لعبة الاستراتيجيا والمصالح في جنوب آسيا

أعضاء مجلس الدفاع الأفغاني وقادة مختلف الفصائل في اجتماعهم لدراسة الهجوم الأمريكي المحتمل. Keystone

أغلقت أفغانستان مساء السابع عشر من سبتمبر مجالها الجوي استعداد لهجوم أمريكي مترقب عليها، كما مدد الوفد الباكستاني إقامته في أفغانستان لمدة يوم إضافي، بعد أن رفضت حركة طالبان المقترحات المقدمة إليها، في الوقت الذي تحولت فيه الأنظار إلى منطقة جنوب غرب آسيا التي على ما يبدو ستكون مسرحا لاحداث عسكرية وتغيرات ضخمة هى الأولى من نوعها في القرن الحادي والعشرين.

هذا المحتوى تم نشره يوم 17 سبتمبر 2001 - 17:58 يوليو,

تعصف منطقة جنوب آسيا حالة من التوتر الشديد في ظل تزايد الاحتمالات عن قيام واشنطن وحلفائها بشن هجوم واسع النطاق على أفغانستان، ووضعت قوات الدول المتاخمة لها ولباكستان في حالة تأهب قصوى.

وفي حين أعربت باكستان عن رغبتها للاستجابة لقرارات المجتمع الدولي والتحالف معه لمحاربة الإرهاب اتخذت حكومة برفيز مشرف هذه المخاطرة السياسية ضد الحليفة التقليدية حركة الطالبان في ظل أنباء من أن واشنطن ستسعى إلى قلب النظام في أفغانستان ودعم قوات التحالف المعارض لتسلم السلطة في كابول مما سيسهل إقامة قواعد عسكرية دائمة للولايات المتحدة ستقوم بمراقبة الدول الجوار إيران، روسيا، الصين، الهند، وحتى باكستان بالإضافة إلى حماية مصالحها في الشرق الأوسط الجديد (دول آسيا الوسطى) التي تقدر الثروة الغازية والنفطية هناك بحوالي 320 مليار دولار أمريكي.

وتتعرض الحكومة الائتلافية في الهند بزعامة حزب البهارتا جنتا الهندوسي إلى انتقادات شديدة من قبل أحزاب المعارضة بسبب السياسة التي تنتهجها الحكومة الحالية تجاه الأحداث الجارية واندفاعها إلى تقديم عرض عسكري للولايات المتحدة في حال قررت توجيه ضربة عسكرية لأفغانستان.

وعلى الرغم من أن موقف الحكومة تجاه تحسين علاقاتها مع الإدارة الأمريكية لم يكن وليد الساعة بل منذ التسعينيات لكن ذلك تعزز بعد تسلم حزب البهارتا جاناتا الهندوسي زمام السلطة المركزية قبل عامين.

وتعد السوق الهندية من الأسواق الاستهلاكية الهامة للشركات اللأمريكية وتسعى واشنطن حالياً إلى رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على الهند عقب قيامها بالتفجيرات النووية عام 98 خاصة وإن سوق الطاقة النووية الهندية للأغراض السلمية يقدر بحوالي خمسين مليار دولار وتنوي الشركات الأمريكية دخوله واحتكاره.

المصالح الأمريكية في جنوب آسيا

قدم وليام بيري سكرتير وزارة الدفاع الأمريكي السابق في عام 1993 تقريراً إلى البنتاغون جاء فيه أن المصالح الأمريكية في آسيا بدأت تتعرض للخطر لسببين الأول النمو الاقتصادي الهائل لدول الآسيان ومنافستها للشركات الأمريكية والثاني النمو العسكري المتطور لدول المنطقة مما يهدد القوات الأمريكية المربطة هناك منذ الحرب العالمية الثانية وبالتالي وحسب تقرير بيري لابد من البحث عن دولتين لضمان الصالح الأمريكية في آسيا ووقع الخيار على أستراليا لحماية مصالحها الأمريكية في جنوب شرق آسيا والهند في جنوب آسيا ووسطها وتحجيم دور الصين المتنامي في آسيا.

