Navigation

لماذا تعثرت مبادرة الشرق الأوسط الكبير؟

وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في الإجتماع الأخير لمنتدى المستقبل (المنامة - 12 نوفمبر 2005) Keystone

بعد عامين من إطلاق واشنطن ما وصف بمبادرة الشرق الأوسط الكبير لدعم التحول الديمقراطي في المنطقة، عجزت رياح التغيير عن تبديل أنظمة الحكم غير المنتخبة فيها.

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 ديسمبر 2005 - 08:34 يوليو,

وقد أفلح الحكام العرب في إقناع دول الغرب بأن للمنطقة خصوصياتها، وأن التحول الديمقراطي يجب أن ينبع من الداخل ويسير وفقا لإيقاع كل دولة على حدة!

سويس إنفو التقت في واشنطن بالدكتورة تمارا ويتيز، الخبيرة بمركز صابان لسياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكنغز، وأجرت معها المقابلة التالية:

سويس انفو: لنتذكر معا ماذا كانت أهداف مبادرة الشرق الأوسط الكبير؟

الدكتورة تمارا ويتيز: كان هناك مستويان من الأهداف المتوخاة من تلك المبادرة:

أولا: إقامة نوع من التعاون بين الولايات المتحدة والدول الصناعية الغربية حول كيفية دفع مسيرة الإصلاح في تلك المنطقة البالغة الحيوية بالنسبة للطرفين، وأعتقد أن المبادئ التي تم التوصل إليها في مؤتمر قمة الدول الصناعية الكبرى في سي آيلاند تشكّـل أساس التفاهم الأمريكي الأوروبي حول التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط الكبير.

ثانيا: توسيع وإثراء الحوار بين الدول الصناعية الكبرى وبين دول المنطقة حول نوعية الإصلاحات الضرورية وما هو العاجل منها، وما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به الدول الصناعية الكبرى في مساعدة تلك الدول على إنجاز تلك الإصلاحات.

غير أنه بعد مرور عامين، لا زال الحوار مقتصرا في تركيزه على الإصلاح الاقتصادي والتعليمي، ولم يتطرق الحوار بعد حول مضمون الإصلاح السياسي، ولا زال هناك الكثير الواجب عمله في هذا الصدد.

سويس انفو: فيما بين عامي 2003 و2005، ظهرت فجوة هائلة بين الطنطنة الخطابية للرئيس بوش حول نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط الكبير، وبين تنفيذ سياسة فعالة لدفع مسيرة الإصلاح وتحقيق أهداف المبادرة. فبماذا تفسرين تلك الفجوة؟

الدكتورة تمارا: يجب الاعتراف بأن تغيير توجهات السياسة الخارجية الأمريكية إزاء الشرق الأوسط، كما تعهد بذلك الرئيس بوش لدعم الديمقراطية فيها، ليس بالأمر الهيّـن وسيستغرق وقتا طويلا، غير أنه يجب الاعتراف أيضا بأنه تم تحقيق بعض التقدم الرئيسي تمثل في جعل الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان جزءا لا يتجزأ من كل حوار ومباحثات تجريها واشنطن مع دول المنطقة، لكن لا زالت هناك هوة كبيرة تفصل بين الخطاب الإعلامي للرئيس بوش حول دعم الإصلاح السياسي، وبين البرامج الفعلية التي تقوم بها الولايات المتحدة على أرض الواقع لإحداث ذلك التغيير.

فعلى سبيل المثال فإن مبادرة الشراكة الأمريكية مع شعوب وحكومات الشرق الأوسط، التي كانت أولى تلك البرامج، لا زالت محدودة التأثير. كذلك فإن البرنامج الأكبر الذي تقوم به الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لا زال ينتظر التعديل ليأخذ في الاعتبار دعم الديمقراطية كهدف رئيسي، ولا زال هناك سؤال لم يجد له إجابة وهو: لماذا تقدم الولايات المتحدة المساعدات لدول في المنطقة دون أن تشترط التزامها بإدخال إصلاحات ضرورية للتحول الديمقراطي؟

سويس انفو: ما هي أوجه القصور التي أعاقت تحقيق أهداف مبادرة الشرق الأوسط الكبير؟

الدكتورة تمارا: أولا، في البداية كانت هناك فورة من الشعور اجتاحت دول المنطقة تقر بالحاجة إلى التغيير، صاحبها قصور في الحوار حول طبيعة التغيير المطلوب أو كيفية إحداثه، وفي ظل غياب وضوح الرؤية على مستوى دول المنطقة، كان من الصعوبة بمكان على الولايات المتحدة أو غيرها أن تأتي من الخارج لتملي على الدول العربية ما الذي تراه ضروريا للإصلاح، دون أن يتم استقبال مثل تلك المقترحات بالرفض والممانعة.

