية التي يتّخذ منها الإرهابيون ملاذا آمنا في سيناء، خاصة في منطقة جبل الحلال، ولكن الرئيس مرسي رفض وقال له لا أريد أن يُريق المسلمون دِماء بعضهم بعضا"، ويخلص إلى أن الجيش رأى في تعامل الرئيس مرسي مع الخطر الدّاهم في سيناء "عائقا أمام حماية الأمن القومي المصري"، حيث أنه تعامَل مع الوضع بعيدا عن دورِه كقائِد أعلى للقوات المسلحة.

الحل الأمني أم التنمية الإقتصادية؟

رغم اختلاف وجهات النظر والقراءات، يتّفق الخبراء على أنه لا يوجد حلّ سحري سريع لمواجهة التدهْوُر الأمني في شبه جزيرة سيناء. فإزالة المظالم وتوفير فُرص اقتصادية لأبناء قبائل سيناء وسكّانها، يحتاج إلى موارد اقتصادية غيْر مُتاحة، وحتى إن توفّرت، فإن ثِمار التنمية الإقتصادية تحتاج لسنوات حتى تزيل المظالِم الإجتماعية المتراكمة.

على صعيد آخر، لا يُعتبر نزع سلاح القبائل في سيناء خيارا واقعيا، لذلك فإن التوجه الأوضَح حاليا، يتمثل في الحلّ الأمني من خلال تكثيف التعامُل مع البُؤَر الإرهابية واجتثاث التنظيمات المتطرّفة، التي اتّخذت من سيناء ملاذا آمنا لنشاطاتها. وهو حلّ يرى اللواء حسام سويلم، أن وزير الدفاع الفريق السيسي بدأ في تنفيذه ويُمكن أن ينتهي منه بشكل كبير خلال ستة أشهر ويقول: "لقد تمكّنت القوات المسلحة المصرية من دكّ كثير من مواقِع الإرهابيين وقتلت أعدادا مُتزايدة منهم، كما حالت دُون تمكّن بعض الإرهابيين من إطلاق صواريخ على إسرائيل من سيناء، فهاجمت طائرة أباتشي مصرية أربعة مِنهم وقتلتهم فيما كانوا يُعدّون لهجوم صاروخي على إسرائيل".

اللواء سويلم يرى أيضا أن رحيل الرئيس مرسي حرم المتطرّفين الجهاديين في سيناء من غِطائهم السياسي وفتح المجال أمام القوات المسلحة المصرية للقيام بتدمير الأنفاق مع غزّة وتطهير سيناء من الجيوب الإرهابية، ثم أمام الدولة المصرية لتحتلّ سيناء مكانا لائقا على قائمة أولويات التنمية فيها.

أخيرا، يُشير الخبير الإسرائيلي إيهود يعاري، إلى أن إسرائيل أوشكت على الإنتهاء من بناء سور دِفاعي متقدّم على طول الحدود مع مصر، لتتجنّب التهديدات الأمنية من سيناء وتهريب المهاجرين الأفارقة إلى داخل إسرائيل، "انتظارا لما ستقوم به مصر من إجراءات أمنية وتنمية اقتصادية، يكون من شأنهما عوْدة سيناء لتكون مِنطقة آمنة تسهِم في الحفاظ على السلام وعلى معاهدة كامب ديفيد، التي أنهت الحروب بين البلدين"، على حد قوله.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.