وبالتالي يمكن تفسير هذا التقارب بين الهند والولايات المتحدة وحاولت واشنطن في عام 94 الحصول على قواعد عسكرية في الهند في مناطق ثلاث ولاية مهراشترا، كشمير وآسام، لكن الهند رفضت آنذاك الطلب الأمريكي ومنذ تسلم حزب البهارتيا جاناتا السلطة بدأ التقارب بين البلدين يتسارع بخطى حثيثة ويتبلور بشكل واضح ليشمل العديد من التقارب في المواقف تجاه القضايا الإقليمية والعالمية من خلال تعزيز الحوار الاستراتيجي بينهما ومن أوجه التقارب هذه:
1- دعم الهند لبرنامج الدرع الصاروخي الأمريكي.
2- رفض الاتفاقية الدولية ضد الألغام.
3- الهند وإدارة بوش تعارضان اتفاقية الحظر الشامل للتجارب النووية.
4- معارضة مؤتمر دوربان الأخير في جنوب أفريقيا ضد العنصرية.
5- رفض محكمة جرائم دولية.
6- رفض التدخل الإنساني من قبل الأمم المتحدة.
7- محاربة الإرهاب الدولي وتجارة المخدرات.
8- حماية المصالح الأمريكية الهندية وفتح الأسواق الهندية أمام الاستثمارات الأمريكية.

وجاءت الأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة لتعزيز هذا التقارب وسارعت نيودلهي إلى تقديم عرضها لواشنطن لضرب أفغانستان التي تعتبرها معقل الإرهاب الدولي ويتدرب هناك العشرات من المقاتلين الكشميريين بدعم لوجستي من الباكستان ومن ثم يتم إدخالهم خلسة عبر خط التماس في إقليم كشمير المتنازع عليه إلى الجانب الهندي من الإقليم لمحاربة قوات الأمن والجيش الهندي الرابط هناك وزعزعة الأمن والاستقرار في البلاد.

وكانت تسعى نيودلهي من خلال ذلك إلى إدانة المجتمع الدولي لإسلام أباد وإظهار التقارب بين حركة الطالبان والحكومة الباكستانية. بيد أن الموقف الباكستاني الذي جاء موالياً للموقف الأمريكي قلب الأوراق الهندية رأساً على عقب وجعل من الموقف الهندي أكثر حذراً وحيطة خاصة في ضوء انتقادات أحزاب المعارضة ومساءلاتها للآثار الطويلة الأمد على الأمن القومي الهندي في ضوء الدعم العسكري للولايات المتحدة.

ومن المعروف أن الأحزاب اليمينية الهندوسية المتشددة تحاول استغلال هذه الأحداث لشن حملة ضد المسلمين في الهند واتهامهم بالإرهاب والأصولية واستغلال ذلك سياسياً في الانتخابات للمجالس التشريعية المقبلة.

وقامت نيودلهي بتقديم معلومات سرية للغاية لوكالتي الاستخبارات الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي تتضمن وثائق وأشرطة فيديو ومكالمات هاتفية حصلت عليها الاستخبارات الهندية من المسلحين الكشميريين الذين ألقي القبض عليهم في كشمير أو قتلوا وتتضمن هذه الوثائق أيضاً خرائط لمعسكرات التدريب في أفغانستان وبعض الكتابات المعادية للولايات المتحدة وإسرائيل.

وسارعت الصحافة الهندية ووسائل الإعلام الأخرى إلى ربط الإرهاب بباكستان وأفغانستان وتساءلت عن جدوى التحالف الهندي الأمريكي لمحاربة الإرهاب إذا كانت الباكستان طرفاً أساسياً في التحالف ضد الإرهاب.

السيناريو المحتمل

منذ اليوم الأول لحوادث واشنطن ونيويورك أعلنت الإدارة الأمريكية أن المتهم الأول هو أسامة بن لادن وجماعته وبالتالي لا بد من توجيه ضربة إنتقامية له ولحركة الطالبان التي تحتضنه ومن ثم التحضير لحرب طويلة الأمد في المنطقة ضد الإرهاب والدول التي ترعى الإرهاب ودخول باكستان كطرف موال للولايات المتحدة ستكون له آثاره السلبية داخلياً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار العداء لأمريكة والارتباط العرقي بين الشعب الأفغاني والباكستاني خاصة تلك المناطق التي تحمل المشاعر العدائة أيضاً للحكومة الباكستانية في إقليم بلوشستان والإقليم الشمال الغربي المتاخمين لأفغانستان والاستراجية الأمريكية المحتملة يمكن تلخيصها على الشكل التالي:

