تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

كركوك: أزمة مواطنة أم معضلة وطن؟

سوق شعبي فوق جسر وسط مدينة كركوك شمال العراق - 11 فبراير 2007

(Keystone)

تثير قضية كركوك ومسألة تطبيع الأوضاع فيها سؤالا خطيرا عن مستقبل العراق السياسي بين مفهوم المواطنة العراقية وتقسيمه، ليس إلى فدراليات وحسب، وإنما الى أقاليم مستقلة.

وهي تهدد بالتأكيد كيان العراق السياسي الواحد، وربّـما تُـمهد إلى تفكيك عرى المواطنة والشعور بالانتماء في صفوف سكانه.

فهذه المدينة الجميلة، التي يُـقدر عمرها بنحو خمسة آلاف سنة، والتي يُـفترض أن تنصهر فيها كل العصبيات القومية لتقدم للعالم صورة العراق الواحد، تمرُّ هذه الأيام بأزمة انتماء حقيقية على ضوء ما يجري فيها من نزاع قومي، هو في الواقع صورة سلبية لعراق يُرادُ له أن ينشأ على أسُـس المحاصصة البغيضة، التي باتت تفتِـك بالعراقيين وتدفعهم قسرا إلى البحث عن أوطان صغيرة وكانتونات.

ومن هذا العمر الحضاري، الضاربة جذوره في حضارات البابليين والأشوريين والميديين، أطلَّـت مدينة كركوك على العالم لتحمل له رسالة التعايش الراقية بين قوميات وأديان شتى، رغم كل الحروب التي دارت بين تلك الحضارات، عندما رسمت كل منها لوحة فُـسيفسائية قلّ نظيرها منذ الأزل.

ولم يمنع الاختلاف في أصل تسمية المدينة بحسب أي من الحضارات التي سكنتها من الاتفاق على أن كركوك هي مدينة الجمال والجلال والتاريخ، إذ تكفي الإشارة إلى أن "قلعة كركوك"، وهي واحدة من الشواهد على قدرة هذه المدينة على البقاء والصُّـمود بوجه العواصف التي عبَـرتها، تؤكِّـد إلى يومنا هذا أن التّـسامح والتّـعايش وحِـوار الأديان والقوميات، هو ما تبقَّـى من تلك الموجات المختلفة التي مرت منها، قبل أن يُـهددها واقع الحال.

فمن هذه الأرض، كانت تُـشاهد نيران مشتعلة دائمة وتغطِّـيها أنهار من النفط، جذبت لها قوافل القادمين والرائحين منذ القِـدم، حين بنيت تلك المدينة المحصَّـنة بجدار، وتشير أقدم سجِـلات الألواح الطينية المكتوبة بالخط المسماري، التي عثر عليها في قلعة كركوك، إلى أن المدينة "بكل مسمياتها، العربية والتركية والكردية وباقي اللغات، هي ما صارت تُعرف اليوم بـكركوك أو كوركوك، وهي "الأرض الحارة" بعد أن شهدت التسمية تحولات عِـدة ما بين كرمكان، الذي تحول الى جرمقان أو جرميق، كما أطلق عليها العرب، وكركوك مِـثلما سماها التركمان مشتقِّـين الإسم من كرك "الجمال"، إلى كرميان، وهو الاسم الذي اختاره الأكراد له.

عراق مُصغّر

يقطن كركوك، المتعدّدة الأعراق والألوان منذ القدم، الأكراد والتركمان والعرب "مسلمون شيعة وسُـنّة" والكلدانيون والآشوريون والأرمن والصابئة المندانيين والإيزدية، ولم يعكر صَـفو الحياة البسيطة فيها إلا قرار سياسي اتخذه نظام صدّام في أوج التحضير لاتفاقية 11 مارس 1970، حين برزت "كركوك" كعقبة تحُـول دون إنهاء القتال الطويل بين الأكراد والحكومات العراقية المتعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة مطلع القرن المنصرم، وذلك لأن قضية كركوك ظلّـت عالِـقة بانتظار نتائج إحصائات لمعرفة نِـسبة القوميات المختلفة فيها.

