تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

لماذا غاب الرأي العام العربي؟

قوات الأمن الأردنية منعت في العاشر من مارس طلبة الجامعة من الخروج للتظاهر تأييدا للفلسطينيين في شوارع العاصمة عمان

(Keystone)

على الرغم من ضراوة الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني وقيام قوات الاحتلال بالعديد من التجاوزات ضد المدنيين العزل وفداحة الإصابات البشرية والمادية التي تجرى وقائعها كل لحظة تقريبا، فإن مواقف الشعوب العربية، رغم حقيقة تعاطفها الكبير مع الفلسطينيين، بدت، وبشكل محير، غائبة تماما عن صورة الحدث

هنا تثار أسئلة كثيرة، أولها وآخرها يتعلقان بالأسباب التى أدت الى هذه الحالة الباهتة من ردود الفعل العربية الشعبية. ففي خلال شهور الانتفاضة التي تقترب الآن من ثمانية عشر شهرا متواصلة، لم تتعدّ المظاهرات التي شهدتها بلدان عربية مختلفة، عشرة مظاهرات شعبية عبرت عن السخط لما يجري للشعب الفلسطيني وعن إدانة شعبية للمواقف الرسمية التي تقترب كثيرا جدا من غياب القدرة على الفعل والاقتراب من حافة العجز.

بعض تلك المظاهرات جرت وقائعها في عواصم الأردن ومصر ولبنان والمغرب وسوريا، وانتهت اغلبها كالعادة بمصادمات مع قوات الأمن، وبعضها الآخر تم في أروقة بعض الجامعات في القاهرة وبيروت والخرطوم، والبعض الثالث تم بعد صلاة الجمعة في عدد من المساجد في القاهرة، أبرزها الجامع الأزهر الذي شهد مظاهرتين قبل عام، لم تتجاوز الواحدة نصف الساعة تقريبا، وكانت محاطة بحشود أمنية، منعتها من السير بعيدا عن الطرقات القريبة من المسجد.

وفي يوم الجمعة 7 مارس الجاري، جرت محاولة محدودة للخروج بمظاهرة أخرى بعد صلاة الجمعة، ولكن الأمن منعها من التحرك. كما جرت محاولة للقيام بمظاهرة طلابية في جامعة القاهرة وجامعة قناة السويس يوم الأحد 9 مارس، ولكن لم يسمح لأي منها بالحدوث، وذلك جريا على قاعدة منع المظاهرات الشعبية أيا كانت الأسباب أو الجهة المنظمة لها.

ومع ذلك كانت هناك محاولتين أخيرتين في جامعتي طنطا والمنوفية ـ وهما من جامعات الاقاليم البعيدة عن العاصمة ـ يوم الاثنين 11 مارس، منعتها ايضا قوات الامن.

أما الحدث الأبرز فهو خروج مجموعة محدودة من المواطنين العمانيين يوم الاثنين 11 مارس الجاري، رافعين شعارات مكتوبة باليد، تدين الاعتداءات الاسرائيلية وتعبر عن قدر من التعاطف مع الشعب الفلسطينى، وما عدى ذلك فلا شيء يذكر.

ومعروف أن هناك حظرا رسميا في الأردن على خروج المظاهرات منذ عشرة اشهر، بعد أن حدثت مصادمات بين مظاهرات حاشدة نظمتها أحزاب أردنية إسلامية معارضة، حاولت الوصول الى المعابر الفاصلة بين الأردن والأرض الفلسطينية المحتلة.

حظر المظاهرات ومنع "تسييس" الجامعات

كما أن المظاهرات ممنوعة أصلا في كل البلدان العربية، اللهم إلا تلك التي تنظمها السلطة أو الحزب الحاكم لغرض معين، وبصورة لا تخرج إطلاقا عن هدف تأييد الحكومة أو القيادة السياسية، وما عدا ذلك فهو ممنوع.

وحتى الأعمال الشعبية التضامنية التي تسعى أحزاب رسمية عربية، ولكنها معارضة، أو نقابات مهنية مثلا، للقيام بها، فلا يسمح بها إلا إذا كانت في إطار محدود ووسط أماكن مغلقة، منعا من ان تستقطب عددا كبيرا من الجماهير.

وفى مصر، وهي البلد العربي الأكبر، هناك سياسة رسمية يزيد عمرها عن ربع القرن وقوامها منع تسييس الجامعات، بمعنى منع أي عمل أو نشاط سياسي داخل الجامعة، حيث لا يسمح للطلاب بممارسة أي نشاط ذي طابع سياسي، ويمنع تواجد الأحزاب تماما، والشعار المرفوع "أن الجامعة هي للعلم فقط، والسياسة يجب ان تنزع نزعا عند أبوابها".

ويبدو ان هذه السياسة موجودة في البلدان العربية بلا استثناء. وإذا وضعنا في الاعتبار ان الطلاب الجامعيين حين يُمنعون من العمل السياسي في سن تشكيل الوعي بالقضايا القومية والوطنية الكبرى، فحصيلة الشعار المرفوع تعنى حرمان الأجيال الجديدة من الانخراط في الحياة السياسية بكل مكوناتها وفروعها.

ومع القيود القانونية الموجودة بالفعل على أنشطة الأحزاب العربية، تصبح النتيجة ان حالة المشاركة السياسية العربية المنظمة حزبيا او نقابيا تزداد سلبية عاما بعد عام، وتزداد معها حالة اللامبالاة في الشارع العربي.

القرارات للحكومات لا للجماهير

وثمة عامل آخر تحرص عليه كل الحكومات العربية تقريبا وقوامه ان السلطات الرسمية فقط هي المعنية بتحديد المواقف والسياسات، وان المواطنين ليس لهم الحق في التعبير عن مواقف مختلفة، أو الضغط من أجل تغيير أحد عناصر هذه السياسة.

وبما ان الحكومات تجتهد من أجل الحفاظ على القضية الفلسطينية وتقوم بما عليها من واجبات دولية وإقليمية، فليس للجماهير الحق في التعبير عن الغضب أو السخط، وكل ما عليها هو الانتظار والصمت، إن لم يكن تأييد ما تقوم به الحكومات.

وبالرغم من أن هناك مقولة شائعة تربط بين الفن والفنانين والقدرة على الانفعال بالأحداث الوطنية الكبرى، وتقديم أعمال تعبر عما يجيش في نفوس عموم المواطنين العرب، فإن مراجعة الأعمال الفنية العربية، من أغنيات او مسرحيات او مسلسلات درامية او حتى سهرات فنية تعبر ولو عن الحد الأدنى من الانفعال بما يجرى فى فلسطين، يبدو محدودا جدا، ولا يتناسب مع طبيعة ما يجري من أعمال إسرائيلية وحشية تثير الكثير من الانفعال والغضب في النفوس.

ولعل اشهر الأعمال الفنية التي يمكن ان تدخل في باب الأعمال الفنية ذات المضمون السياسي ذي الصلة بفلسطين ـ حتى مع الاعتراف بالمستوى الفني المتواضع ـ هي ما تغنى بها المغنى الشعبي المصرى شعبان عبد الرحيم بعنوان "بحب عمرو موسى وبأكره اسرائيل"، والتي يقال أن عدد الشرائط المباعة منها قد تجاوز الخمسة ملايين شريط، هذا غير ما تم نسخه بطريقة غير تجارية، وذلك إضافة الى بعض أغنيات لمطربين محليين لم تجد أي صدى يذكر في الشارع العربي.

والاستنتاج الذي يمكن قوله هنا أن الحصيلة الشعبية العربية المرتبطة بوقائع العدوان الإسرائيلي المستمر بائسة جدا، ولا تتناسب مع ما يتعرض له الفلسطينيون بالفعل من أحداث وصلت الى حد المجازر المخططة واستهداف المدنيين بصورة منهجية، وبطريقة تشبه بصورة ملفتة للنظر ما جرى للمسلمين في البوسنة ثم في الكوسوفو على يد المتشددين الصرب قبل سبعة أعوام.

الغضب العابر

ويبدو الأمر اكثر غرابة لكثير من المراقبين، لاسيما غير العرب، حين يتطلعون الى رد فعل شعبي عربي، ولا يجدونه في أي بقعة عربية.

ويذكر هنا أن لقاء جمع بين ريتشارد هاس المسؤول عن التخطيط والسياسات في الخارجية الأمريكية وعدد من السياسيين والباحثين المصريين في القاهرة قبل ثلاثة أسابيع، تناول بصورة غير رسمية السياسة الامريكية والغضب العربي منها.

ومن المثير ان المسؤول الأمريكي كان حريصا على التعرف على ردود الفعل الُمنتظرة من الشارعين المصري والعربي في حال قيام الولايات المتحدة مثلا بضرب العراق عسكريا، فكان رد غالبية الحاضرين أن أي ضربة عسكرية أمريكية ستولد قدرا كبيرا من الغضب في الشارع العربي.

وهنا تساءل هاس، هل هذا الغضب سيتحول الى مظاهرات غاضبة ليوم أو يومين ثم تهدأ الأمور، أم قد تتطور الأمور الى ما هو اكثر من ذلك، وماذا ستفعل الحكومات العربية إزاءها، مشيرا الى انهم في واشنطن لم يلاحظوا مثل هذه المظاهرات العربية منذ فترة طويلة.

وكأن مضمون الرسالة الأمريكية واضحا يشير إلى انه لا يجب التعويل على رد فعل شعبي عربي، نظرا لان الحكومات العربية كفيلة بمواجهة مثل هذه الأمور.

ومن المفارقات المبكية، أنه في المؤتمر الصحفي الذي شارك فيه عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية يوم 10 مارس الجاري، بعد انتهاء أعمال المؤتمر رقم 117 لوزراء الخارجية العربية، دعا الشعب العربي للاستمرار في دعم الانتفاضة الفلسطينية، ودعا المؤسسات الشعبية وغير الحكومية الى ان تقوم بدورها في حماية ومساندة الشعب الفلسطيني، وهى دعوة وإن كانت صائبة شكلا، إلا إنها غير ذات موضوع مضمونا.

قيود .. وعجز

فالمجتمع المدني العربي، بأحزابه وجمعياته غير الحكومية ونقاباته وتنظيماته الشعبية، يواجه بمجموعة من القيود القانونية والسياسية التي تجعله عاجزا عن القيام بالحد الأدنى من واجباته أمام مجتمعاته المحلية المباشرة، والأمر اكثر تعقيدا إذا تطلب الموقف تحركا ما يتعدى الحدود العربية، لإيجاد صلة مع مجتمع مدني في بلد عربي آخر.

إن الأمر الذي لا يمكن التشكيك فيه هو وجود حالة تعاطف عربي عام في حدها الأدنى مع الشعب الفلسطيني، وحالة غضب داخلي وشعور بالإحباط من عدم القدرة على التحرك أو التعبير عن هذا الغضب.

كما ان الجمعيات الأهلية العربية، وفى ظل القيود القانونية القائمة، إضافة الى الإجراءات الجديدة التي اتبعتها غالبية الدول العربية لغرض المزيد من مراقبة أعمال الكثير من الجمعيات الأهلية، تحسبا من الوقوع تحت طائلة مزاعم رعاية الإرهاب وفقا للمفهوم الأمريكي، باتت ـ اي الجمعيات الأهلية العربية ـ غير قادرة بالمرة على تقديم أي نوع من الدعم المادي للشعب الفلسطيني وجمعياته الخيرية التي تقوم بمهمة توطيد وتدعيم روح التمسك بالأرض الفلسطينية والدفاع عنها ورعاية اسر الشهداء والمصابين الفلسطينيين.

د. حسن أبو طالب - القاهرة

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×