لماذا تخلّـف العالم العربي عن ركْـب الديمقراطية؟

Reuters

التقى الرئيس المصري حسني مبارك الاثنين 17 أغسطس في واشنطن عدداً من المسؤولين الأمريكيين من بينهم وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جيمس جونز ورئيس الاستخبارات الأمريكية دنيس بلير قبل أن يجري محادثات يوم الثلاثاء في البيت الأبيض، مع الرئيس باراك أوباما "تتناول سبل إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط وغيرها من القضايا ذات الاهتمام المشترك".

هذا المحتوى تم نشره يوم 18 أغسطس 2009 - 03:00 يوليو,

ونظرا لأهمية الملف السياسي وخاصة ما يتعلق بالمسألة الديمقراطية والحكم الرشيد، أجرى مراسل swissinfo.ch في واشنطن لقاء مع الدكتور سعد الدين إبراهيم، الأستاذ الزائر بجامعة هارفارد ورئيس مركز ابن خلدون بالقاهرة.

وفي رده على السؤال الأول حول الأسباب الكامنة وراء تأخر ركب الديمقراطية في العالم العربي، أجاب الرجل الذي يعيش في المنفى بعد تعرّضه لمضايقات وصدور أحكام ضده بالسجن في مصر، لتزعمه حركة المطالبة بالتحوّل الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان ومعارضته الشديدة لسيناريو توريث الحُـكم لجمال مبارك، نجل الرئيس مبارك، (صاحب أطول فترة حُـكم لمصر في تاريخها الحديث، بعد الوالي العثماني محمد علي باشا)، قال:

"أولا: لقد تمرست أنظمة الحُـكم العربية في فنون التحكّـم والسيطرة وإشاعة الخوْف بين صفوف الأغلبية العظمى من شعوبها، وتفننت في أساليب إسكَـات أصوات الإصلاحيين ودُعاة الديمقراطية، ولعلّ أفضل تعبير عن تلك الممارسات، ما جاء في كتاب المُـعارض العراقي كنعان مكية بعنوان "جمهورية الخوف"، حيث فصل كيفية تعامُـل مثل هذه الأنظمة مع شعوبها بشكل أكثر بشاعة من أي حكومات سُـلطوية في التاريخ الحديث والوسيط.

ثانيا: استخدمت الأنظمة العربية المستبدّة وجود عدُو خارجي، وهو إسرائيل، والتعاطف الشعبي الجارف مع الشعب الفلسطيني، الذي تعرّض للحِـرمان من حقوقه على مدى الستِّـين عاما الماضية، كمبرِّر أو شماعة لإسكات أصوات المعارضة وتضليل الجماهير العربية برفع شعار أنه "لا صوت يعلُـو على صوت المعركة مع إسرائيل"، وأن القضية الفلسطينية أهَـم وأكثر نُـبلا وأولوية من قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومع ذلك، تأخّـرت مسيرة التحوّل الديمقراطي عن باقي أنحاء العالم ولم تحرّر الأنظمة العربية شِـبرا واحدا من الأرض الفلسطينية".

التحوّل الديمقراطي من الداخل وليس من الخارج

ولا يُـعوّل أستاذ عِـلم الاجتماع السياسي الدكتور سعد الدين إبراهيم كثيرا على دعم القِـوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في دفع مسيرة التحوّل الديمقراطي في العالم العربي ويقول:

"أثبتت التّـجربة العملية، أنه من الممكن تصحيح التخلّـف العربي عن ركْـب الديمقراطية، ولو بخُـطوات تدريجية من الدّاخل يقوم بها الإصلاحيون ودُعاة الديمقراطية في المجتمعات العربية، وما حدث في موريتانيا والمغرب والكويت ولبنان، يؤكِّـد أن التحوّل الديمقراطي في الدول العربية يُـمكن أن يحدُث من الدّاخل، بسعي القِـوى السياسية والشعبية، لتغيير الواقع المُـر شيئا فشيئا واكتساب المزيد من مقوّمات البناء الديمقراطي والتّـداول السِّـلمي للسلطة، كما حدث في موريتانيا، بدلا من انتظار أجَـندة الحرية الأمريكية التي وعدت ببدْء التحوّل الديمقراطي من العراق كنموذج، وأصبح المشهد العراقي مأساويا بشكل لا يغري أحدا بالتطلّـع إلى تقليده".