ولقد علق الأكراد بقيادة زعيمهم التاريخي المُـلا مصطفى البارزاني، آمالا عريضة على الإحصاء الموعود، ليؤكِّـدوا مقولتهم حول هوية "كركوك" الكردية، ولم يتحقق لهم ما يريدون بعد أن طغت أصوات المدافع والرّصاص على ما خُـطط له بشأن اتفاقية مارس، عندما اعتبر النظام العراقي آنذاك أن إصرار البارزاني على "حق" الأكراد في نفط كركوك، بمثابة إعلان حرب، لتُـعِـلن الحكومة العراقية "الحكم الذاتي" للأكراد، وِفق مَـقاسها، الذي استَـبعد كركوك وخانقين وجبل سنجار من محيط كردستان، لا استنادا إلى ما أراده البارزاني.

وقامت الحكومة حينها بتغيير الحدود الإدارية لكركوك بشكل يضمَـن الغالبية العددِية للعرب في كركوك، وأطلقت تسمية محافظة التأميم على المدينة ضِـمن سياسة التعريب الواسعة، التي مارسها النظام السابق مع المدينة.

تعريب وتوطين

يمكن القول أن سياسة "تعريب" كركوك بدأت أساسا بشكل منظَّـم منذ عام 1963، ورأى البعض أن العهد الملكي باشرها بدعم مُـباشر من شركة نفط العراق، التي كانت في كركوك وكانت استقدمت أعدادا كبيرة من العمّـال من خارج المدينة ليشكِّـلوا أحياء خاصة بهم بالقرب من منشآت النفط، وقيل أيضا أن الشركة جاءت بالآشوريين من بعقوبة وكانوا استوطنوها، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى قادمين من ايران خلال الحرب.

غير أن النظام السابق ومنذ عام 1968، كثف منها بشكل مبرمج، ليس فقط لكركوك، بل لمدن أخرى تقع في شمال العراق ويغلب عليها الطابع الكردي، منها بالطبع خانقين، أو جهات تابعة للمناطق الكردية، وخاصة لمدينة كركوك وخانقين، واستمرت إلى ما بعد انتفاضة عام 1991، حين وصل كركوك وحدها نحو 15707 عائلة، يبلغ تِـعدادهم 93257 شخص، أضيف إليهم أواخر عام 2000 نحو 600 شخص، وكانوا في تزايد إلى ما قبل الحرب على العراق.

وليس هذا وحسب، إذ كان صدّام - حسب بعض المصادر - يُـخطط لتوطين نصف مليون فلسطيني في كركوك، ليحلوا محلّ الأكراد والتركمان، في إطار صفقة سياسية تُـعيد تطبيع العلاقات مع واشنطن، ليصبح لاعبا أساسيا في حل القضية الفلسطينية.

وإذ لم تتحقَّـق صفقة "التوطين"، رغم أن صدّام قام فعلا بنقل عدد من الأسر الفلسطينية من بغداد إلى كركوك وخانقين، كانت السلطة العراقية تُـرسل بالمجاميع العربية إلى كركوك، وتُـبعد في الوقت نفسه الأكراد وحتى التركمان منها، واتّـخذت عدّة إجراءات إدارية، سبقت إحصاء عام 1977، الذي رفضه الأكراد وسارعوا بعد سقوط نظام صدّام في 9 أبريل 2003، إلى إعادة الآلاف من المهجَّـرين إليها، وكذلك فعل عدد كبير من التركمان، الذين كانوا مهجَّـرين في العهد السابق، لتبدأ مرحلة جديدة من النزاعات والخلافات حول الهوية العرقية لكركوك، وبرزت إلى السطح مشكلة جدية بشأن ملكية الأراضي والبيوت، التي قام نظام صدّام بتمليكها إلى العرب، وِفق إجراءات إدارية معقَّـدة.

ولم يكن العرب وحدهم من تحدّث عن "تطهيرٍ عرقي" بهوية أخرى تعرّضوا له، لأن التركمان أيضا أخذوا يشكون ممّا أسموه بسياسة "تكريد" كركوك، واتَّـهموا بشكل خاص الحزبين الكرديين الرئيسيين "الاتحاد الوطني الكردستاني" و"الحزب الديمقراطي الكردستاني" باتِّـباع هذه السياسة على نطاق واسع في المدينة، بهدف تغيير طبيعتها السكانية، حتى قبل صدور قانون إدارة الدولة في عهد الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر، والانتخابات البلدية، التي رعاها في 24 مايو 2003 مباشرة بعد سقوط نظام صدّام.

ولم يمنع اختيار القوات الأمريكية 300 ممثلا عن الأكراد والتركمان والعرب والآشوريين، الذين انتخبوا أول مجلس بلدي في كركوك يضم 30 عضوا (أنتخب 24 بالتساوي، وعيّـنت القوات الأمريكية ستة أعضاء كـ "مستقلين") من نزع فتيل التوتر والاحتقان العرقي، قبل أن يرتفع عدد أعضاء المجلس إلى 41 عضوا، ويُختار كردي محافظا لكركوك إلى جانب ثلاثة نواب، كردي وآشوري وتركماني.

دور تركي مهم

الأكراد من جهتهم يعتقدون أن تتريك كركوك، سياسة اتبعت قبل التعريب وأنها مورست في العهد العثماني بعد زوال إمارة بابان الكردية، وأن الدولة العثمانية استخدمت كركوك كمركز لتجمع العسكر، وتم انشاء المدرسة التركية، التي نجحت في تحويل العديد من الأسر الكردية المعروفة إلى تركمان حملوا أسماء "آوجي وقيردار ونفطجي زادة ويعقوب زادة،.."، وفي ظل هذا الواقع الخطير من التجاذب العرقي، يصبح من نافلة القول أن الأكراد الذين رفضوا كل المحاولات السابقة لإنهاء الصراع في كردستان ما لم يتم ضم كركوك للإقليم، أخذوا يروّجون منذ فترة إلى أن كركوك بالنسبة لهم "قدس الأقداس" بالنسبة للمسلمين والعرب.

ومع الاعتقاد سلفا أن الأكراد لم يتخلّـوا يوما عن التفكير بوطن كردي مستقل، ولو طال أوانه، لن ينجحوا في تأسيس دولتهم الموعودة بدون الثروات الموجودة في كركوك وعلى رأسها النفط، وهو نفس السبب الذي كانت بريطانيا تتذرع به عندما ألحقت ولاية الموصل، التي كانت تضم كركوك بالعراق، وِفق اتفاقية سايكس بيكو، وكانت (بريطانيا) تبني وجهة نظرها تلك على نظرية أن التركمان متعاطفون مع تركيا ولن يشكلوا خطرا على مصالحهم الحيوية، لأنهم أقلية تقع بين القوميتين الرئيسيتين، العرب والأكراد.

هذا الرأي يشير إلى أن تركيا تلعب دورا مُـهما في النزاع حول كركوك من مُنطلقات التاريخ والجغرافية والخط التجاري الذي كان يربط الإمبراطوريتين العثمانية، والصفوية، وسُـمي بالطريق السلطاني، وكان يمتد من ديار بكر إلى تل عفر والموصل وأربيل وكركوك وديالى وخانقين، ومن ثم كرمنشاه وإلى بلاد الهند، وهو طريق ساعد تركيا العثمانية في جلب أعداد من الأتراك ليسكنوا بمحاذاة الطريق، لحماية الخط ولراحة القوافل.

وعلى أي حال، وحتى إذا صحت روايات كل من الأكراد والتركمان بشأن السكان الحقيقيين لكركوك، فلابد من القول أن من جاء الى كركوك من خارجها، لم ينزل من القمر ولا من المرّيخ، فهو لم يحط رحاله في أرض الجمال باختياره، وأنه نزل بكركوك على قاعدة "خير البلاد ما حملك"، وكانت كركوك، ومنذ القِـدم من خير بلاد لله.

