Navigation

Skiplink navigation

كرة القدم المغاربية.. رياضية أم سياسية؟

خرجت الجماهير في تونس (الصورة لمشجعين وسط العاصمة التونسية) والجزائر والمغرب إلى الشوارع بأعداد هائلة وعبرت عن مشاعرها بتلقائية ملفتة Keystone

تميزت فعاليات كأس إفريقيا للأمم التي احتضنتها تونس من 24 يناير إلى 14 فبراير الجاري بالصدى الجماهيري والإعلامي التي رافقه في العواصم المغاربية الثلاث.

هذا المحتوى تم نشره يوم 16 فبراير 2004 - 14:22 يوليو,

ومرة أخرى، خضعت المنافسة الرياضية لحسابات السياسة وضغوط الأمن وكشفت عن مفارقات واسعة بين اهتمامات النخب والقطاع العريض من الجماهير الشعبية.

لم أر محمود درويش، الشاعر الفلسطيني الكبير، مُـحرجا كما رأيته في العاصمة المغربية الرباط، قبل ساعات من أمسية لإنشاد شعره، وساعات من انطلاق المباراة النهائية لبطولة إفريقيا للأمم في كرة القدم التي جمعت الفريقين التونسي والمغربي.

صحفية مغربية سألت درويش عن توقعاته، بل أمنياته لنتيجة المباراة والفريق الذي سيحمل الكأس، فأعرب الشاعر الكبير عن تمنياته ببدء أمسيته الشعرية بتهنئة المغاربة بفوز فريقهم، وقال إنه لو كان بتونس لتمنى أن يهنئ التونسيين بفوز فريقهم، ولو أنه يرغب لو كانت هناك إمكانية لتقاسم الكأس.

أناقة ولباقة إجابة محمود درويش لم تكن كافية للصحفيين المغاربة الذين كانوا يبحثون عن سند يدعم أمنيات شعبهم بتحقيق انتصار كروي يحمل اسقاطات سياسية داخلية وإقليمية تعوض عن انتكاسات وانحسارت تعاش منذ سنوات، عبّـرت عنها الحشود التي غمرت شوارع المدن بعيد فوز الفريق المغربي في مباراته مع الفريق الجزائري أو بعيد تأهله للنصف النهائي بفوزه على الفريق المالي، وحتى بعد خسارته أمام الفريق التونسي.

إسقاطات سياسية

لا يقتصر هذا الهوس الكروي على المغرب أو تونس اللتان تُـواجه فريقيهما في نهائي الكأس الإفريقي، إذ خرج مشجعو كلا الفريقين إلى الشوارع قبل انطلاق المبارة، فتلك حالة كل الدول التي يحالفها الحظ او تسعفها اقدام لاعبي فريقها الوطني للتأهيل إلى المراحل المتقدمة من البطولة.

ومنذ انطلاقة مباريات الكأس الإفريقي، كان المغرب والجزائر محور الاهتمام، ليس فقط لتأهل كل منها للربع النهائي، لكن أيضا لما حملته المواجهة بين فريقيهما من إسقاطات على العلاقات السياسية بين البلدين.

المحللون الرياضيون في الجزائر والمغرب أعادوا الحشود في شوارع كل منهما للترحيب بفريق بلاده العائد "مهزوما"، الجزائر من مباراة الربع النهائي، والمغرب من النهائي، لما أبداه كل فريق من لياقة وما قدمه من أداء كشف عن حالة جديدة ومستوى أعاد لكل منهما مجدا كان قد تبدد خلال العقد الماضي، وإن كل منهما "خسر" مباراة وربح فريقا.

تعاطى المحللون السياسيون والاجتماعيون مع خروج الحشود إلى الشوارع في بعده الوحدوي للمجتمع وتكتله خلف أية قضية "وطنية"، ولم يتوان البعض في المغرب من وصف الحشود بأنها تمثل ردا على هجمات انتحارية قامت بها جماعات أصولية متشددة في 16 مايو 2003، واعتُـبرت في الجزائر إعلانا لفشل الحرب التي تخوضها الجماعات المشابهة منذ عام 1992 ضد السلطات.

