Navigation

للمرة الأولى في سويسرا، الباحثون يحصون أعداد المشردين

هذا المخبأ المكون من أغصان وخيام قديمة، على ضفاف نهر آرف في جنيف، هو اليوم مأوى مراهق مغربي. Mark Henley / Panos Pictures

ظاهرة التشرد مسألة يصعب معالجتها وتحديد حجمها؛ فبعض البلدان والمدن تحتفظ بسجلات لمشرّديها في الشوارع أو تبذل جهوداً حثيثة لمساعدتهم، بينما يكتفي البعض الآخَر فيما يبدو ببذل القليل فقط من الجهود غير المجدية. وعلى الرغم من كون سويسرا دولة غنية، فهي ليست بمنأى عن هذه المشكلة. كم عدد المشردين الذين يعيشون في دولة جبال الألب؟ لقد تمّ القيام بإحصاء وطني هو الأول من نوعه، على أمل تقديم إجابة على هذا السؤال.

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 يناير 2021 - 11:00 يوليو,

تقوم بعض البلدان والمدن والسلطات المحلية بالكثير لمساعدة المشردين. في كندا، على سبيل المثال، حصلت مؤخراً مجموعة من المشردين على منحة نقدية غير متكررة بقيمة 5200 فرنك سويسري في إطار تجربة اجتماعية لمساعدتهم على النهوض بواقعهم الاجتماعي.

وفي إطار مشروع "ورقة جديدة" (New Leaf)، أُجريت دراسة على 50 شخصاً ممن شرّدتهم مؤخّراً ظروف الحياة في منطقة فانكوفر عبر منحهم نقداً، ما يعادل معدل مساعدة الدخل السنوي في كولومبيا البريطانية. وخلُصت الدراسةرابط خارجي إلى أنه بعد مرور عام واحد على تلقّي المشرّدين لهذه المنحة النقدية، تحسّنت أحوالهم تحسّناً كبيراً، من حيث الاستقرار في السكن والأمن الغذائي واعتمادهم على الخدمات الاجتماعية، مقارنة بأحوال مجموعة أخرى من المشرّدين، لم تقدّم لهم هذه المنحة.

إن الحق في السكن اللائق منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، ومع ذلك تشير التقديرات إلى وجود ما يقرب من 150 مليون شخصرابط خارجي بلا مأوى في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من سمعة سويسرا كبلد ثري، فهي ليست بمنأى عن هذه المشكلة: مع حلول فصل الشتاء من كل عام، ومع انخفاض درجات الحرارة، تجد الملاجئ الطارئة نفسها عاجزة عن تلبية الطلب المتزايد على الأسرّة الدافئة. هذا الواقع أثار الجدل حول أعداد المشردين الذين يلجؤون للعيش في الشوارع.

في واحدة من أغلى مدن أوروبا، هنا ينام العديد من سكان الخيام ويستحمون تحت الجسر في مكان بعيد عن الأنظار. Mark Henley/panos Pictures

فئة سكانية يصعب إحصاؤها بشكل متكامل

في حين أنه ليس من السهل التوصل إلى تحديد أعداد المشرّدين على الصعيد الوطني، فقد اكتفت العديد من البلدان في أوروبا وأماكن أخرى بنشر تقديرات إحصائية أوليّةرابط خارجي. في عام 2017، أظهرت تقارير محلية أن أعداد السكان المشرّدين في الولايات المتحدة بلغت 553.700 (أي ما يعادل نسبة 0.17% من إجمالي عدد السكان)، بينما بلغت في الدنمارك 6635 مشرّداً (0.11%) و11000 في كوريا الجنوبية (0.02%). لكن دولاً أخرى، من بينها سويسرا، لا تشير في تقاريرها إلا إلى معدلات الفقر في البلاد.

وحاليّاً، يُجري باحثون في جامعة العلوم التطبيقية والفنون في شمال غرب سويسرا (FHNW) أول دراسة على مستوى الدولة لوضع تقدير لأعداد المشرّدين في سويسرا. وقاد فريق العمل البروفيسور يورغ ديتمان وانطلق المشروع في بداية عام 2020. ومن المتوقّع أن تظهر النتائج الأولية للدراسة مع حلول الربيع المقبل. وترتكز هذه الدراسة على سلسلة من المقابلات الشخصية التي أجريت خلال الأسبوع الأول من شهر ديسمبر.

البحث على أرض الميدان

ويوضح كريستوفر يونغ، الذي نسق المقابلات قائلاً: "كنا نحاول الوصول إلى فئة سكانية من الصعب الوصول إليها عادةً: لا يمكنك إرسال الاستبيان، الذي لا يعدو كونه أسلوباً من الأساليب التي تستخدم في تقنيات التحقيق العادية، إلى أشخاص ليس لديهم عنوان سكن".    

عالَم مواز يمكن رؤيته أسفل جسر الأكاسيا على نهر آرف أثناء تدفقه عبر جنيف ليلتقي بمجرى نهر الرون. هذه المجموعة من الخيام المختبئة عن الأنظار، مأهولة من قِبَل شباب من المغرب والجزائر وليبيا. Mark Henley/panos Pictures

ويقول يونغ: "إن مجرد إعطاء المشرّدين استبياناً من 10 صفحات وقلماً لن يكون كافياً لتأدية المهمة. عادة ما يكون لدى هؤلاء الأشخاص مخاوف أخرى"، مشدّداً على إمكانية اختلاف اللغة والخلفية التعليمية أيضاً لدى هؤلاء السكان. ويضيف: "بالطبع كان هناك أشخاص أعربوا عن رفضهم المشاركة في الاستبيان. ولكن بشكل عام، كان هناك الكثير ممن أبدوا استعدادهم في التعاون مع المحاورين".

المنهجية

في بعض المؤسسات التي تُعنى بشؤون المشرّدين، وافق ما لا يقل عن نصف الأشخاص الحاضرين فيها على الإجابة عن أسئلة المحاورين. يقول الباحث يونغ: "أعتقد أن الموقف العام الإيجابي تجاه الدراسة يُظهر أن [المشاركة في المقابلات] لم تكن مسألة متعلّقة بالمنحة المالية بشكل أساسي، بل لأنها أتاحت أيضاً فرصة للمشرّدين لسرد قصة معاناتهم والتحدث عن أنفسهم، حتى ولو جاءت هذه الفرصة، عبر مقابلة منهجية".

لم يتم تحليل البيانات التي تم الحصول عليها من المقابلات بعد، لكن فريق العمل كان يقوم بتسجيل الأعداد الإجمالية للذين يرتادون هذه المؤسسات، ليتم بعد ذلك تقييم النسبة المئوية للذين شاركوا في الاستطلاع. وستتم مقارنة نتائجهم المبدئية بالأرقام التي قدمتها مؤسسات المدينة المعنية بظاهرة التشرّد، قبل احتساب الأرقام النهائية.

تحديات البحث

تختلف طريقة معالجة ظاهرة التشرد من بلد إلى آخر. ديتمان، الذي ترأس مشروع جامعة العلوم التطبيقية والفنون في شمال غرب سويسرا، يعمل أيضاً كعضو مشارك في جزء من أعمال الشبكة الأوروبية لقياس التشرد في أوروبارابط خارجي، ولذلك فلديه الخبرة الكافية لمقارنة المنهجيات وإيجاد أفضل السبل لمقاربة بحث المسألة في سويسرا.

ويشرح يونغ قائلاً: "سواء في برلين أو باريس أو بروكسل، تم القيام باستطلاعات على صعيد واسع في الشوارع، حيث أقام السكان المحليون بإحصاء عدد المشردين الذين يقضون لياليهم دون سقف يأويهم. أما هنا، فقد قررنا عدم القيام بذلك لأسباب مختلفة، منها بشكل أساسي، عدم توفر الموارد الكافية".

"لكل طريقة من طرق إحصاء ظاهرة التشرد نقاط ضعفها"

End of insertion

وتبدو بلدان شمال أوروبا أكثر اتساقاً في استطلاعاتها. "هناك دول اسكندنافية تسجل حجم ظاهرة التشرد. أعتقد أننا نرى بانتظام الأرقام المتعلقة بالدنمارك كل عامين. ولكن هناك مقاربات مختلفة لإحصاء ظاهرة التشرّد، ولكل مقاربة وطريقة منها، هناك دائماً نقاط ضعف“، على حد قول يونغ.

مشرّد يقف بجانب نهر آرف أسفل جسر الأكاسيا في جنيف حيث يبيت. Mark Henley/panos Pictures

في سويسرا، غالباً ما تكون البيانات المتاحة الخاصة بشؤون المشرّدين متعلقة بكل مؤسسة على حدة، ونادراً ما تشمل المشردين على صعيد المدينة بأكملها. وقدّر بحث سابق أجري في نفس الجامعة المذكورة، أن هناك حوالي 100 شخص، ينامون في الشوارع أو في ملاجئ الطوارئ في بازل. أما في مدينة زيورخ فكانت التقديرات تشير إلى وجود ما لا يقل عن عشرة أشخاص ممن ينامون في الشوارع طوال أيام السنة.

ماذا بعد

إذا كان من الصعب رصد ظاهرة التشرد وتحديد حجمها، فهذا لا يعني أنه لا جدوى من مواجهتها بهدف معالجتها. على العكس من ذلك: "الهدف الذي وضعناه نصب أعيننا، هو توفير بيانات للاستفادة منها في العمل على تحسين الوضع الاجتماعي للمشردين، مما يحتّم علينا مراجعة سياساتنا أو حتى وضع سياسات جديدة إزاء ظاهرة التشرد؛ وربما شكّل هذا الهدف أحد الأسباب التي حثت بعض المشرّدين على المشاركة ومحفّزاً لا يحتمل الشك لبعض المؤسسات "، على حد قول يونغ. فلكي نعالج العلة، لا بد أولاً من تشخيصها.

في قرار تم تبنيه في 24 نوفمبر المنصرمرابط خارجي، دعا البرلمانيون الأوروبيون في بروكسل الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه إلى القضاء على ظاهرة التشرد بحلول عام 2030. وحتى اليوم، تفتقر سويسرا إلى سياسة وطنية بشأن هذه المسألة. ويأمل الباحثون بأن تحمل نتائج هذه الدراسة بذور تغييرات على صعيد السياسات المتبعة حتى اليوم.

"ومن المؤكد أن أحد المسارات التي يمكن أن نسلكها لمعالجة هذه الظاهرة هو اتباع نهج أكثر تكاملاً إزاء المشردين"، كما يشير يونغ، موضحاً كيف أنه على الرغم من وجود المؤسسات التي لا تعد ولا تُحصى لتلبية احتياجات هؤلاء المشرّدين اليوم، لا يزال هؤلاء مجبرين باستمرار على التنقل من مكان إلى آخر بحثاً عن بقعة صغيرة تمنحهم القليل من الدفء.

مشاركة