ثانيا، أما الآن وقد أصبح الحوار داخل الدول العربية أكثر قوة ووضوحا مما كان عليه حول ضرورة التحول للديمقراطية كمطلب شعبي، أصبح بوسع الدول الغربية والولايات المتحدة الاستجابة بتقديم يد العون لتحقيق ذلك المطلب.

سويس انفو: ولكن الدكتور سعد الدين إبراهيم، عالم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة يرى أن بعض الحكام العرب استغلوا المشاعر المعادية للولايات المتحدة لإقناع شعوبهم برفض أي ضغط أمريكي باتجاه التحول الديمقراطي؟

الدكتورة تمارا ويتيز: بالتأكيد، شكل هذا الاستغلال صعوبة أمام الدفع باتجاه أهداف مبادرة الشرق الأوسط الكبير، وقد لعب هذا الاستغلال على خلفية الشك الطبيعي لدى شعوب المنطقة في دول الغرب بعد أن عانت من الاستعمار والتدخل الغربي لعقود طويلة، ولكن منظمات المجتمع المدني في المنطقة، تطالب بنفس ما تحاول المبادرة تحقيقه، وأصبح المواطن العربي أكثر رفضا لكل المبررات التي تقدمها الحكومات العربية للمماطلة في التحول نحو الديمقراطية، وأصبح المواطن العربي يتساءل إذا كان الشعب العراقي والشعب الفلسطيني قد تمكنا من ممارسة حقوقهما الانتخابية تحت أقسى الظروف السياسية وفي ظل الاحتلال. فكيف لا يمكن توفير انفتاح في الأنظمة السياسية العربية بحجة المحافظة على الاستقرار؟

سويس انفو: يعتقد بعض خبراء التحول الديمقراطي، بأن بعض الحكام العرب تمكنوا من تلافي الضغط الغربي للتحول الديمقراطي من خلال التعلل بأعذار ومبررات. فلماذا سمحت الولايات المتحدة لهؤلاء الحكام بالهروب بهذه المبررات؟

الدكتورة تمارا: أعتقد أن الولايات المتحدة سمحت بذلك طالما كانت تعتقد بمبدأ مبادلة الديمقراطية بالحفاظ على الاستقرار من خلال الإبقاء على نظم الحكم الأوتوقراطية في المنطقة، ولكن الحكومة الأمريكية تخلت عن تلك السياسة بعد هجمات 11 سبتمبر، وظهر ذلك في المبادئ التي تضمنها إعلان قمة الدول الصناعية في سي آيلاند، حيث أقر بأن هناك ظروفا محلية وخصوصيات ثقافية لها أهميتها، ولكن يجب ألا تستغل تلك الظروف والخصوصيات كأعذار تحول دون العمل على التحول نحو الديمقراطية.

سويس انفو: استخدم حكام عرب تكتيكات تخويف الولايات المتحدة ودول الغرب من أن السماح بإجراء انتخابات حرة في بلادهم، سيسفر في نهاية المطاف عن إطلاق قوى الإسلام السياسي. فكيف أسهمت تلك التكتيكات في تقليل عزم واشنطن على دفع التحول الديمقراطي إلى الأمام؟

الدكتورة تمارا ويتيز: لقد شكّـل هذا التكتيك أجواء صعبة بالنسبة للخيارات الأمريكية، خاصة مع التأكيد على تصور مفاده أن وصول الحركات السياسية الإسلامية إلى البرلمانات سينطوي على رفضها لأهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، خاصة عملية السلام أو جهود توفير الاستقرار في العراق، بالإضافة إلى تاريخ بعض تلك الحركات فيما يتعلق باستخدام العنف ضد الأمريكيين أو الغربيين، مثل جماعة حزب الله، ويخلق هذا نوعا من التناقض في المواقف الأمريكية من عملية التحول الديمقراطي في المنطقة.

غير أن هناك إدراكا من الحكومة الأمريكية أن الديمقراطية تتطلب، بل وتقتضي مشاركة وتمثيل كل القوى السياسية الملتزمة بقواعد اللعبة الديمقراطية، وبالتالي، تدرك واشنطن أنه ليس بوسعها أن تقرر من هي الأطراف التي يمكنها المشاركة في اللعبة الديمقراطية، غير أنه يجب القول أيضا أن الولايات المتحدة مهتمة اهتماما لا يمكن إنكاره بترقب من الذي سيفوز بأصوات الناخبين في صناديق الاقتراع في دول منطقة الشرق الأوسط الكبير.

سويس انفو: مع المفاجأة التي حققتها جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية المصرية وفوزها بربع مقاعد مجلس الشعب حتى الآن، هل ستغير حكومة الرئيس بوش موقفها من تلك الجماعة؟

الدكتورة تمارا: لا أتوقع أن تغير الولايات المتحدة موقفها بشكل جذري من جماعة الإخوان المسلمين، ولكن أعتقد أن هناك أسئلة بالغة الأهمية تحتاج إلى إجابات فيما يتعلق بمدى التزام الإخوان المسلمين بالديمقراطية، وموقفهم من القضايا الإقليمية الهامة مثل عملية السلام، وصحيح أن الجماعة أحاطت مواقفها من تلك القضايا، وكذلك برنامجها السياسي بكثير من اللبس والغموض بالنظر، لأن النظام الحاكم يعتبرها جماعة محظورة، فإنها الآن ستجلس داخل مجلس الشعب المصري وبأعداد وفيرة، وسيتعين عليها توضيح مواقفها، خاصة فيما يتعلق بمستقبل مصر، ومتى أصبحت جماعة الإخوان المسلمين قادرة على صياغة مواقفها وبرنامجها السياسي بوضوح، سيمكن للولايات المتحدة والدول الأخرى الحكم بشكل أفضل على فرص الحوار والعمل معها.

سويس انفو: لنعود مرة أخرى إلى تقييم مبادرة الشرق الأوسط الكبير، كيف تقوِّمين نجاح أو فشل المبادرة في بدء حوار بين الحكومات الغربية وبين منظمات المجتمع المدني العربية حول سبل تحقيق الإصلاح؟

الدكتورة تمارا ويتيز: أعتقد أن تلك عملية اتَّـسمت بالبطء، رغم أهميتها القصوى. وفي الماضي، كان من ضمن العوائق التي اعترضت سبيل الحوار مع الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، الحرص التقليدي على الحفاظ على الحوار مع الحكومات العربية فقط، وليس مع تلك المنظمات التي تعرضت للقهر في كثير من الدول العربية.

أما الآن وقد أصبحت تلك المنظمات قادرة على النضال من أجل المزيد من الحريات الليبرالية لأداء مهامها في المجتمعات العربية، فإنه يتعين على الولايات المتحدة ودول الغرب مساندة منظمات المجتمع المدني العربية في نضالها والشروع في حوار معها، وهناك عائق آخر على الجانب العربي، وهو أن كثيرا من تلك المنظمات تنظر بعين الشك إلى الدوافع والنوايا الأمريكية وراء الدفع بعملية الإصلاح والتحول الديمقراطي.

سويس انفو: ماذا عن مدى نجاح المبادرة في تشجيع الحوار بين الحكومات العربية ومنظمات المجتمع المدني العربية؟

الدكتورة تمارا: هذا سؤال ممتاز حقا لأن أحد العناصر الرئيسية في المبادرة هو المساعدة في إثراء الحوار حول الديمقراطية من خلال وضع منظمات المجتمع المدني العربية كشريك على قدم المساواة في الحوار مع حكوماتهم ومع مجموعات رجال الأعمال ومع الدول الغربية حول سبل وأطر التغيير المرغوب فيها في مجتمعاتهم، ولكن أيضا اتسمت هذه العملية بالبطء وتعيّـن على تلك المنظمات أن تناضل من أجل القيام بالدور الذي حدّدته لها مبادرة الشرق الأوسط الكبير، وقد أظهر منتدى المستقبل في البحرين دورا متناميا وأكثر فعالية لتلك المنظمات، بالمقارنة مع المنتدى الأول الذي عقد في الرباط العام الماضي.

سويس انفو: لكن، ألا تعتقدين بأن سماح واشنطن لمصر بأن تحول دون التوصل لبيان ختامي في البحرين، يظهر أن الولايات المتحدة لا زالت تتخبط بين ضرورة ممارسة نفوذها لدى الحكومات العربية الصديقة ؟

الدكتورة تمارا: يجب الاعتراف هنا بأن للولايات المتحدة قائمة طويلة من المصالح الإستراتيجية، تتضمن القضايا التي ذكرتها وتتضمن أيضا دعم الديمقراطية في المنطقة، وستكون الولايات المتحدة غير صادقة إذا قالت إنها راغبة في التضحية بكل تلك المصالح الإستراتيجية من أجل سواد عيون الديمقراطية، ومع ذلك، فإن الجديد في التوجه الأمريكي أن تعزيز الديمقراطية في العالم العربي أصبح محورا رئيسيا في قائمة الاهتمامات الإستراتيجية الأمريكية، لكنه هدف بعيد المدى.

ويجب إدراك أنه ستكون هناك مواقف ستقرر معها الولايات المتحدة تأجيل موضوع نشر الديمقراطية وتقديم أولويات إستراتيجية أخرى قصيرة المدى، مما قد يظهر تناقضات في المواقف والسياسات الأمريكية، بل وسيعرض ذلك الحكومة الأمريكية لأن تظهر بمظهر النفاق السياسي، غير أن مصداقية سياسة الولايات المتحدة على المدى البعيد، ستتوقف على ما إذا كانت مسألة دعم الديمقراطية ستجد مساندة بالعصا والجزرة، وستحظى باهتمام متواصل من البيت الأبيض أم لا، وما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة كذلك لتأجيل بعض الاهتمامات الإستراتيجية لصالح دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير؟

أجرى الحديث في واشنطن: محمد ماضي

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.