"انتصار .. أي انتصار"

وإذا كانت لعبة كرة القدم، أكثر الرياضات شعبيا في العالم، كثيرا ما حملت أبعادا وتركت تداعيات سياسية داخلية أو دولية، فإن رد الفعل على نتائجها يؤشّـر على أوضاع تُـحاول أطراف مجتمعية فاعلة إخفاءها أو على الأقل تأخير إعلانها والبحث عن انتصار لمجتمعات تتلقّـى الصدمات والهزائم، وتُـعاني من أزمات يومية طاحنة يكون مكثفا في أي "انتصار"، حتى لو كان في مباراة كرة قدم.

على صعيد العلاقات الإقليمية، كان لتعاطي قوات الأمن التونسية مع أعمال عنف قام بها المشجعون الجزائريون في مدينة صفاقس إثر هزيمة فريقهم أمام الفريق المغربي، ردّ فعل سياسي فوري. فالحملات الإعلامية تكثّـفت، وأصابت الكثير مما كان لا يمس في العلاقات سابقا، بل تحدثت في قضايا كان يصعب الحديث عنها في وقت سابق.

وعلى الصعيد المغربي الجزائري، فبالرغم من المبادرة الإيجابية التي قام بها كاتب الدولة في الرياضة الجزائري ومعه طاقم ولاعبي فريق بلاده بزيارة جناح الفريق المغربي وتهنئته، فإن الصحف المغربية تحدثت عن إساءات للمغرب ورموزه وقضاياه حملتها شعارات رفعها الجمهور الجزائري لتبدد أمل كان جرى الحديث عنه، عن فتح "صفحة جديدة" بين البلدين الشقيقين الجارين اللدودين.

مبالغات .. وشوفينية

لقد كشفت الهتافات التي سُـمعت هنا او هناك، عن مستوى متقدم من الروح الوطنية لدرجة الشوفينية لدى قطاعات واسعة من الجمهور، حيث أن تواجد مئات الالوف من البشر في شوارع محددة تدفع امنيا للقلق، خاصة في ظل توترات واحتقانات اجتماعية وفي ظل المخاطر التي كانت الاجهزة الامنية تتعاطى معها طوال السنوات الماضية.

والمخاطر المتحدث عنها حقيقية، أكدتها هجمات انتحارية أو مواجهات مسلحة وتتواصل من خلال ما ينشر عن اعتقالات او محاكمات، لكن خرجت الحشود البشرية (مرتين في الجزائر وثلاث مرات في المغرب ومرات عديدة في تونس) ثم عادت الى منازلها ولم يحدث ما يعكر الامن العام رغم ثقل المهمة الملقاة على عاتق قوات الامن هنا أو هناك. وهو ما يؤكد حرص المواطن على مصالح بلده إذا ما شعر ان ما في بلده ملك له.

ومرور التعبير عن التشجيع والتقدير للفريق الوطني ان كان في الجزائر او المغرب أو تونس، بهذا المستوى من المسؤولية يحمل السلطات مسؤولية أكبر تجاه ما تعرفه في كثير من الاحيان نشاطات او فعاليات تنظم في نفس هذه البلدان للتعبير عن الاحتجاج السياسي او الاجتماعي.

فاعتداء سلطات الامن على برلمانيين في مجلس النواب الجزائري والعنف الذي استخدمته قوات الامن المغربية مؤخرا ضد محتجين على اتفاقية للتبادل الحر مع الولايات المتحدة الامريكية يدفع للدعوة إلى ضرورة اعادة النظر في السياسات الامنية المتبعة.

واذا كانت المبالغة في ابراز الروح الوطنية والإقحام الفج للسياسي في التعبير عن المشاعر الرياضية قد دلت على انخفاض مستوى الوعي وانحراف في كيفية التعاطي مع الرياضة كروح وفلسفة انسانية، فإنها تؤكد على البون الشاسع بين النخب والقطاعات المجتمعية المختلفة وتشير إلى أن ما تدفع نحوه النخب المجتمع كثيرا ما يكون لصالح هذه النخب وضد المجتمع.

وبالعودة إلى تلك الامسية الشعرية، وبعد ثلاث ساعات من انتهاء آخر مباريات كأس افريقيا للامم، كانت الروح الاخرى تهيمن في مسرح محمد الخامس، روح الشعر والذي اضفى من خلاله محمود درويش على الأجواء روح التسامح والمحبة التي لم يصلها التعصب .. حتى الان.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة