تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

قيادات فتحوية تتطلّـع إلى "استعادة الوحدة" بعد أن تضع حرب غزة أوزارها

يوم 31 مايو 2006، فاروق القدومي يُرافق رئيس منظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس لحضور اجتماع عقدته اللجنة المركزية لحركة فتح في العاصمة التونسية

(AFP)

لا تملك القيادات والكوادر الفلسطينية، المقيمة في تونس منذ الخروج الكبير من بيروت قبل أكثر من رُبع قرن، سوى متابعة تطوّرات الحرب الإسرائيلية على غزّة عبر شاشات الفضائيات والمُـكالمات الهاتفية النادرة مع الداخل.

كل القياديين والموظفين في ما تبقّـى من مكاتب منظمة التحرير في العاصمة التونسية، هم من الذين رفضت إسرائيل السماح لهم بالعودة إلى مناطق السلطة الفلسطينية، وبعضهم من عرب فلسطين المحتلّـة في سنة 1948.

يتجمّـع كل يوم موظفو الدائرة السياسية بشكل عفوي في مكتب مدير عام الدائرة عبد اللطيف أبو حجلة (أبو جعفر) في الدُّور الأرضي من الفيلا الفسيحة، التي تقع في حي المنزه السادس، ويُعلِّـقون على المستجدّات في غزّة.

بعضهم يحترِق من الدّاخل، فيحرق السجائر واحدة تِـلو الأخرى، أما رئيس الدائرة فاروق القدومي (أبو اللطف) ،الذي كان وزير خارجية الرئيس الراحل ياسر عرفات، فيجلس وحيدا في مكتبه في الدّور الأول من الفيلا يطالع الفاكسات التي يتلقاها أو يردّ على مكالمات أو يُـتابع الأخبار على شاشة التلفاز. يتمنى القدومي أن يجمع الحركتيْـن الغريمتين "فتح"، التي يشغل منصب أمين سرّ لجنتها المركزية و"حماس"، التي اجتمع مرّات مع خالد مشعل وقيادِيِّـين آخرين فيها في دمشق وطهران، ما أثار حفيظة زملائه في "فتح"، المقيمين في رام الله، وبخاصة محمود عباس الذي كان وراء قرار فصل السفارات والممثليات الفلسطينية في العالم عن الدائرة السياسية، وربطها بوزارة الخارجية في رام الله، التي عين على رأسها رياض المالكي أحد غلاة الاعتدال في السلطة.

وغير بعيد عن مكاتب الدائرة السياسية، يوجد مقر مكتب التّـعبئة والتنظيم لحركة "فتح"، الذي يقوده عُـضو لجنتها المركزية محمد غنيم (أبو ماهر). طوى غنيم منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزّة، ملفات المؤتمر السادس لحركة "فتح"، الذي يرأس لجنته التحضيرية العليا، وصار يسكُـن في قطاع غزة، وإن ظل جسده في تونس.

تتحلّـق الكوادر الفتحوية في العاصمة التونسية حول مكتب غنيم، الموشحة جدرانه بصُـوّر شهداء الحركة ويمضون ساعات طويلة من الليل والنهار في متابعة أخبار الحرب عبر الاتصالات الهاتفية والقنوات التليفزيونية. ومن بين الزوار، العميد أحمد عفانة (أبو المعتصم – 80 عاما)، رئيس هيئة أركان جيش التحرير الفلسطيني، الذي تلاشى منذ اتفاقات أوسلو سنة 1993، بعدما انضمّـت غالبية عناصره إلى أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية.

جميع الفلسطينيين في تونس يعيشون على وقع الغارات المستمرّة على غزة، وكلما أتى خبر عن استبسال المقاومة في مجابهة الجيش الإسرائيلي، تنفرج السرائر وتتحسّـن المعنويات وتمتدّ الأيدي لتناول أكواب الزّعتر والشاي الساخنة، التي يوزعها النادل التونسي.

سألت سويس أنفو السيد القدومي عن رؤيته لأهداف العملية العسكرية الإسرائيلية الواسعة على قطاع غزة، فردّ فورا، كما لو كان ينتظر السؤال "نحن نعلم والعرب جميعا يُـدركون أن الغاية الحقيقية من وراء هذا العدوان، هي كسر إرادة الشعب الفلسطيني وتدمير روحه الكفاحية وضرب مقوِّمات صموده، من أجل إرغامه على القبول بشروط الاستسلام والاستكانة للاحتلال العنصري".