وإذا كان صدّام ومن سبقوه، هم من أوجد هذه المشكلة، فإن العديد من الأصوات ترتفع داعية "عُـقلاء القوم" إلى أن يتفادوا الصفقات السياسية (احملني وأحملك)، وأن لا يقعوا في فخِّ كارثة جديدة تُـضاف إلى الكمّ الهائل من كوارث يضجُّ بها العراق الجديد، لا تعرض مفهوم المواطنة للاهتزاز وحسب، بل تهدد بقوة عرى العلاقات الاجتماعية القائمة بين أسر من عرق واحد، بل من أسرة واحدة..

نجاح محمد علي - دبي

رايس تدعو للمصالحة خلال زيارة للعراق

بغداد (رويترز) - طلبت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس من زعماء العراق يوم السبت17 فبراير استغلال أي هدوء في العنف للمضي قدما في المصالحة الوطنية، مضيفة أن صبر الولايات المتحدة لن يستمر للأبد.

جاءت تصريحات رايس خلال زيارة مفاجئة لبغداد أشادت فيها بالمكاسب الأولية التي أحرزتها القوات الأمريكية والعراقية في عملية عسكرية ضد المسلحين ينظر إليها على أنها مسعى أخير لإخماد العنف الطائفي بين الأغلبية الشيعية والأقلية من العرب السنة. وقالت قبل اجتماعها مع الزعماء العراقيين إنهم بحاجة لتحقيق نتائج.

واجتمعت رايس مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وهو شيعي والرئيس جلال الطالباني، وهو كردي ونائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي، وهو سُـني، وقالت للصحفيين في وقت لاحق، إنها حثتهم على تسريع الجهود للمصالحة. كما ناقشت استكمال قانون اقتسام عائدات النفط وإجراء انتخابات في المحافظات.

وقالت رايس قبل انتهاء زيارتها التي استغرقت نصف يوم، إن "الولايات المتحدة تستثمر الكثير وعلى الأخص أرواح رجالنا ونسائنا من الجنود ويريد الشعب الأمريكي أن يرى نتائج، وليس مستعدا للانتظار إلى الأبد"، وأضافت للصحفيين "لكننا لا نقول للعراقيين افعلوا هذا بحلول يوم كذا أو غير ذلك."

ورغم تراجع تفجيرات السيارات الملغومة وأعمال القتل، التي تنفذها فرق إعدام في بغداد، قالت مصادر في الشرطة العراقية، إن انفجار سيارتين ملغومتين أسفر عن سقوط عشرة قتلى على الأقل وإصابة 60 في سوق مكتظة بمدينة كركوك الشمالية.

وأشادت رايس بالطريقة التي بدأت بها العملية العسكرية الجديدة ضد المسلحين في بغداد. وتهدف الحملة لإنهاء العنف الطائفي الذي يمزق البلاد.

وقالت رايس "لقد بدأوا بداية طيبة" في إشارة إلى عملية فرض القانون، وأضافت " كيفية استغلال العراقيين لهذه الفترة لالتقاط الأنفاس التي قد توفرها هذه العملية، هو الأمر المهم بالفعل."

وقال بيان صادر عن مكتب المالكي إن رايس أشادت بالعملية الأمنية في بغداد، وجددت دعم إدارة بوش لجهود الحكومة لتوطيد الاستقرار في البلاد، وأضافت رايس أن الزعماء العراقيين أبلغوها بأنهم يحرزون تقدما بشأن قانون النفط وأنه اكتمل تقريبا. وينظر إلى سن قانون يوزع عائدات ثروة العراق النفطية الهائلة بشكل عادل على أنه خطوة حيوية لتحقيق المصالحة بين الأطراف المتحاربة.

وعقدت الحكومة أيضا مؤتمرات للمصالحة لكن لم يتم تحقيق تقدم يذكر على الأرض مع تزايد انقسام بغداد في الوقت الراهن على أسس طائفية.

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 18 فبراير 2007)

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×