وردّا على سؤال لـ swissinfo.ch، عمّـا إذا كان يُـمكن التعامل، عقلانيا، مع الأنظمة الشمولية العربية التي لا تتردّد في التعامل بأبشع الوسائل وأحطها مع معارضيها المسالمين، قال الدكتور سعد الدين إبراهيم:

"علينا أن نسعى وليس علينا أن نُـدرك النجاح، فليس بوِسع قوى المعارضة والإصلاحيين في العالم العربي إقناع أنظمة دكتاتورية أو مستبدّة بالتخلي طوعا عن ممارساتها التسلطية وهيمنتها على العملية السياسية، ولكن يمكنهم بكل تأكيد ممارسة الضغوط والحِـصار المعنوي واستخدام كافة السُّـبل السلمية المُـمكنة، وعلى رأسها العِـصيان المدني، وهو سِـلاح لجأت إليه فِـئات كثيرة في المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة، حيث تضاعفت ممارسات العِـصيان المدني من مائة حالة في عام 2006 إلى أكثر من ألفي حالة في عام 2007، وفي العام الماضي، تجاوز عدد حالات العِـصيان المدني ثلاثة آلاف حالة، ويشكِّـل تكرار حالات العصيان المدني تصاعُـدا تراكُـميا يقنع الشعب بأن حاجِـز الخوف قد بدأ يتشقّـق أو ينكسِـر، وهي علامات تُـشير إلى أنه، مهْـما اشتدّ القهر، فإن هناك مُـقاومة شعبية ترسل رسالة واضحة للحكّـام المستبدّين، مفادها أنه في نهاية المطاف، لن يصح إلا الصحيح ولابُـد أن تنتصر إرادة الشعوب في العالم العربي، كما انتصرت إرادة الشعب الرّوماني على شراسة وقمع نظام دكتاتوري مستبدّ تحت لواء تشاوشيسكو، ويجب أن يُـدرك الحكّـام المستبدّون في العالم العربي أن لهم نهاية".

"يا دعاة الديمقراطية اتّـحدوا!"

ويرى الدكتور سعد الدين إبراهيم أن العقبات الرئيسية التي تحُـول دون قيام "الكُـتلة التاريخية" في المجتمعات العربية بين الليبراليين والإسلاميين المعتدلين واليسار الوطني وغيرهم من أجل إنجاز شيء من الديمقراطية، تتمثل في تراث تاريخي من الشكّـوك المتبادلة فيما بين هذه التيارات السياسية أو اختراق الأجهزة الأمنية العربية لهذه التنظيمات وتعويقها لأي ائتلاف حقيقي يمكن أن يجمع هذه التيارات، ولكن إدراك القوى الوطنية ووعيها بتلك العقبات يمكنها من التغلّـب عليها بالدخول في حِـوار وطني بين عقلاء الإسلاميين والليبراليين وعقلاء كلّ القوى الوطنية الرّاغبة في التغيير والساعِـية للتحوّل نحو الديمقراطية، يستهدف تحقيق نوع من الائتلاف، وهو ما تمكّـن من تحقيقه في الولايات المتحدّة مجموعات من المصريين المُـقيمين فيها، من كافة التيارات تحت لواء "تحالف المصريين الأمريكيين"، اجتمعوا تحت هدَف السّـعي للتحوّل الديمقراطي في مصر من الداخل.