ومن دون أن نسأله، تابع حديثه مُـشيرا إلى مسؤولية العرب في هذا الظرف الدّقيق "الأولوية بالنسبة لنا اليوم، هي التوجّـه لجماهيرنا في أمَّـتنا العربية كي تهُـبّ من المحيط إلى الخليج، مثلما هبّـت في العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، وتحشد الطاقات والإمكانات، لمؤازرة صمود أهلنا في غزة وإسنادنا في معركة استعادة أرضنا وحقوقنا الوطنية وقُـدسنا الشريف ...".

مرارة في الحلق

وفي مكتب التّـعبئة والتنظيم، تحدّث المسؤول الفتحوي جمعة الناجي (وهو سفير سابق ومدير في الدائرة السياسية) عن الدّور العربي أيضا، مُعبِّـرا عن مرارتِـه من الموقِـف الرسمي، الذي قال "إنه لم يرتق إلى المستوى المطلوب، فمنذ اليوم الأول للعدوان، كان لدينا أمل باتِّـخاذ موقف في مستوى التحدّي الإسرائيلي، خاصة أن أوراقا كثيرة هي اليوم بأيدي العرب، ومنها مقاطعة إسرائيل على كافة الأصعدة، وورقة النّـفط التي يمكن استثمارها للضّـغط على الولايات المتحدة، كي تضغط بدورها على إسرائيل لوقف العدوان، إضافة إلى ورقة ثالثة، هي سحب الودائع العربية من البنوك الأمريكية والأوروبية أو على الأقل التّـلويح بسحبها، وهي ورقة تشكِّـل ضغطا شديدا على حُماة إسرائيل".

وشرح الناجي أن الولايات المتحدة لن تُـمارس أي ضغط على الدولة العبرية، طالما لم تشعر أن مصالحها القومية باتت مهدّدة، وأبدى شعوره بالألم من أن "بعض الأشقّـاء يريدون أن يكونوا وسطاء بين السفّـاح والشهيد، بدل الالتفاف صفّـا واحدا مع أهلِـنا في غزة، بحكم علاقة الدّم الواحد والمصير المشترك"، كما قال.

والمُلاحظ أن القيادات والكوادر الفلسطينية على السواء، تشعُـر بجُـرح نازفٍ من الموقف الرسمي المصري خلال الحرب، ولا تفهم لماذا لم تفتح المعابر، وخاصة معبر رفح لإيصال المساعدات الطبية والمواد التموينية الأساسية للمدنيين المُـحاصرين في القطاع؟

وفي هذا السياق، كان طَـعم المرارة يملأ الأفواه لدى فشل وزراء الخارجية العرب في الاتفاق على عقد قمّـة طارئة لمواجهة الموقف بعد اندلاع العدوان على غزةّ، لكن الكاتب الفلسطيني يحيى يخلف، الذي تقلّـد سابقا منصب وزير الثقافة، لم يستغرب من سلبِـية الموقف الرسمي العربي، وقال "نحن نعرف أنه ليس موقِـفا موحدا، وجرّبنا ذلك أثناء حصار بيروت (الذي قاده أرييل شارون في صيف 1982)، لكننا نحاول أن نجمع كل المواقف ولا نريد قمّـة عربية تنتهي بالفشل وتكون قراراتها دون الحدّ الأدنى".

هل أذابت الحرب الخلافات؟

ويستشف من كلام يخلف والناجي والمسؤولين الفلسطينيين في تونس، أن هاجسهم الرئيسي هو عودة اللّـحمة إلى الصفّ الفلسطيني بمناسبة العدوان على غزّة، فهُـم رأوا في خطاب محمود عباس عن العدوان "خطوة في اتِّـجاه أشقائه في الفصائل الأخرى، وخاصة حركة "حماس"، كما اعتبروا خطاب إسماعيل هنية خطوة مُـماثلة في اتجاه منظمة التحرير والسلطة، وأكّـدوا أن "من شأن هاتين الخُـطوتين، أم توجدا مناخا مناسبا للحوار الوطني".

وفي هذا الإطار، سرى نوع من الارتياح لدى الكوادر الفتحوية، بعدما أمر عباس بوقف جميع أشكال التحريض على "حماس"، إذ رأوا في تلك الخطوة "بداية نهاية الانقسام الفلسطيني"، حسب تعبير الناجي.

وأكّـد يخلف أن "فتح" تتفادى أي مساجلات مع "حماس" في هذا الظرف، لأن القضية الآن تمسّ كل الشعب الفلسطيني، و"حماس" جزء من هذا الشعب، والشروط الوطنية (لوقف العدوان)، هي واحدة وليست لدينا شروط مجزّأة، فنحن نطالب بثلاث خطوات، هي وقف العدوان، من دون قَـيد أو شرط، ورفع الحصار عن غزّة وإيجاد حماية دولية للشعب الفلسطيني".

واعتبر أن استعادة الوحدة الوطنية، هي المسألة الأهم في هذا الظرف "لأن الموقف العربي ذاته، يستمد قوّته من وِحدة الموقف الفلسطيني". وفي السياق نفسه، شدّد الناجي على ضرورة التّـمهيد لحوار وطني يردُّ الاعتبار للوِحدة الفلسطينية ويضع الجميع في مُـعسكر واحد، لمواجهة العدوان ومقاومة المشروع الصهيوني، الذي يستثمر الانقسام الفلسطيني".

وبرّأ الناجي حركة "حماس" من إطلاق الصواريخ، الذي رأت فيه كثير من العواصم الغربية مبرِّرا للحرب، مؤكِّـدا أن احتلال غزّة سابق على إطلاق الصواريخ ولم يكُـن نتيجة لها، معتبِـرا أن اللجوء لإطلاقها "أتى ردّا على الاعتداءات الإسرائيلية وعدم التِـزام العدُوّ بشروط التهدئة".

مطبّـات على طريق الوحدة

ونلمس هذه الرّوح الوفاقية في كلام القدّومي أيضا، وإن كان هذا ليس جديدا. فمواقِـفه دائما غير مندفِـعة مع المتشدّدين في "فتح"، إذ أكّـد أن "إخوتنا في السلطة الفلسطينية، أدركوا اليوم أن الوحدة الوطنية باتت ضرورة قُـصوى، وأصبحوا يدعون لها ولعلّـهم يؤكِّـدون (يُقرّون) حقّ الشعب الفلسطيني في استمرار المقاومة"، غير أنه استبق عناوين الحوار الفلسطيني – الفلسطيني، بعد أن تضع الحرب أوزارها، مُنبِّـها إلى أن "الوِحدة الوطنية لن تكون إلا من خلال تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية"، وأشار في هذا السياق، إلى حواراته الأخيرة في دمشق مع قادة الفصائل، بمن فيهم قيادة "حماس"، مؤكِّـدا أنهم عبَّـروا له عن استعدادهم لتفعيل المنظمة".

لكن، إذا علمنا أن القدّومي هو أمين سِـرّ أكبر تنظيم في منظمة التحرير، التي لا تضم "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وأنه يعتبِـر نفسه الأوْلَـى بخلافة الرئيس الرّاحل ياسر عرفات، فإن انطباعاته ينبغي أن تُؤخذ بكثير من الحذر. وما يزيد اللّـوحة تعقيدا، وجود فريق قوي في "فتح" بزعامة وزير الأمن السابق محمد دحلان، لا يرى سبيلا للمُـصالحة مع "حماس".

ويُحيلنا هذا الموضوع مباشرة إلى العنوان الأكبر للوضع الفلسطيني، بعدما تضع الحرب أوزارها: هل تتكرّس الوِحدة الفلسطينية في ضوء امتحان غزّة أم أن تداخل أجندة بعض الفلسطينيين مع الأجندة الإسرائيلية، سينسف نطفتها الصغيرة مجدّدا؟

رشيد خشانة - تونس

أزمة غزة ترجيء الخلاف على رئاسة عباس

القدس (رويترز) - أرجأت الحرب في غزة تحديا يواجه الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتعلق بشرعية حكمه، إذ تنتهي فترة ولايته، التي تمتد اربع سنوات، يوم الجمعة 9 يناير. وسيؤثر تطوّر الامور في القطاع على قدرة عباس على مواصلة محادثات السلام مع اسرائيل. ولم تسفر المحادثات عن شيء حتى الآن، سوى انها جلبت عليه حنق حركة المقاومة الاسلامية (حماس)، التي تدعو للمقاومة المسلحة. وطغى الهجوم الاسرائيلي العنيف على قطاع غزة، الذي تسيطر عليه حماس بشكل مؤقت، على الخلاف بين حركة فتح العلمانية التي يتزعمها عباس وبين منافسيها الاسلاميين بشأن ما اذا كان يتعين عليه ترك المنصب الآن.

وقال فوزي برهوم، المتحدث باسم حماس في غزة، انهم الآن يواجهون مشكلة أكبر من 9 يناير واولويتهم هي القتال "في هذه الحرب التي فرضت علينا والدفاع عن شعبنا". ومن جانبه، أرجأ عباس الذي يرى ان تعديلات قانونية تعني أن فترة ولايته تنتهي في عام ،2010 خططا لتحديد لموعد لاجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، يأمل أن تستبق أي جهود من جانب حماس لخلعه او استبداله. وقال مسؤول فلسطيني بارز في رام الله، ان عباس مشغول الآن بانهاء الحرب في غزة. وفور التوصل الى وقف لاطلاق النار، سيطلب من حماس استئناف محادثات المصالحة الوطنية. وأكد عباس في مؤتمر صحفي في مدريد يوم الخميس 8 يناير، مطالبته بالديمقراطية والدفاع عنها، وقال انه بناء على ذلك، فعندما تتحقق المصالحة ستجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية في وقت واحد. لكن مع تصاعد مشاعر الفلسطينيين، فان الخلاف على الرئاسة لن ينتهي، بل ربما يتحول الى خلاف شخصي بدرجة أكبر.

وقال ايهاب زاهدة (32 عاما) ويعمل ممثلا في مدينة الخليل بالضفة الغربية "مسؤولو حماس يوجّـهون أصابع الاتهام الى عباس وكأنه هو الذي قرر شن الحرب على غزة"، وأضاف "من الصعب على عباس حشد التأييد، لانه ليس بامكانه عمل شيء لشعبه في غزة ولا يمكنه وقف العدوان. هل هذا هو ما حققه من مفاوضات السلام مع اسرائيل"؟ وقال مصطفى البرغوثي، وهو مرشح مستقل سابق للرئاسة، ان الفلسطينيين اعتبروا حرب غزة تستهدفهم جميعا، وليس حماس فقط، وان اسرائيل في نهاية الامر ستضعف السلطة الفلسطينية وليس الاسلاميين. وأبلغ رويترز ان ما حدث في غزة كشف الصراع بين الفصائل على سلطة غير موجودة فعليا، لانها تحت الاحتلال، وأضاف ان هذا عمق الشعور بأن الجميع تحتل الاحتلال ويجب ان يتوحدوا لمواجهته، لكن الوحدة الفلسطينية بدت صَـعبة المنال في السنوات القليلة الماضية.

فاندلعت أزمة بشأن الحكم بعد فوز حماس في انتخابات عام 2006 واتسع الشقاق عندما اخرجت حماس قوات فتح من غزة بعد ذلك بنحو 18 شهرا تاركة للسلطة الفلسطينية بقيادة عباس السيطرة على الضفة الغربية المحتلة فقط. وعملت قوات الامن التابعة لعباس على الحد من احتشادات التضامن مع غزة، حتى لا تتحول الى احتجاجات مناهضة لعباس. وقال نيكولاس بيلهام، المحلل في المجموعة الدولية لمعالجة الازمات "الاثر النفسي لحملة غزة سيكون كبيرا في الضفة الغربية، لكن في الوقت الراهن، فان الاجراءات الامنية تبقيه محكوما. الضغوط تتصاعد."

واتخذت حماس كذلك اجراءات مشددة ضد المتبقين من أنصار فتح في غزة، حتى تحت القصف الاسرائيلي. فهي تواجه القوة العسكرية الاسرائيلية في صراع غير متكافئ، على أمل أن يعزز صمودها مكانتها السياسية.

وقال المحلل السياسي باسم الزبيدي، انه اذا خرجت حماس من هذا الصراع قوية، فانها ستثير المشاكل لعباس الذي سيكون مضغوطا بين مطالب اسرائيل ومطالب الاسلاميين، وأضاف انه اذا خسرت حماس، فانها قد تلجأ للعمل السري ولكنها ستظل تمثل مشكلة لعباس وتحاول تدمير مشروعه. وبعد أن بدأت اسرائيل هجومها يوم 27 ديسمبر، كرر الرئيس الفلسطيني ما قاله زعماء الولايات المتحدة ومصر بشأن القاء اللوم على حماس في استفزاز اسرائيل بانهاء التهدئة واطلاق صواريخ من غزة. ويتعارض ذلك مع اراء العديد من الفلسطينيين الذين يرون أن اسرائيل انتهكت بالفعل التهدئة التي تم التوصل اليها بوساطة مصرية لتستمر ستة أشهر بحصارها العقابي للقطاع وغاراتها على النشطاء. وعدل عباس من نبرة خطابه وبدأ يطالب بالحاح منذ ذلك الحين بوقف فوري لاطلاق النار، لكن ظل هناك انطباع بأنه في حالة عدم تيقن.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 9 يناير 2009)

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×