1- ضرب قواعد ومعسكرات تدريب القاعدة التابعة لأسامة بن لادن في أفغانستان.
2- إجراء تجارب صاروخية جديدة في الأراضي الأفغانية.
3- إسقاط العاصمة كابول من أيدي الطالبان ودعم عسكري للتحالف الأفغاني المعارض.
4- إعادة الملك الأفغاني المخلوع لتسلم الحكومة هناك.
5- إقامة قواعد عسكرية دائمة للولايات المتحدة في الهند وأفغانستان.
6- ضرب جميع الدول التي ترعى منظمات معادية للولايات المتحدة وبالطبع إسرائيل.
7- استغلال ذلك لفرض شروطها على الدول المعادية لسياسة الولايات المتحدة.

دور الصين

على الرغم من المخاوف الصينية من المخططات الأمريكية إلا أن العديد من المراقبين يعتقدون بأن بكين تواجه فرصة تاريخية لتثبت أنها قوة إقليمية مسؤولة والعديد من الدول الآسيوية تتطلع إلى الصين لتلعب دورها الرئيسي والهام في الانضمام للولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب علماً أن الصين تعتبر ضمنياً ما حدث في الولايات المتحدة وبسبب سياسة البيت الأبيض الخارجية وانحيازها في أكثر من منطقة. وترى بكين دورها من خلال تفعيل دور مجموعة شانغاهاي التي تضم خمس دول أخرى وهي روسيا، كازاخستان، كيرغستان، طاجيكستان وأوزبكستان.
وتشير الدلائل إلى أن الخطة الأمريكية طويلة الأمد ستستغرق وقتاًَ طويلاً وهذا ما دفع بالعديد من السفارات الغربية إلى سحب عناصرها من باكستان ووكالات الإغاثة الدولية من أفغانستان.

وكل يوم يزداد الوضع خطورة خاصة في ضوء التصريحات المتضاربة لكل من الهند والباكستان الجارتين النوويتين المتناحرتين وستنعكس كل هذه التطورات سلباً على مستقبل الأمن والاستقرار في جنوب آسيا ويبقى السؤال المطروح ما هو دور الأمم المتحدة بهذه المعمعة وما هي الآثار السلبية لتفاقم الأوضاع في المنطقة وجميع الاحتمالات مفتوحة.

في غضون ذلك قررت الهند إرسال وزير خارجيتها إلى واشنطن للاجتماع مع نظيريه كولن باول ورامسفيلد لمناقشة المستجدات على الساحة والحشد الأمريكي لشن هجوم واسع النطاق على أفغانستان وطلبت نيودلهي من مستشار أمنها القومي التوجه مباشرة من موسكو إلى واشنطن للتباحث مع الإدارة الأمريكية حول الخطوات المشتركة من جانب آخر أكدت مصادر في وزارة الخارجية الهندية أن لديها معلومات مناقضة لما صدر عن إسلام أباد عن الشروط التي قدمتها لواشنطن مقابل السماح للأخيرة لاستخدام أراضيها ضد أفغانستان وأكدت هذه المصادر أنه لا شروط باكستانية مسبقة لقرار الباكستان وهي إشارة واضحة إلى كشمير إذ لا توجد ضمانات من واشنطن للتدخل لإنهاء النـزاع حول إقليم كشمير بين الجارتين المتناحرتين أو عدم السماح بمشاركة الهند وإسرائيل في هذا التحالف.

وتسود حالة من الذعر والرعب نفوس الآلاف من الأفغان الذين تدفقوا إلى المناطق الحدودية مع باكستان للهروب مخافة الضربة الأمريكية وكانت معظم الدول المتاخمة لأفغانستان قد أغلقت حدودها معها ووضعت قواتها الأمنية في حالة تأهب قصوى ودعا الزعيم الأفغاني الملا محمد عمر إلى اجتماع طارئ للزعماء الدينيين الأفغان في اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة أي اعتداء على أفغانستان.

د. وائل عواد

متخصص بالشؤون الآسيوية - نيودلهي

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة