لماذا تعتبر صفقة لقاح موديرنا كوفيد -19 السويسرية محفوفة بالمخاطر؟

انضمت سويسرا إلى قائمة تتزايد فيها البلدان التي توقع اتفاقات ثنائية مع الشركات المصنعة، لحجز حصصها من اللقاحات مسبقاً. Keystone / Carolyn Kaster

يقول الخبراء إن تقدّم سويسرا بطلب الحصول على لقاح من شركة التكنولوجيا الحيوية الأمريكية "موديرنا" Moderna - وهي الخطوة الأولى من نوعها - هو علامة على أن البلاد تعلّق أملاً ضئيلاً في التوزيع العادل للقاح ضد كوفيد-19.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 أغسطس 2020 - 11:00 يوليو,

 بتوقيع الصفقة الأسبوع الماضي، أصبحت سويسرا واحدة من أوائل الدول التي أبرمت اتفاقية مع شركة موديرنا. لكنها ليست الوحيدة التي قامت بتوقيع اتفاقيات ثنائية مع الشركات المصنعة؛ فقد أنفقت كل من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والبرازيل، واليابان الأموال فعلياً عند حجزها المسبق لتأمين الوصول المبكر للقاحات الواعدة.

ومع احتدام سباق انتاج اللقاحات، جعلت صفقة موديرنا الكثيرين في سويسرا يتنفسون الصعداء، حيث يرون أنها تدبير ضروري لحماية السكان السويسريين.

إلا أن النقاد يعتبرون أن الحجز المسبق لكميات من اللقاح هو بمثابة رهان مكلف يقوض في نهاية المطاف الجهود العالمية لضمان التوزيع العادل للقاحات ضد كوفيد-19، الأمر الذي أعربت سويسرا عن دعمها له.

يقول باتريك دوريش الذي يقود السياسة الصحية في منظمة "عين الجمهور" السويسرية غير الحكومية: "تُظهر هذه الصفقة عدم اقتناع السويسريين بأنه سيتم تحقيق تفاهم عالمي يرمي إلى توزيع اللقاحات بشكل عادل".

غطاء أمان

أحد هذه الجهود العالمية الرئيسية هي منشأة كوفاكس (COVAX) المصممة لضمان وصول عالمي عادل إلى لقاحات ضد فيروس كوفيد-19. وقد كانت سويسرا داعماً سباقاً لهذه المبادرة، وهي الآن الرئيس المشارك للتعاون العالمي الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية لتسريع عملية التطوير وتأمين الحصول العادل على اللقاح. وتهدف المنشأة إلى شراء ملياري جرعة لتطعيم 20% من سكان البلدان المشاركة بحلول نهاية عام 2021.

وفي الإعلان عن صفقة موديرنا، أكدت الحكومة السويسرية أنها لا تزال تدعم المشاريع متعددة الأطراف مثل COVAX من أجل أن يتم التوزيع العادل للقاح في المستقبل.

ويرى دوريش أن الأمر غير منطقي؛ فصحيفة "ذي إيكونوميست" The Economist   تقدّر بأن الحكومات في جميع أنحاء العالم قد قامت بعمليات شراء مستقبلية لأربعة مليارات جرعة من اللقاحات ضد كوفيد-19 ليتم تسليمها بحلول نهاية العام المقبل. ويشمل ذلك صفقات مع "أسترا زينيكا" AstraZeneca من قبل حكومة كل من الولايات المتحدة مقابل 400 مليون جرعة، والمملكة المتحدة مقابل 100 مليون جرعة. كما وقّعت إدارة ترامب يوم الثلاثاء الماضي، اتفاقية مع شركة موديرنا للحصول على 100 مليون جرعة إضافية.

ومع ذلك، يقدر التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة (CEPI) أن قدرة التصنيع العالمية لا تكفي إلا لإنتاج ما بين 2 إلى 4 مليارات جرعة حتى نهاية عام 2021. وإذا استمرت البلدان في توقيع اتفاقيات فردية، فمن الواضح أنه لن يكون هناك ما يكفي من الجرعات لتأمين حاجات البلدان الأكثر فقراً.

والجدير بالذكر أنه وحتى الآن، فإن"أسترا زينيكا" و"نوفوفاكس" Novovax فقط قد خصصتا جرعات لكوفاكس، إضافة إلى صفقاتهما الثنائية.

ولكن ما هو البديل؟ يتوقع الخبراء أن هناك فترة آتية سيفوق خلالها الطلب على اللقاح العرض المتوفر بكثير.

وتساءل وزير الصحة آلان بيرسيه خلال عطلة نهاية الأسبوع المنصرم في صحيفة نويه تسِوخر تسايتونغ الصادرة باللغة الألمانية: "هل ينبغي لنا عدم فعل أي شيء وانتظار تلقي اللقاح؟ نحن نهتم بأمرين اثنين: إمداداتنا الخاصة وضمان التوزيع العادل على الصعيد الدولي".

لكن هذا لا يطمئن كثيرا المدافعين عن الصحة العامة أمثال دوريش.

ويصرّح الأخير لـ Swissinfo.ch قائلاً: "من منظور الصحة العامة، ليس منطقياً القيام بتلقيح جميع السكان في سويسرا، وترك العاملين في مجال الرعاية الصحية في إفريقيا، على سبيل المثال، غير مُلقحين". ويضيف قائلاً: "يجب أن نضمن أن المجموعات المعرضة ذات الأولوية مثل العاملين في مجال الرعاية الصحية هي التي تتلقى اللقاحات الأولى، بغض النظر عن مكان وجودها".

رهان محفوف بالمخاطر

الصفقة هي أيضاً بمثابة مقامرة باهظة الثمن، وإذا تمت بنجاح، فمن المتوقع أن تسهم 4.5 مليون جرعة في تلقيح 2.25 مليون شخص - أي حوالي ربع سكان سويسرا، وقد خصصت الحكومة السويسرية في وقت سابق من هذا العام 300 مليون فرنك سويسري لشراء اللقاحات بهدف تأمين ما يكفي لتطعيم 60% من السكان.

وفي حين أن تفاصيل الصفقة تبقى شحيحة، تقدر صحيفة تاغيس أنتسايغر الناطقة بالألمانية أن الحكومة السويسرية دفعت حوالي 100-150 مليون فرنك سويسري (110-160 مليون دولار) إلى شركة موديرنا بناءً على السعر الخاص بشركة التكنولوجيا الحيوية وهو 32-37 دولاراً للجرعة الواحدة.

وقد صرح المكتب الفدرالي السويسري للصحة العامة لـ swissinfo.ch بأنه لا يمكنه تقديم تفاصيل حول شروط العقد؛ فعادةً في اتفاقية شراء مسبقة مثل هذه، تقدّم الحكومة مبلغاً من المال للجهات المعنية، من أجل تمويل مزيد من التطوير للقاح مقابل ضمان تخصيص قدر معين من الإنتاج لصالحها. وإذا فشلت هذه الجهات في الوصول إلى لقاح مضمون النتائج، فإن الحكومة لا تسترد أموالها.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن لقاح موديرنا هو واحد من عدد قليل من المشاريع التي وصلت إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية من بين أكثر من 160 لقاحاً مرشحاً على مستوى العالم. وعادةً ما يكون احتمال فشل اللقاحات في التجارب النهائية 20%. وعلى الرغم من أن لديها حوالي 20 دواء ولقاحاً قيد التطوير، إلا أن الشركة التي تبلغ من العمر عشر سنوات ليس لديها أي منتج قد وصل إلى مرحلة التسويق التجاري.

يقول دوريش: "القرار الذي اتخذته سويسرا في شأن اللقاح محفوف بالمخاطر وسابق لأوانه. سويسرا عالقة في عمليات البحث عن اللقاح والدعاية الصاخبة". ويضيف: "إنهم يخشون أنه إذا لم نفعل ذلك الآن، فلن يتبقى أي أمل بالحصول على اللقاح."

وكانت الحكومات قد وقعت قبل عشر سنوات، صفقات مماثلة للقاح إنفلونزا الخنازير. وفي النهاية كان عليها إيجاد طرق للتبرع بها أو التخلص منها عندما هدأ تفشي المرض.

وتشير السلطات الصحية الفيدرالية إلى أنها تجري محادثات مع الشركات المصنعة الأخرى. وكدليل محتمل على المزيد من الصفقات القادمة، أعلنت الحكومة عن اتفاقية مع "سويس بيوتيك موليكولور بارتنرز" Swiss biotech Molecular Partners يوم الثلاثاء الماضي، للوصول إلى 200000 جرعة من علاج "مونو-داربن" Mono-DARPin قيد التطوير، لفيروس كوفيد-19.

قيود وشروط

وقد كانت موديرنا أيضاً مثار انتقادات على عدة جبهات؛ فالسعر المحدد للقاح هو الأغلى من بين اللقاحات المرشحة، كما تم دعمه من قِبَل الدول بشكل كبير. وقد خصصت الحكومة الأمريكية 955 مليون دولار لدعم الأبحاث المتعلّقة بلقاح موديرنا المرشح للاستخدام.

كما صرح الرئيس التنفيذي أيضاً وعلناً أنه يهدف إلى تحقيق الأرباح - على عكس شركتي "جونسون أند جونسون" و " أسترا زينيكا" اللتين قالتا إنهما ستنتجان اللقاحات من دون توخي الربح المادي. وقد أبلغ موقع STAT للصناعة الصحية عن وجود ثغرات في الكشف عن تكاليف تطوير لقاح ضد كوفيد-19، وهو أمر مطلوب بموجب القانون الفيدرالي الأمريكي.

ويعلق دوريش قائلاً: "تكتب الحكومات شيكات على بياض دون أية قيود مرتبطة بالسعر أو شروط الحصول عليه ودون شفافية".

ويعتبر مايكل ألتورفر، الذي يرأس جمعية التكنولوجيا الحيوية السويسرية، بأنه من المهم للشركة تحقيق الأرباح من استثماراتها. "وإلا، فإن المستثمرين سيأخذون العبرة ويجهضون استثماراتهم في هذا المجال"، على حد قوله.

وقد قامت شركات الأدوية الكبرى بالتخلي عن العمل في مجالات مثل البحث والتطوير في مجال اللقاحات والمضادات الحيوية الجديدة، لانتفاء إمكانية تحقيق عائد على استثماراتها في حال كانت الأسعار منخفضة.

ويشير ألتوفر إلى أنه كما هو الحال مع العديد من الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية، تحمل المستثمرون من القطاع الخاص المخاطر في المراحل الأولى من تطوير تقنية mRNA والتي منحت شركة موديرنا مكانة في السباق بين غيرها من الشركات، من أجل الحصول على لقاح ضد كوفيد-19.

وسيكون لسويسرا أيضاً نصيبها الخاص في حال نجاح شركة موديرنا في وضع اللمسات الأخيرة على اللقاح، حيث وقعت صفقة مع شركة "لونزا" Lonza لتصنيع المكونات الدوائية الفعالة (API) للقاح موديرنا كجزء من عمليات شركة "لونزا" في كانتون فاليه.

كما ذكرت وسائل الإعلام السويسرية أيضاً أن شركة موديرنا تقوم على ما يبدو بالبحث عن موطئ قدم لنشاطاتها في سويسرا. ووفقاً للتقارير، فقد سجلت الشركة فرعاً محلي في السجل التجاري السويسري مع نهاية يونيو المنصرم. كما عينت الشركة يوم الثلاثاء الماضي نيكولاس كورنيه، رئيساً لتولّي العمليات الأوروبية، متخذة من بازل مقراً لها.

ويجعل هذا سويسرا واحدة من البلدان القليلة التي تُحسد على مكانتها؛ حيث يتم إنتاج اللقاح على أراضيها كما أن لديها القدرة المادية لشراء وتوفير اللقاح لسكانها.

تقول سويري مون المديرة المساعدة لمركز الصحة العالمي في معهد جنيف للدراسات العليا، إن على الحكومة السويسرية أن تستثمر موقفها للضغط على "لونزا" للالتزام بإرشادات منظمة الصحة العالمية بشأن التوزيع عند إنتاج اللقاحات. وتضيف: "يمكن للحكومة نفسها أيضاً اتباع نهج أكثر تكاملاً من خلال شراء كمية كبيرة دفعة واحدة، بعضها للاستخدام في سويسرا والباقي لاستخدامه في البلدان الأخرى، عبر منشأة COVAX التي حظيت بدعم قوي من سويسرا".

مشاركة