وقال الدكتور سعد الدين إبراهيم، "إن ما يحتاج إليه دُعاة الديمقراطية في العالم العربي ليتمكنوا من دفع مسيرة التحوّل الديمقراطي، هو مزيد من الثقة ومزيد من التنسيق ومزيد من الموارد لتمويل الأنشطة التي تساعد في خلق ثقافة الديمقراطية بين الشعوب العربية وتشجيع المواطنين على ممارسة حقوقهم السياسية، دون خوف، والاعتماد على الطّـبقة الوسطى، باعتبارها العمود الفقري لأي تغيير، ومع أن هناك اختِـلافات في ظروف كل بلد عربي، إلا أن هناك قواسِـم مُـشتركة تجسِّـد ملامح السلطوية والاستبداد، سواء في مصر أو تونس أو أي دولة عربية أخرى، يمكن الاستفادة منها في تبادل الخِـبرات بين دُعاة الديمقراطية في العالم العربي".

ونصَـح الدكتور سعد الدين إبراهيم الناشطين العرب من أجل التحوّل نحو الديمقراطية والتعاون فيما بينهم، بغضّ النظر عن الأيديولوجيات أو الخِـلافات التاريخية، وأن يلتزِموا السريّـة والكِـتمان في المراحل الأولى لتحرّكهم، حتى لا يتِـم إجهاضهم وقهرهم مبكّـرا، إلى أن يصلوا إلى مرحلة الإعلان حينما يشتدّ ساعِـدهم.

اختبار أوباما في زيارة مبارك

وسألنا المعارض المصري، الذي سبق وألقى به النظام المصري في غياهِـب السجون، لكونه داعية للتحوّل الديمقراطي، عن مدى التِـزام الرئيس أوباما بما قاله في خطابه إلى العالم الإسلامي عن التِـزامه بمساندة طموحات الشعوب في الديمقراطية، وما تعهّـد به في خطاب تنصيبه حين قال: "لأولئك الذين يتمسّـكون بالسلطة عن طريق الفساد والخديعة وإسكات الرّأي المخالف، أقول إنكم في الجانب الخاطِـئ من التاريخ، ولكننا سنمدّ أيدينا إليكم إذا أبديتم الاستعداد، لأن ترْخوا قبضتكم"، فقال الدكتور سعد الدين إبراهيم:

"هناك مَـثَـل مصري ينطبِـق تماما على الرئيس أوباما، يقول المثل "تحلف لي أصدّقك، أشوف أفعالك، أستعجِـب!". فقد قدّم نفسه دائما على أنه رجل الأفعال وليس الأقوال، ولكنه بعد ثمانية أشهر لم يفعل شيئا ممّـا وعد به في هذا المجال، لذلك قرّر تحالُـف المصريين الأمريكيين تنظيم مظاهرة احتجاج على زيارة الرئيس المصري أمام البيت الأبيض أثناء استقبال أوباما للرئيس مبارك، سترفع شِـعارات لتذكير الرئيس أوباما بوعُـوده، خاصة وأن النظام المصري يسعى إلى مُـقايضة التعاون الاستراتيجي المصري مع الولايات المتحدة والتعاون مع الجهود الأمريكية لدفع عملية السلام، مقابل دعم أوباما لسيناريو توريث الحُـكم إلى جمال مبارك، بحجّـة أن البديل الوحيد هو الإخوان المسلمون".

وقال الدكتور سعد الدين إبراهيم، الذي يترأّس منظمة أصوات من أجل مصر ديمقراطية، والتي تتّـخذ من واشنطن مقرا لها، "إن مسلسل التوريث بدأ يتقدّم بخطوات متسارعة قبل أسبوعين فقط من زيارة مبارك، واستعان فيه النظام بمباركة من البابا شنودة، بابا الأقباط في مصر، لترشيح جمال مبارك لرئاسة الجمهورية، ولجأ فيه الطامح في وراثة السلطة إلى موقع "الفيسبوك" لشنّ حملة ترويج لفِـكره الجديد، وقام جمال مبارك كذلك بجولة في المحافظات وسط إذاعة أغنية شعبية جديدة بعنوان "ما يمسِـكْـش ليه ما يحكُـمْـش ليه؟"، ولذلك، فليس من المُـستبعد أن يُـحاول مبارك حشد التأييد الأمريكي لبَـقاء النظام من خلال وريث، بعد أن جاوز الثمانين من عمره، ضمانا لهدف الولايات المتحدة التقليدي في تفضيل الاستقرار على حساب الديمقراطية، وبدا أن الرئيس المصري يُـغازل اللُّـوبي الصهيوني في سبيل دعم مسلسل التوريث. وبما أن السياسة مصالِـح وفرص وانتهازية، فلا يمكن أن نجْـزم بأن أوباما لن يقبل بتلك المقايضة. وإذا كان لنا مِـن مطلب عند الرئيس أوباما عشية زيارة مبارك له في البيت الأبيض، فهو أن يُـمارس نفوذه لدى النظام المصري للانفتاح السياسي وتحقيق استقلال القضاء، كدرع يحمي الحريات في مصر ورفع الظلم عن المعارضين السياسيين".

محمد ماضي – swissinfo.ch - واشنطن

مبارك: السلام أولا وتطبيع العلاقات مع اسرائيل ثانيا

القاهرة (رويترز) - قال الرئيس المصري حسني مبارك، ان الدول العربية ستعترف بإسرائيل وتطبع العلاقات معها بعد التوصل لسلام عادل وشامل في الشرق الاوسط، وليس قبل ذلك.

وصرح مبارك، الذي يقوم حاليا بزيارة للولايات المتحدة، في مقابلة مع رئيس تحرير صحيفة الاهرام المصرية نشرت في عدد يوم الاثنين 17 أغسطس، بأن تجربة العرب مع محادثات السلام المتعثرة في أعقاب مؤتمر السلام في مدريد عام 1991 "لا تشجع على اتخاذ خطوات لتطبيع العلاقات العربية مع اسرائيل".

وفي يوليو، دعا المبعوث الامريكي للشرق الاوسط جورج ميتشل الدول العربية "لاتخاذ خطوات ذات مغزى تجاه تطبيع العلاقات مع اسرائيل".

وصرح مبارك للأهرام "أكدت للرئيس (الامريكي باراك) أوباما في القاهرة أن المبادرة العربية تعرض الاعتراف باسرائيل والتطبيع معها، بعد وليس قبل التوصل للسلام العادل والشامل". وأضاف "وقلت له ان بعض الدول العربية التي كانت تتبادل مكاتب التمثيل التجاري مع اسرائيل.. قد تفكر في إعادة فتح هذه المكاتب، ان التزمت اسرائيل بوقف الاستيطان واستئناف مفاوضات الحل النهائي مع السلطة الفلسطينية من حيث توقفت مع حكومة أولمرت السابقة".

وسُئل عن احتمال مشاركة مصر في "مظلة دفاعية" أمريكية أشارت لها وزيرة الخارحية الامريكية هيلاري كلينتون في يوليو لمواجهة ايران النووية، فأجاب بأن مصر لن تكون طرفا فى مثل هذه المظلة، لانها تعني قبول تواجد قوات وخبراء أجانب على أراضيها.

واستطرد "مصر لن تكون طرفا فى مثل هذه المظلة.. أولا، لانها تعني قبول تواجد قوات وخبراء أجانب على أرضنا، وهو ما لا نقبله .. وثانيا، لان هذا الطرح ينطوى على قبول ضمنى بوجود قوى نووية اقليمية، وهو ما لا نرضاه.. الشرق الاوسط ليس في حاجة لقوى نووية، لا من جانب ايران أو من جانب إسرائيل. المنطقة فى حاجة للسلام والامن والاستقرار والتنمية.. ومبادرة مصر منذ عام 1974 لاخلاء الشرق الاوسط من السلاح النووى، جاءت من هذا المنطلق، وكذلك دعوتي منذ عام 1990 لاعلان الشرق الاوسط منطقة خالية من كافة أسلحة الدمار الشامل".

كما نفى مبارك التكهنات بشأن حل مجلس الشعب. وأشارت صحف مصرية مستقلة الى ان مبارك قد يحل مجلس الشعب، لابعاد أبرز المعارضين لحكومته كخطوة أولى نحو التوريث، بحيث يخلفه في السلطة ابنه جمال (45 عاما). وقال مبارك "ليس لدي اليوم أسباب تطرح ضرورة حل البرلمان".

(المصدر: وكالة رويترز بتاريخ 17 أغسطس 2009)

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة